منذ وفاة سيدي جمال، وما زالت مسألة الخلافة تشغل بال كثير من المريدين، ولا تزال تثير نقاشًا لا يكاد ينتهي داخل الطريقة.
فالذين يؤيدون المرشح المطروح اليوم يستدلون عادة بعدة أمور:
الوصية المنسوبة إلى سيدي جمال.
بعض ما نُقل عنه في سنواته الأخيرة.
فيديو الحسيمة.
لكن هناك حجة أخرى يرى كثيرون أنها أقوى من كل ما سبق، وهي وصية سيدي حمزة.
وللوهلة الأولى، يبدو الأمر بسيطًا؛ فاسم المرشح موجود في وصية سيدي حمزة، كما أنه موجود أيضًا في الوصية المنسوبة إلى سيدي جمال. ولذلك يرى كثيرون أن المسألة قد حُسمت، وأنه لم يعد هناك ما يستدعي النقاش.
لكن عندما نرجع إلى تاريخ هذه الوصية، ونتأمل الظروف التي أحاطت بها، تبدأ الصورة في الظهور بشكل مختلف.
فالقضية ليست مجرد وجود اسم داخل وصية، والسؤال هو:
متى أُضيف هذا الاسم؟ ولماذا أُضيف؟ وفي أي ظروف؟ وكيف كان سيدي حمزة نفسه ينظر إلى هذه المسألة مع مرور السنين؟
وهذا بالضبط ما أريد أن أتوقف عنده هنا؛ فما يراه بعض الناس اليوم أمرًا محسومًا وواضحًا، يخفي وراءه قصة أطول بكثير، تتداخل فيها الشهادات والوثائق والذكريات، إلى جانب أحداث لا يعرف عنها كثير من الناس إلا القليل.
ولهذا، قبل أن نصدر الأحكام أو نصل إلى أي نتيجة، من الأفضل أن نرجع إلى الوقائع نفسها، وأن نتتبع تاريخ هذه الوصية منذ بدايتها، اعتمادًا على ما توفر من شهادات ووثائق ومعطيات.
فقد كثر الكلام عنها خلال السنوات الماضية، منه ما كان مبنيًا على معلومات دقيقة، ومنه ما لم يكن كذلك.
والواقع أن لوصية سيدي حمزة نسختين مختلفتين:
النسخة الأولى: كُتبت سنة 1990.
النسخة الثانية: تعود إلى سنة 2002، وهي التي أُضيف إليها اسم المرشح.
وقبل أن نتساءل عن معنى هذا التعديل، لا بد أولًا أن نفهم كيف ظهرت هاتان النسختان، وما الظروف التي كُتبت فيها كل واحدة منهما. وهذه ليست نقطة ثانوية، بل قد تكون من أهم مفاتيح فهم هذا الملف.
ففي رسالة وجّهها الوزير أحمد التوفيق إلى المرشح سنة 2022، ذكّره بوضوح بأن اسمه لم يكن موجودًا في وصية سنة 1990، وإنما أُضيف في مرحلة لاحقة. وهذا يدل على أن تطور الوصية وما طرأ عليها من تعديلات لم يكن أمرًا مجهولًا، بل كان معروفًا حتى خارج دائرة المريدين.
وصية سنة 1990: الحقائق والتفاصيل
فلنرجع الآن إلى سنة 1990.
في سنة 1990، كتب سيدي حمزة وصية عيّن فيها سيدي جمال خليفة له. وبحسب شهادات متداولة داخل الطريقة، كان هذا الاختيار يقوم أساسًا على نداء الحاج عباس سنة 1968، وعلى إشارات روحية أخرى ظل سيدي حمزة يذكرها في مناسبات مختلفة طوال حياته.
أما من سيأتي بعد سيدي جمال، فلا نجد في تلك الوصية أي اسم؛ فالروايات المنقولة عن الحاج عباس تتحدث فعلًا عن أحد أبناء سيدي جمال، لكنها لا تسمي أحدًا بعينه.
غير أن هناك أمراً يبعث على مزيد من التأمل.
ففي تلك السهرة المعروفة بالحسيمة، التي سبق أن حللنا سياقها انطلاقاً من الفيديو، صرّح سيدي جمال – وهو الذي سمع من والده سيدي حمزة كل ما يتعلق بهذه القضية – بأن الحاج عباس قد عيَّن ابنه سيدي منير.
وهذا التصريح، إن صحَّت نسبته إليه، يتعارض مع ما كان سيدي حمزة تؤكده وتكرره مرارًا أمام الشهود. ومن ثم، فإنه يُعد قرينةً إضافية على حجم الضغط الذي كان يرزح تحته سيدي جمال خلال تلك السهرة.
والأمر نفسه نجده في رواية أخرى نُقلت بحضور عدد من الشهود، تذكر نورًا ينتقل من قلب النبي (ﷺ) إلى قلب الحاج عباس، ثم إلى قلب سيدي حمزة، ثم إلى قلب سيدي جمال، ثم إلى قلب أحد أبنائه. لكن حتى في هذه الرواية، لا يرد اسم أحد.
وهذا بخلاف ما ذهب إليه بعض الناس بعد ذلك في تفسيرهم لهذه الروايات. وكان سيدي حمزة يروي هذه الأخبار كما سمعها وتلقاها، من غير أن يزيد عليها شيئًا. ولم يكن أحد أعرف منه بتفاصيلها، ولو كان فيها اسم محدد، لذكره كما ذكر غيره من تفاصيلها.
وهنا يبرز سؤال يصعب تجاهله: إذا كان الاسم معروفًا ومحددًا منذ ذلك الوقت، فلماذا لا نجده في وصية سنة 1990؟
هذا سؤال يفرض نفسه بمجرد الرجوع إلى تاريخ هذه الوثيقة؛ فكل ما قيل بعد ذلك، مهما تكرر، يبقى في النهاية فهماً أو تفسيراً أو اجتهاداً بشرياً. أما الأمر الثابت، فهو أن وصية سنة 1990 لا يرد فيها أي اسم.
ولو كانت المسألة قد حُسمت منذ ذلك الوقت، لكان من الطبيعي أن يُذكر الاسم فيها بوضوح. ولعل أقرب تفسير لذلك هو أن سيدي حمزة كان يرى دلائل واضحة على خلافة سيدي جمال، لكنه لم يكن قد وصل إلى الدرجة نفسها من اليقين فيما يتعلق بمن سيأتي بعده.
ومن هذا المنطلق، تبدو وصية سنة 1990 معبرة ببساطة عما كان يراه ثابتاً ومؤكداً في تلك المرحلة، لا أكثر ولا أقل.
وهذا لا ينفي أن كثيراً من المريدين كانوا، في تلك الفترة، يرون في سيدي منير مرشحاً لأن يكون له دور خاص في مستقبل الطريقة. وربما كان هذا التصور طبيعياً عند كثير منهم؛ فهو ابن الشيخ، وأكبر أبنائه، وقد وُلد بعد نداء الحاج عباس بمدة قصيرة.
ومن هنا بدأت مرحلة من الترقب والانتظار.
لكن يبقى فرق واضح بين ما يرجوه الناس أو يتوقعونه أو يستنتجونه من بعض القرائن، وبين تعيين صريح ومكتوب في وثيقة. فالأمران ليسا شيئًا واحدًا. ولعل هذا هو ما يدعو إلى التوقف عند التغيير الذي طرأ على الوصية بين سنتي 1990 و2002.
مراجعة سنة 2002: لماذا وكيف أُضيف الاسم؟
ويبقى السؤال بسيطًا: إذا كان اسم المرشح غير موجود في وصية سنة 1990، فكيف أُضيف إلى النسخة المعدلة سنة 2002؟
وهناك رواية يذكرها عدد من الشهود، وقد تساعد على فهم ما جرى في تلك الفترة؛ فبحسب هذه الشهادات، كان سيدي حمزة يشغل باله أمرٌ أقلقه كثيرًا، فجمع بعض مسؤولي الطريقة واستشارهم فيه.
وكان الحديث يدور حول سيدي جمال؛ فبحسب من رووا تلك الوقائع، كان سيدي جمال يعود إلى هذا الموضوع مرارًا مع والده، ويحدثه عما كان يسببه له من معاناة وضغط. وكان يرى أن غياب اسم سيدي منير عن الوصية أصبح أمرًا يثقل عليه، وأنه صار سببًا لتوتر متواصل داخل الأسرة.
وبحسب بعض الشهادات، كان سيدي حمزة يصف حال ابنه بقوله: «النار في حجره»، في إشارة إلى شدة انشغاله بهذه القضية وما كانت تسببه له من قلق. كما كان يخشى أن يتأثر سيدي منير كثيرًا إذا بقي اسمه خارج الوصية.
بل تذكر بعض الروايات أن سيدي جمال قال لوالده: «إذا لم يُضف اسم ابني إلى الوصية، فاحذف اسمي أنا أيضًا منها.»
وهنا وجد سيدي حمزة نفسه أمام موقف لم يكن سهلًا؛ فقد كان يقول للحاضرين إن والده، الحاج عباس، أخبره فعلًا بأن الخلافة بعد سيدي جمال ستكون لأحد أبنائه، لكنه لم يحدد له من هو.
ومنذ ذلك الوقت، ظل يردد أنه لم يتلقَّ أي إشارة واضحة، ولا ما يجعله يجزم باسم الشخص المقصود. واللافت أنه بقي يكرر هذا الكلام طوال حياته؛ فكان يؤكد دائمًا أن الحاج عباس لم يقل له قط إن سيدي منير هو المقصود بخلافة سيدي جمال.
وهذا ليس مجرد كلام نُقل بعد سنوات، بل نجده أيضًا في تسجيل معروف ومتداول بين المريدين. كما يروي عدد من الشهود أنه كرر هذا الكلام لسيدي جمال نفسه، في الليلة التي نُقل فيها إلى المستشفى الذي توفي فيه بعد ذلك.
وهذه نقطة تستحق التأمل؛ فلو كان سيدي حمزة قد تلقى من والده تعيينًا صريحًا لسيدي منير، فمن الصعب أن نفهم لماذا ظل، طوال تلك السنوات، ينفي ذلك ويؤكد خلافه. ولهذا أعاد عدد من المريدين النظر في الطريقة التي طُرحت بها هذه القضية فيما بعد.
وبعبارة أخرى، كان سيدي حمزة أمام سؤال لم يكن يملك له جوابًا قاطعًا.
وأثناء هذا النقاش، اقترح أحد الحاضرين حلًا رأى أنه قد يخفف من هذا الحرج، وكان الاقتراح بسيطًا:
أن يُضاف اسم سيدي منير إلى الوصية في الوقت الحالي، حتى يطمئن سيدي جمال ويخف ما يجده من معاناة.
فإذا جاءت بعد ذلك إشارة واضحة تؤكد أن المقصود هو سيدي منير، بقيت الوصية كما هي.
أما إذا تبين أن المقصود شخص آخر، أمكن تعديلها بما يوافق ما يستجد من معطيات.
وبحسب هذه الرواية، وافق سيدي حمزة على هذا الحل على مضض، رغبةً في تهدئة الأوضاع، أكثر من كونه نابعًا من اقتناع نهائي أو يقين كامل.
وهكذا أُضيف الاسم إلى نسخة سنة 2002.
وإذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإنها تستحق التأمل؛ لأن إضافة الاسم، في هذه الحالة، لا تكون نتيجة كشف جديد أو يقين مستجد أو إشارة روحية واضحة وصلتنا أخبارها. بل تبدو جزءاً من ظرف إنساني معقد، اختلطت فيه معاناة سيدي جمال، والآمال المعلقة على ابنه، والرغبة في الحفاظ على توازن عائلي وروحي أصبح أكثر هشاشة مما كان عليه من قبل.
ومن المهم أيضاً أن نتذكر أن سيدي حمزة كان، في تلك الفترة، لا يزال يأمل أن يكون سيدي منير هو الابن الذي أشارت إليه الروايات المنقولة عن الحاج عباس. لكن الأمل شيء، واليقين شيء آخر.
خصوصاً أن كثيراً من المريدين، في المغرب وفرنسا على السواء، يروون أن السنوات التي تلت ذلك حملت معها قدراً من خيبة الأمل وكثيراً من التساؤلات حول بعض المواقف والاختيارات والتصرفات المنسوبة إلى سيدي منير.
وهنا نصل إلى المرحلة التالية من القصة، وهي مرحلة لا تقل أهمية عما سبقها.
هذه الوقائع تنتمي إلى جانب آخر من الملف، لكنها تُظهر منذ الآن أن المسألة أكبر بكثير من مجرد وجود اسم داخل وثيقة.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل ورد الاسم أم لا؟ بل: كيف أُضيف هذا الاسم؟ وفي أي ظرف؟ وماذا كان يعنيه هذا الأمر في نظر سيدي حمزة نفسه عندما وافق على إدراجه في الوصية؟
المسار من سنة 2002 إلى سنة 2014
لكن ما جرى سنة 2002 لم يكن نهاية القصة.
فعندما نستمع إلى شهادات من عاشوا تلك المرحلة عن قرب، تتضح لنا صورة أخرى، تشكلت شيئاً فشيئاً مع مرور السنين.
فبحسب عدد من المقربين من سيدي حمزة، لم تكن العلاقة بينه وبين سيدي منير تتجه نحو التحسن، بل كانت تزداد توتراً. ويروي كثيرون أن سيدي حمزة كان يعبّر مراراً عن استيائه من بعض التصرفات التي كان يراها بعيدة عن روح الطريقة، وعن الأدب الذي ينبغي أن يحكم علاقة المريد بشيخه.
كما يروي بعض من كانوا يرافقونه بشكل شبه يومي أن زيارات سيدي منير لم تكن تخلو من التوتر، وكانوا يرون في بعض مواقفه وتصرفاته ما لا ينسجم، في نظرهم، مع الأدب الواجب مع الشيخ. وقد تحدث سيدي حميدة الفقيه عن ذلك بوضوح في شهادته المصورة المعروفة عند كثير من المريدين.
ومن أكثر الأمور التي تكررت في الشهادات ما حدث في فرنسا، حيث ظهرت لقاءات ومجالس تُعقد بصورة مستقلة، يشرف عليها سيدي منير أو بعض المقربين منه، وكان المشاركون فيها يرجعون إليه مباشرة في شؤونهم وتوجيهاتهم، بعيداً عن الإطار المعتاد للطريقة.
وقد أثار هذا الأمر تساؤلات عند عدد من المريدين، إذ بدا لكثير منهم أن داخل الطريقة بدأ يتشكل، شيئاً فشيئاً، مسار موازٍ؛ مجالس خاصة، ومرجعية خاصة، وعلاقات خاصة، حتى بدا لبعضهم وكأن الذكر لم يعد واحداً، والمريدين لم يعودوا جماعة واحدة، والشيخ لم يعد واحداً في نظر الجميع.
وكان ذلك من الأسباب التي زادت التوتر مع بعض مسؤولي الطريقة، وفي مقدمتهم المقدم السابق لباريس، سي محمد بودشيش، الذي انتهى به الأمر إلى مغادرة الطريق.
وفي الوقت نفسه، بدأ يتزايد عند عدد من المريدين شعور بأن بعض الأتباع يُوجَّهون، تدريجياً، نحو سيدي منير، مع أن سيدي حمزة كان لا يزال حياً بينهم.
ولدينا أيضاً تسجيل مصور يعود إلى أواخر سنوات الألفين، يظهر فيه سيدي حمزة وهو يستقبل فقراء من فرنسا، ويعبّر بوضوح عن استيائه من رجوعهم المستمر إلى حفيده في أمور تتعلق بالطريقة وتسييرها. وهذا التسجيل معروف، ويمكن الرجوع إليه عند الحاجة.
ويقول عدد من الشهود إن سيدي حمزة كان يرى في هذه التصرفات نوعاً من الاستعجال، وكأن هناك من يريد أن يأخذ مكاناً قبل أوانه. أو كما كان يقول سيدي جمال: «كأن أحدهم يريد أن يؤم الناس قبل أن يُرفع الأذان.»
ووفقاً لهذه الروايات، طلب سيدي حمزة من بعض المسؤولين والمريدين في فرنسا أن يخففوا من تواصلهم مع سيدي منير.
واللافت أن هذه الأمور لم تكن خافية على كثير من المريدين في فرنسا، بل إن عدداً منهم سمعها مباشرة من سيدي حمزة نفسه. ومع ذلك، يبدو أن بعضهم لم يعطها ما تستحق من اهتمام؛ سمعوها، ثم مضوا، ولم يحاولوا أن يربطوا بينها وبين ما كان يجري في تلك المرحلة، أو أن يتأملوا ما قد تدل عليه.
ثم جاءت أحداث لاحقة، فترسخت في أذهان كثير منهم قناعات جديدة غطت على ما قبلها. ولعل هذا هو ما أحاول القيام به هنا: أن نعود إلى تلك الوقائع بهدوء، وأن نقرأها من جديد في ضوء ما نعرفه اليوم.
وطبيعي أن كل شهادة من هذه الشهادات تحتاج إلى تمحيص وتدقيق، لكن القضية لا تتوقف على هذه الواقعة أو تلك إذا نظرنا إليها وحدها. فالذي يستحق التأمل هو الصورة التي تتكون عندما نجمع هذه الشهادات وننظر إليها مجتمعة.
فعندما تتقارب الروايات، وتأتي من أشخاص مختلفين وفي أوقات مختلفة، تبدأ الملامح الكبرى في الظهور.
والانطباع الذي يخرج به القارئ من مجموع هذه الشهادات هو أن سيدي حمزة كان يزداد انشغالاً بهذه القضية مع مرور السنين. ويبدو أنه كان يدرك، شيئاً فشيئاً، أن الآمال التي كان يعقدها على الابن الأكبر لسيدي جمال لم تسر كما كان يرجو؛ فالعلاقة التي كان يأمل أن يبنيها معه لم تتطور كما كان يتمنى، ونصائحه لم تكن تجد دائماً الأثر الذي كان ينتظره، وكانت بعض التصرفات تؤلمه وتحزنه حقاً.
وفوق ذلك كله، لم يكن يرى فيه الصفات التي كان يذكرها دائماً حين يتحدث عمن يحمل أمانة الطريق.
وهكذا، يبدو أن مرحلة الأمل بدأت تفسح المجال لمرحلة أخرى؛ مرحلة يغلب عليها النظر إلى الواقع أكثر من التعويل على التوقعات.
لكن أغلب الفقراء لم يكونوا يشعرون بأن هذا التحول كان يحدث، فظل كثير منهم متمسكين بما كانوا يسمونه «بشارة العارفين»، مستندين إلى أقوال تعود إلى مرحلة كان الأمل فيها لا يزال قائماً. أما ما صدر بعد ذلك من أقوال كانت أوضح وأكثر حسماً، فلم يصل إلى كثير من الناس، بل إن بعضهم لم يسمع بها أصلاً.
ولهذا بقيت الصورة عندهم غير مكتملة، لأنهم عرفوا جزءاً من القصة، وغاب عنهم الجزء الآخر.
مكانة سيدي معاذ والتحول الروحي
وفي الفترة نفسها، يروي عدد من المريدين أن سيدي حمزة بدأ يمنح سيدي معاذ مكانة أكبر داخل الطريقة؛ فصار يقربه أكثر فأكثر، ويخصه بعناية ظاهرة، ويكلفه بمسؤوليات تزداد سنة بعد أخرى.
وهؤلاء رجال عاشوا إلى جوار سيدي حمزة في السنوات الأخيرة من حياته؛ رافقوه عن قرب، وخدموه، وسمعوا كلامه مباشرة، وشهدوا بأعينهم المرحلة التي يمكن وصفها بمرحلة الحسم والتمييز.
ففي تلك السنوات، لم يعد سيدي حمزة يتحدث بالأمل نفسه الذي كان يتحدث به من قبل. بل صار يُظهر، يوماً بعد يوم، استياءه من الابن الأكبر، وفي المقابل أخذ يولي الابن الأصغر عناية خاصة، ويضع فيه ثقة أكبر، حتى أصبح كثير من المريدين يرون أنه بات يعقد عليه آماله في مستقبل الطريقة.
فكان يستقبله باستمرار في نعيمة، ويكلفه بمهام مهمة، ويشركه في شؤون الطريقة، ويثني عليه أمام المريدين في أكثر من مناسبة، ويقول له: «بغيت الفقراء يحلّو عينيهم فيك». وبحسب عدد من الشهادات، كان يلقبه أحياناً بـ «ربان الطريقة».
ومن أكثر الشهادات تداولاً في هذا الباب شهادة سيدي الطيب البوشيخي، الذي أمضى سنوات طويلة في الخدمة المباشرة لسيدي حمزة. فهو يروي أنه كان يوماً برفقة سيدي زوبير في مجلس الشيخ، وبعد أن خرج سيدي معاذ من المجلس، التفت إليهما سيدي حمزة وقال: «هذا الرجل، سيدي معاذ، هو الذي يصلح أن يكون شيخاً بعدي.»
وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تستحق التأمل؛ فهي تعود إلى مرحلة متأخرة، أي بعد أكثر من عشر سنوات من تعديل الوصية سنة 2002. وهذا قد يدل على أن نظرة سيدي حمزة إلى مسألة الخلافة كانت تتطور مع مرور السنين.
وهناك رواية أخرى تعود إلى نحو سنة 2012، يذكرها عدد من الشهود، وتستحق هي أيضاً أن نتوقف عندها.
فبحسب هذه الروايات، طلب سيدي حمزة من أحد المريدين أن ينظم صدقة كبيرة بمدينة فاس، عند ضريح مولاي إدريس. وفي تلك المناسبة، تحدث عن ثلاثة أمور كان يسأل الله أن يحققها، وكان أحدها يتعلق بسيدي معاذ، إذ قال: «من بين طلباتي أن يكون معاذ هو الشيخ.»
ثم توجه سيدي حمزة إلى فاس، وأقام هناك قرابة شهر في بيت ابنته. وكان من حوله يتساءلون عن سبب طول إقامته، ويذكرونه بأن مداغ تنتظره، فكان يجيبهم: «لم يصلني الجواب بعد من أولياء الله. ولن أرجع حتى يصلني الجواب.»
ثم جاء يوم قال فيه إن الجواب قد وصله، وأضاف: «أولياء الله وافقوا على اختياري لمعاذ.»
وإذا صحت هذه الرواية، فإن لها دلالة مهمة؛ فلم يعد الأمر مجرد ميل شخصي، أو إعجاب بصفات رآها في سيدي معاذ، بل أصبح، كما فهم سيدي حمزة نفسه، متعلقاً بتأكيد روحي جاء بعد سؤال وانتظار.
بل لعل هذه الرواية تمثل، منذ نداء الحاج عباس سنة 1968، أول مرة يُذكر فيها اسم الشخص المقصود صراحة.
وتضيف هذه الشهادات أن سيدي حمزة طلب بعد ذلك استدعاء سيدي معاذ. ويُروى أن مجلساً مهماً عُقد بحضور عدد من الشهود، وما يزال بعضهم على قيد الحياة إلى اليوم.
ومن اللافت أن بعض من يقولون إنهم حضروا ذلك المجلس يقللون اليوم من أهميته، أو يفسرون ما جرى فيه بطريقة مختلفة، بينما تؤكد شهادات أخرى ما وقع فيه ومعناه. وهذا وحده يكشف مدى حساسية هذه المرحلة من تاريخ الطريقة، وأن النقاش حولها لا يزال قائماً إلى اليوم.
ومع ذلك، يصعب تجاهل هذه الرواية، أو التعامل معها وكأنها لم تكن؛ فهي لا تبدو حادثة منفصلة، بل تأتي ضمن سلسلة من الشهادات المتقاربة، توحي بأن سيدي حمزة لم يعد يعيش في تلك المرحلة حالة انتظار، ولا مجرد أمل. بل إن مجمل ما يُروى عنه يوحي بأنه كان يرى أن الجواب الذي ظل يبحث عنه سنوات طويلة قد اتضح له أخيراً فيما يتعلق بسيدي معاذ.
وهناك رواية أخرى يرويها سيدي الطيب البوشيخي، الذي كان ملازماً لسيدي حمزة، ويتولى العناية به وإعطاءه أدويته بشكل دائم. ولعلها من أكثر الروايات دلالة في هذا الباب.
حادثة سنة 2014 ومواقف حاسمة
ثم نصل إلى سنة 2014.
وبحسب ما يرويه سيدي الطيب، وقعت في تلك السنة حادثة تستحق الوقوف عندها؛ فقد استدعى سيدي حمزة سيدي معاذ على عجل قبل صلاة الفجر. وكان من عادته، إذا أراد أن ينفرد بأحد، أن يطلب ممن حوله الانصراف. لكن في تلك المرة طلب من سيدي الطيب أن يبقى، ليكون شاهداً على ما سيدور بينهما.
وخلال ذلك اللقاء، أخبر سيدي معاذ بأنه يفكر في حذف اسم سيدي منير من الوصية، ووضع اسمه مكانه.
ويقول سيدي الطيب إن سيدي معاذ لم يوافق، بل حاول أن يصرفه عن هذه الفكرة، خوفاً من أن تؤدي إلى انقسام داخل الطريقة، وتفتح باب فتنة هو في غنى عنها.
وطبعاً، يبقى لكل واحد أن يقيّم هذه الرواية كما يراها. لكن إن صحت، فإن دلالتها كبيرة؛ فهي تعني أن سيدي حمزة، سنة 2014، أي بعد أكثر من عشر سنوات من تعديل وصية سنة 2002، لم يكن يرى تلك الصيغة أمراً نهائياً لا يمكن الرجوع فيه.
بل إن الرواية توحي بأكثر من ذلك: فهي تدل على أن مسألة الخلافة ظلت تشغل باله حتى تلك المرحلة من حياته. وبعبارة أخرى، لم يكن يرى أن الأمر قد حُسم وانتهى، كما يتصور بعض الناس، بل ظل يفكر فيه ويعيد النظر فيه إلى أواخر أيامه.
وهناك حادثة أخرى يرويها عدد من الشهود، لا تقل أهمية عن سابقتها، وقد وقعت بين هذه الأحداث وبين الوقائع التي سنذكرها بعد قليل.
في ذلك اليوم، كان سيدي معاذ وسيدي منير يجلسان مع سيدي حمزة في مداغ، داخل القاعة الكبرى فوق المسجد القديم. وأثناء الحديث، التفت سيدي حمزة إلى سيدي منير وسأله مباشرة: «قل لي يا منير، من تظن أنه سيكون وارثي؟»
ويُروى أن سيدي منير ارتبك، وحاول أن يجيب بكلام عام من باب الأدب: «كلنا أبناؤك يا سيدي… ولاد سيدي ما فيهم تالي… وكل أبنائك سواء…»
فقاطعه سيدي حمزة وقال بوضوح: «لا. وارثي هو أخوك هذا. أما أنت فلست وارثي.»
ويقول من حضروا المجلس إن وقع هذه الكلمات كان شديداً على سيدي منير. فحاول مرة أخرى أن يجيب بكلام من باب المجاملة: «كل أبنائك سواء يا سيدي…»
لكن سيدي حمزة أنهى الحديث قائلاً: «الآن اتركنا. عندي حديث مع سيدي معاذ في بعض شؤون الطريقة.»
وبحسب هذه الشهادات، خرج سيدي منير من المجلس على مضض. ويُروى أنه بقي واقفاً عند الدرج لحظات قبل أن ينصرف، وقد بدا عليه التأثر بما سمع. كما يروي بعض من نقلوا هذه الحادثة أنه عاد بعد ذلك إلى بيت سيدي جمال وهو في حالة من الغضب الشديد.
وبعد أن خلا المجلس بسيدي معاذ، قال هذا الأخير لسيدي حمزة: «يا سيدي، لقد آذيته بهذا الكلام، وسيعود ليفتح علينا أزمة جديدة.»
وقد سألتُ سيدي معاذ مباشرة عن هذه الروايات الأخيرة، فتأكدتُ من صحتها، ولا يساورني فيها أي شك.
فأجابه سيدي حمزة: «لا. أردت أن يسمعها مني، حتى لا يلومني غداً بين يدي الله، ويقول إنني لم أخبره ولم أنصحه.»
وإذا صحت هذه الرواية، فإن أهميتها لا تقتصر على مضمونها، بل تشمل أيضاً الطريقة التي وقع بها هذا الموقف. فنحن لا نتحدث عن كلام نُقل في غياب صاحبه، ولا عن شهادة رويت بعد سنوات، بل عن حوار قيل إنه جرى بحضور المعني بالأمر، وسمعه بنفسه.
كما أن السبب الذي تذكره الرواية يلفت الانتباه؛ فلا يبدو أن المقصود كان الإهانة أو التجريح، وإنما أن تُقال الأمور بوضوح، وأن تصل الرسالة إلى صاحبها من غير لبس. وكأن سيدي حمزة، بحسب هذه الرواية، أراد أن يبرئ ذمته أمام الله، وأن يترك الأمر واضحاً قبل رحيله، حتى لا يقال بعد ذلك إنه لم يُخبر أو لم ينصح.
ويروي سيدي معاذ نفسه حادثة وقعت في الأيام الأخيرة من حياة سيدي حمزة، أثناء وجوده في المستشفى. يقول إن سيدي حمزة طلب أن يخلو به، فلما خلا به قال له: «بغيتك تعطيني عهد الله على الطريق… باش نمشي مهني.» ويُروى أنه ألح عليه حتى أخذ منه هذا العهد.
وكما في سائر الروايات، يبقى لكل واحد أن يفهم هذه الحادثة كما يراها. لكن من الصعب أن تمر دون أن تثير التساؤل؛ فهي تدل، على الأقل، على أن مستقبل الطريقة ظل يشغل بال سيدي حمزة حتى في أيامه الأخيرة.
وعندما نجمع هذه الشهادات كلها، يبرز سؤال يصعب تجاهله: إذا كان وجود اسم سيدي منير في وصية سنة 2002 كافياً وحده لحسم مسألة الخلافة، فكيف نفهم كل ما جاء بعد ذلك؟
كيف نفهم هذه الأقوال، وهذه المواقف، وهذه الشهادات التي تبدو وكأنها تسير في اتجاه آخر؟ وكيف نفسر أن سيدي حمزة ظل، بعد سنة 2002، يتحدث عن هذه القضية، ويعبر عن انشغاله بها، بل ويفكر، بحسب بعض الشهادات، في خيارات أخرى؟
وبعبارة أبسط: هل كانت وصية سنة 2002 فعلاً هي الكلمة الأخيرة؟ أم أن الأمور تغيرت بعد ذلك، وأن نظرة سيدي حمزة إلى هذه المسألة لم تبق كما كانت؟
لكن بعض الشهادات تذهب إلى أبعد من ذلك، وإذا صحت، فإنها تضيف بعداً آخر إلى هذه القصة.
فبحسب من عاشوا تلك المرحلة عن قرب، تغيرت العلاقة بين سيدي حمزة وسيدي منير بشكل واضح بعد اللقاء الذي أخبره فيه أن الإرث الروحي ليس له، وإنما لأخيه. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد العلاقة بينهما كما كانت.
نعم، ظل سيدي حمزة يستقبله، لكن بصورة عادية، من غير تلك الخصوصية والقرب اللذين كانا يميزان علاقتهما من قبل. بل إن بعض الشهادات تذكر أنه أصبح يستقبله كما يستقبل سائر المريدين.
وتضيف روايات أخرى أن سيدي منير حاول، في السنوات الأخيرة، أن ينال عفو سيدي حمزة، لكنه لم يوفَّق إلى ذلك.
وهناك حادثة كثيراً ما تُذكر في هذا السياق: فقبل وفاة سيدي حمزة بقليل، وأثناء وجوده في مستشفى وجدة، زاره سيدي جمال ومعه سيدي معاذ. وكان سيدي حمزة يضع قناع الأكسجين. وخلال الزيارة، قال له سيدي جمال: «يا أبتاه، سامح منير.»
لكن، بحسب من حضروا، لم يرد سيدي حمزة بشيء، بل أدار وجهه إلى الجهة الأخرى، وظل صامتاً.
وطبعاً، لكل واحد أن يفهم هذا الموقف كما يراه. لكن إذا كانت هذه الروايات صحيحة، فهي توحي بأن العلاقة بين الرجلين كانت قد وصلت إلى مرحلة من التوتر الشديد في السنوات الأخيرة.
وتأتي شهادة أخرى يرويها أحد المقربين من سيدي حمزة، وتسير في الاتجاه نفسه؛ فبحسب هذه الرواية، وفي يوم جنازة سيدي حمزة، وبعد الفراغ من الدفن مباشرة، بينما كانت آثار المقبرة لا تزال على الأيدي، قال سيدي منير لذلك الشاهد: «سيدي حمزة حاربني طوال حياته.»
وإذا كانت هذه العبارة قد قيلت فعلاً، فإنها تستحق التأمل؛ فهي توحي بأن سيدي منير نفسه كان يشعر بطبيعة العلاقة التي أصبحت تربطه بجده في السنوات الأخيرة. ولم يكن الأمر، فيما يبدو، مجرد خلاف عابر أو سوء فهم مؤقت، بل وضعاً استمر سنوات.
ومهما كان تفسير هذه العبارة، فإنها تبقى لافتة. فبحسب هذه الرواية، صدرت من سيدي منير نفسه، وتوحي بأنه لم يكن يرى ما جرى بينه وبين سيدي حمزة خلافاً عابراً، بل حالة من التوتر استمرت زمناً طويلاً.
وهنا يبرز السؤال من جديد: إذا كان سيدي حمزة لا يزال على اليقين نفسه الذي كان عليه سنة 2002 فيما يتعلق بمستقبل سيدي منير، فكيف نفهم كل هذه التوترات، وهذه المواقف، وهذه الشهادات التي تبدو وكأنها تسير في اتجاه آخر؟
وكلما تعمقنا في هذه المرحلة، ازداد من الصعب أن ننظر إلى وصية سنة 2002 وكأنها منفصلة عما جرى بعدها. فالسنوات التي تلت ذلك تكشف، فيما يبدو، قصة أكثر تعقيداً بكثير من الصورة المبسطة التي تُعرض اليوم.
ولهذا، يصعب قراءة تلك الوصية بمعزل عن الظروف التي كُتبت فيها، وعن كل ما جرى بعدها.
مرحلة ما بعد رحيل سيدي حمزة
لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد.
فقبل أن يُحسم هذا الأمر، انتقل سيدي حمزة إلى جوار ربه، وتولى سيدي جمال مشيخة الطريقة، كما نصت على ذلك وصية سنة 1990. ومع رحيل سيدي حمزة، دخلت الطريقة مرحلة جديدة.
فتراجعت، شيئاً فشيئاً، التوترات التي كانت قد ظهرت في سنواته الأخيرة مع سيدي منير، وبدأ واقع جديد يتشكل داخل الطريقة.
وأصبح سيدي منير ملازماً لوالده؛ فبعد أن كان يقضي معظم وقته في فرنسا، استقر في الزاوية، وأخذت مكانته تكبر شيئاً فشيئاً في إدارة شؤون الطريقة وحياتها اليومية.
كما شعر عدد من المريدين بأن بعض المسؤوليات التي كان سيدي حمزة قد أسندها إلى سيدي معاذ، أصبحت تُسند إلى سيدي منير، أو أنه صار يقوم بدور أكبر فيها. وكان كثير من المريدين يرون أن الطريقة مقبلة على مرحلة جديدة تختلف عما كان عليه الحال في السنوات السابقة.
ثم جاءت بعد ذلك فترة مرض سيدي جمال، وما رافقها من أحداث، ثم الوصية المنسوبة إليه، وهي الوصية التي يدور حولها النقاش اليوم.
ولهذا، أرى أنه يصعب فهم الجدل الدائر حول هذه الوصية إذا فصلناها عما سبقها من أحداث. فالأحداث لم تبدأ سنة 2023 أو 2024، بل كانت امتداداً لمسار بدأ قبل ذلك بسنوات، وتشكل من وقائع وقرارات وآمال وانتظارات، وأحياناً أيضاً من توترات وأسئلة كانت مطروحة قبل مرض سيدي جمال بوقت طويل.
ومن أراد أن يفهم ما جرى بعد ذلك، فلا بد أن ينظر أيضاً إلى ما سبق؛ فعندها فقط تكتمل الصورة، ويصبح فهمها أسهل.
ظروف الأشهر الأخيرة وشهادات المريدين
ويصعب كذلك الحديث عن هذه المرحلة من دون التوقف عند الأشهر التي تلت الإعلان عن الوصية المنسوبة إلى سيدي جمال.
فبعد نقله إلى المصحة بوجدة، أصبح الوصول إليه يزداد صعوبة يوماً بعد يوم. ومع مرور الوقت، اقتصرت الزيارات على دائرة ضيقة جداً، وشعر كثير من المريدين بأن لقاء الشيخ أصبح يخضع لرقابة شديدة.
وكان التفسير الذي يُقدَّم لذلك، بطبيعة الحال، هو حالته الصحية؛ فمرضه كان خطيراً، وكان من الطبيعي الحرص على راحته وحمايته من التعب. لكن هذا الوضع أثار، في الوقت نفسه، كثيراً من التساؤلات.
فقد أصبح من الصعب جداً على أغلب المريدين أن يلتقوا به، أو يتحدثوا إليه، أو يتأكدوا بأنفسهم مما كان يُنسب إليه أو يُقال على لسانه. وفي هذا الجو مرت الأشهر الأخيرة من حياته.
وقد ترك ذلك أثراً كبيراً في الطريقة التي فهم بها كثير من المريدين ما جرى في تلك الفترة.
ومع مرور الأيام، ازداد شعور عدد منهم بالحيرة؛ فكان كثيرون يتمنون فقط أن يسمعوا من سيدي جمال نفسه موقفه من الوصية المنسوبة إليه، أو أن يسألوه مباشرة عما بدأ يتردد بين الفقراء، لكن ذلك أصبح شبه مستحيل.
ومن بين هؤلاء أحد المريدين المعروفين بشدة تعلقه بشيخه؛ فقد حاول أكثر من مرة أن يحصل على إذن لزيارته، لكن طلبه كان يُرفض في كل مرة. ويروي أنه سمع، في أحد الأيام، جواباً من طرف إبن سيدي جمال، الصيدلي، لم ينسه إلى اليوم: «صاحب السر لم يعد هنا، إنه في مداغ. اذهب إليه هناك.»
وكان لهذه الكلمات أثر كبير في نفسه؛ فخرج من المكان مصدوماً وحزيناً، ولم يستطع أن يفهم ما سمعه أو يستوعب معناه. ويُروى أنه لزم بيته عدة أيام، متأثراً بما جرى.
وسواء فُهمت هذه العبارة على هذا الوجه أو على غيره، فهي تعكس حجم الحيرة والتساؤلات التي عاشها عدد من المريدين في تلك الفترة.
ويزداد هذا الأمر وضوحاً إذا وضعنا هذه الرواية إلى جانب شهادة أخرى سبق أن تناولتها بشيء من التفصيل في مقال بعنوان: «سيدي جمال في محنة المرض: في أي ظروف إنسانية كُتبت الوصية؟»
وتتعلق هذه الشهادة بأحد مسؤولي الطريقة، وكان من القلة الذين تمكنوا من لقاء سيدي جمال خلال تلك المرحلة.
فبحسب روايته، عبّر لسيدي جمال عن حزنه وحيرته، وسأله كيف يمكن فهم الوصية المنسوبة إليه، في حين كان كثير من المريدين يرون أنها لا تنسجم مع ما اعتبروه توجيهاً واضحاً من سيدي حمزة في مسألة الخلافة.
ويقول هذا الشاهد إن سيدي جمال أجابه يومها بكلمات قليلة، لكنها كانت لافتة: «خاصنا نتعاونو باش نصححو هاد الشي.» (علينا أن نتعاون من أجل تصحيح هذا الأمر)
وطبعاً، يبقى لكل واحد أن يفهم هذه الشهادة كما يراها. لكن إذا صحت هذه الرواية، فإنها تضيف عنصراً مهماً لفهم تلك المرحلة؛ فهي توحي بأن الحيرة لم تكن عند المريدين وحدهم، بل إن بعض القضايا المرتبطة بهذه المرحلة كانت، بحسب هذه الشهادة، تشغل سيدي جمال نفسه، حتى إنه كان يتحدث عن ضرورة تصحيحها.
وهذا يجعل صورة تلك المرحلة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه أحياناً، ويؤكد مرة أخرى أن كثيراً من الأحداث لا يمكن فهمها إلا إذا نظرنا إليها في سياقها الكامل. فكل ما كان يريده كثير من هؤلاء المريدين هو أن يسمعوا شيخهم مباشرة، لا أكثر ولا أقل.
كما يروي عدد من المريدين أنه حتى عندما كانوا يتمكنون من زيارته، كانوا يجدونه في كثير من الأحيان نائماً نوماً عميقاً. وقد أثار ذلك استغراب بعضهم، ومنهم سيدي معاذ، الذي يُروى أنه جاء لزيارته في أوقات مختلفة، لكنه لم يتمكن من الحديث معه.
وذكر عدد من الأشخاص بعد ذلك أن سيدي جمال كان يتلقى في تلك المرحلة أدوية مهدئة أو منومة. ولا أملك ما يسمح لي بالحكم على الأسباب الطبية لذلك، ولا على مدى الحاجة إليها.
لكن من الطبيعي أن تكون هذه المعطيات قد زادت من تساؤلات بعض المريدين حول ظروف الزيارات، وإلى أي حد كان التواصل المباشر مع الشيخ ممكناً في تلك الفترة.
وفي هذا الجو، حيث أصبح الوصول إلى سيدي جمال محدوداً جداً، كان ابنه، الذي يعمل صيدلانياً، يتولى دوراً أساسياً في تنظيم الزيارات، والإشراف على ما يتعلق برعايته وإقامته.
ومن الأمور اللافتة أن هذا الابن نفسه، وهو صيدلي، قال أمام عدد من الحاضرين، بعد وقت قصير من إدخال سيدي جمال إلى المستشفى: «لا تظنوا أن سيدي جمال سيعود يوماً إلى مداغ.»
وأصبح هذا الواقع جزءاً من المشهد الذي أحاط بالأشهر الأخيرة من حياة سيدي جمال، ومن الصعب تجاهله إذا أردنا أن نفهم ما جرى في تلك المرحلة.
الخطاب الرسمي مقابل الواقع العائلي والروحي
وفي تلك الفترة، كان الخطاب الرسمي هو الغالب.
فالوصية التي خرجت في تسجيل مصور ضعيف الصوت، وصُورت في ظروف أثارت كثيراً من التساؤلات، تحولت مع مرور الوقت إلى نص يُطلب من الناس أن يتعاملوا معه وكأنه أمر لا يقبل النقاش. وكان المطلوب أن يُسلَّم بما جاء فيه، وأن يُقبل كما هو، من غير توقف طويل عند الظروف التي كُتب فيها، ولا عند الأسئلة التي أثارها.
وفي الوقت نفسه، استمرت أقوال مختلفة تُنسب إلى سيدي جمال في التداول بين المريدين. لكن المشكلة أن الذين كانوا يستطيعون الوصول إليه مباشرة أصبحوا قلة. ولهذا لم يكن في مقدور أغلب الفقراء أن يتأكدوا بأنفسهم هل صدرت تلك الأقوال عنه فعلاً أم لا.
وزاد هذا الوضع من الحيرة، وأحياناً من القلق، عند عدد من المريدين الذين لم يكونوا يريدون إلا أن يعرفوا ما الذي كان يجري حقيقة في تلك المرحلة.
ومن بين الأقوال التي شاع تداولها آنذاك قول نُسب إلى سيدي جمال، جاء فيه:
«من لم يُسلِّم أمره لسيدي منير فلن أُقرَّه لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومن أحسن التعامل معه نال الخير والفائدة. اتبعوه، اتبعوه، اتبعوه.»
(المصدر: الوصية النورانية: عهد السالكين على طريق المحبة واليقين)
ولكل إنسان، بطبيعة الحال، أن يكون رأيه في صحة هذه الأقوال. أما أنا، فلا أخفي أن مثل هذه العبارات كانت تثير في نفسي دائماً شيئاً من الاستغراب؛ فهي لا تشبه سيدي جمال الذي عرفته سنوات طويلة.
لم أعرفه يوماً يخاطب الناس بلغة التهديد، أو يضعهم أمام مثل هذه الخيارات. بل حتى في أصعب المواقف، وفي أوقات الخلاف والتوتر، ظل في نظري رجلاً هادئاً، رفيقاً، ومتزناً في كلامه وتصرفاته.
ولهذا يصعب علي أن أتصور أن رجلاً أنهكه المرض، وأثقلته المعاناة، يمكن أن يتحدث فجأة بهذه اللهجة. وطبعاً، فهذا مجرد انطباع شخصي، وليس دليلاً في حد ذاته، لكنه يبقى سؤالاً من بين أسئلة كثيرة تثيرها تلك المرحلة.
ومن جهة أخرى، يذكر بعض الشهود تفسيراً مختلفاً لهذه الأقوال؛ فبحسب ما يروونه، لم تكن هذه الكلمات تصدر مباشرة عن سيدي جمال، وإنما كان ينقلها سيدي بوقنطار، وهو من المقربين من سيدي منير. ويقولون إنه كان يتصل ببعض المريدين خلال فترة إقامة الشيخ في المستشفى، وينقل إليهم توجيهات أو رسائل على أنها صادرة عن سيدي جمال.
وزاد الأمر تعقيداً، بحسب هذه الشهادات نفسها، أن الحالة الصحية لسيدي جمال كانت قد بلغت درجة جعلت التواصل المباشر معه نادراً وصعباً. ولهذا حرص بعض المريدين، فيما بعد، على التعامل بحذر مع كل ما كان يُنسب إليه في تلك الفترة، وعلى التثبت من مصادره كلما أمكن.
ويُذكر أيضاً أن سيدي بوقنطار نفسه نُسب إليه تصريح آخر، قيل إنه قاله بعد وفاة سيدي جمال بشهرين أو ثلاثة، أمام جمع من الفقراء عند الضريح. وحسب الروايات المتداولة، قال يومها: «من لا يتبع سيدي منير فقد ارتد عن دين الله ودين نبيه.»
ويُقال إن بعض الحاضرين استقبلوا هذا الكلام بالتصفيق والهتاف. وأعترف أن هذه الرواية كلما سمعتها خطر ببالي سؤال بسيط:
اليوم يعيش على وجه الأرض ما يقارب ملياري مسلم، وأكثرهم لا يعرفون من هو سيدي منير، بل إن كثيراً منهم لم يسمعوا باسمه قط. فهل يُفهم من هذا الكلام أن هؤلاء جميعاً قد ارتدوا عن دين الله؟
ولو أخذنا هذا الكلام على ظاهره، لكان معناه أن على مسلمي الأرض جميعاً أن يأتوا لمبايعته، وإلا عُدّوا خارجين عن الدين. وهي نتيجة يصعب تصورها، فضلاً عن قبولها.
أسئلة معلقة وتبعات أزمة الخلافة
ومع مرور الوقت، وكلما تعمقت في دراسة هذا الملف، ازداد لدي شعور بأن هذه القصة ما تزال تخفي كثيراً من تفاصيلها؛ فكل شهادة جديدة، أو وثيقة تظهر، أو رواية تخرج إلى العلن، تضيف جزءاً جديداً إلى الصورة، لكنها تكشف في الوقت نفسه جوانب أخرى ما تزال غامضة.
وهكذا نجد أنفسنا أمام أسئلة معلقة، وثغرات، وروايات لا تتفق دائماً في جميع تفاصيلها.
وفي ضوء هذه المعطيات، وما نُقل من معاناة شديدة عاشها سيدي حمزة، وما يفيد بأنه كان قد حسم أمر المشيخة لصالح سيدي معاذ، وأن سيدي منير نفسه أُبلغ بذلك، يبرز سؤال يصعب تجاوزه: كيف كان سيدي منير يتصور، رغم كل ذلك، أن مشيخة الطريقة ستؤول إليه في النهاية؟
وقد يقال إن الأمل ظل قائماً في أن يعيد سيدي جمال النظر في هذا الأمر بعد وفاة سيدي حمزة. غير أن عدداً من الشهادات يفيد بأن حالة التوتر لم تنته، بل استمرت، وربما ازدادت في بعض الفترات، بين سيدي جمال وسيدي منير.
وفي هذا السياق، يروي أحد مسؤولي الطريقة أن سيدي جمال قال يوماً، وقد أرهقته تصرفات سيدي منير: «هذا الحمار لا يفهم أين تكمن مصلحته، أنا أتعب نفسي من أجله وهو لا يبالي.»
ويروي شاهد آخر أنه قال في مناسبة أخرى: «لولا خوفي أن تصبح الزاوية أضحوكة بين الناس، لشطبت اسمه من سجل الحالة المدنية.»
وتعطي هذه الشهادات صورة عن حجم التوتر الذي كان قائماً آنذاك، وتجعل من الصعب تصور أن العلاقة بينهما كانت تسير في أجواء هادئة ومستقرة، كما يُصوَّر أحياناً.
ومن هنا، فإن هذه المعطيات، التي قد لا تكون معروفة لدى الجميع، تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار عند مناقشة مسألة الخلافة، بعيداً عن الأحكام المتسرعة والروايات الجاهزة، حتى تتكون صورة أقرب إلى الواقع وأكثر توازناً.
وهنا يبرز سؤال آخر: كيف نفهم، في ضوء كثرة الأقوال والشهادات المنسوبة إلى سيدي جمال، والتي تعكس ضيقه أو استياءه الشديد من بعض تصرفات ابنه، أن تنتهي الوصية في النهاية إلى تعيينه خليفة له؟
هذا السؤال لا يفرض بالضرورة التشكيك في صحة تلك الأقوال، ولا في صحة الوصية نفسها. لكنه يدعونا إلى التوقف عند الظروف التي كُتبت فيها هذه الوصية، وإلى النظر في السياق الإنساني والعائلي والروحي الذي تشكلت فيه.
فما استعرضناه إلى هنا يوحي بأن هذه الوثيقة لا يمكن فهمها بعيداً عن الظروف التي أحاطت بكتابتها. بل لعل ذلك يزيد من أهمية النظر إلى سياقها، لفهمها، وفهم الأسئلة التي ما تزال تثيرها إلى اليوم.
ولهذا يصعب التعامل مع هذه القضية وكأن كل شيء فيها واضح، أو كأن جميع تفاصيلها أصبحت معروفة بصورة نهائية.
ولعل أهم ما يتعلمه الإنسان من مثل هذه القضايا هو التواضع؛ فالأحداث الإنسانية المعقدة لا تُفهم بسرعة، والحقيقة لا تكشف كل وجوهها دفعة واحدة. ولهذا فإن البحث الجاد يحتاج أحياناً إلى صبر أكثر مما يحتاج إلى التسرع في إصدار الأحكام أو الاطمئنان إلى أجوبة جاهزة.
وقد يكون كثير من الأمور لم يُقل أصلاً. وربما اختار بعض المريدين أن يكتموا أموراً أخرى، ظناً منهم أنهم بذلك يخدمون الطريقة، ويحافظون على صورتها، أو يجنبونها انقسامات كانوا يرونها خطيرة.
ومهما كانت نياتهم، فقد جعل ذلك هذه المرحلة من أكثر مراحل تاريخ الطريقة غموضاً وتعقيداً بالنسبة لمن حاولوا، بعد سنوات، أن يفهموا ما جرى، وأن يعيدوا ترتيب الأحداث بأكبر قدر ممكن من الإنصاف.
ختام وتأملات: الحقائق لا تبقى مدفونة
لكن التجربة تعلمنا شيئاً آخر: فما يُخفى لا يبقى مخفياً إلى الأبد. ومع مرور الأيام، تجد أشياء كثيرة طريقها إلى الظهور. وكما كان سيدي حمزة يردد دائماً: «الوقت كاشف.»
وقد حضرتني هذه العبارة مرات كثيرة خلال شهور البحث. وكيف لا؟ فالله سبحانه هو الظاهر والباطن.
قد ينجح الناس زمناً في إخفاء بعض الوقائع، أو كتمان بعض الحقائق، أو توجيه الروايات في اتجاه معين. لكن ما كتب الله له أن يظهر، فإنه يظهر، عاجلاً أو آجلاً.
فالحقيقة لا تبقى مدفونة إلى الأبد؛ إنها أشبه بماء يتسلل بين الصخور حتى يجد منفذاً، أو بنور يأبى أن يبقى حبيس الظلام. ومهما طال الزمن، فإنها تظهر في النهاية.
ولا يكون ذلك دائماً بصورة مفاجئة، أو باكتشاف يقلب كل شيء. بل يحدث في الغالب بهدوء: شهادة تظهر بعد سنوات، وثيقة يُعثر عليها مصادفة، كلمة نُسيت ثم تعود إلى الواجهة، أو اعتراف يتأخر، لكنه يأتي في النهاية.
وهكذا تتضح الصورة شيئاً فشيئاً، ببطء، وبهدوء، ومن غير ضجيج في كثير من الأحيان، حتى يصبح ما كان غامضاً بالأمس أوضح مما كان.
وقبل أن أختم هذه التأملات، أرى من المهم أن أوضح نقطة أساسية: فما ورد في هذه الصفحات لا يقوم على إشاعات يتداولها الناس، ولا على حكايات مجهولة المصدر. بل هو ثمرة أشهر طويلة من البحث، والتحقق، والمقارنة بين الروايات، ومحاولة إعادة بناء الأحداث قدر المستطاع.
لقد تحدثت مع أشخاص كانوا شهوداً مباشرين على بعض هذه الوقائع، ومع آخرين كانوا جزءاً منها. ولا تقتصر قيمة كثير من هذه الشهادات على كون أصحابها عايشوا الأحداث عن قرب، بل إن مصداقية عدد منهم تستند أيضاً إلى المكانة التي كانوا يحظون بها عند سيدي حمزة أو سيدي جمال، وإلى ما عُرفوا به من وفاء وخدمة للطريقة، فضلاً عما أثنى به عليهم سيدي حمزة نفسه من خصال ومناقب.
فليس المهم في الشهادة ما يُقال فحسب، بل لا يقل أهميةً عمَّن يقوله.
وكلما أمكن، حرصت على مقابلة الشهادات بعضها ببعض، ومقارنتها بما توفر من وثائق ومعطيات وروايات أخرى. وفي عدد كبير من الوقائع التي وردت في هذه الدراسة، فإن الشهود معروفون، ويمكن التعرف عليهم، وليسوا أشخاصاً مجهولين ظهروا بعد سنوات ليرووا قصصاً لا سبيل إلى التحقق منها.
بل إن بعض هذه الوقائع يتعلق مباشرة بالشخصيات الرئيسية في هذه القصة، وفي مقدمتهم سيدي معاذ وسيدي منير.
وطبعاً، لا يعني هذا أن باب النقاش قد أُغلق، أو أن كل تفسير آخر أصبح غير ممكن؛ فالأحداث الإنسانية أعقد من أن تُختزل في قراءة واحدة.
لكن هذا يعني، على الأقل، أن ما يُعرض هنا لا ينتمي إلى عالم الخيال، ولا إلى دائرة الإشاعات، ولا إلى روايات اختُلقت بعد سنوات من وقوع الأحداث. إنها وقائع عاشها أناس حقيقيون، وكثير منهم ما زالوا على قيد الحياة، وقد قبل بعضهم أن يروي ما رآه بعينه، أو سمعه بأذنه، أو عاشه بنفسه.
وببعد ذلك، يبقى لكل إنسان كامل الحرية في أن يستخلص من هذه الوقائع ما يراه أقرب إلى الصواب.
أما أنا، فلم يكن هدفي أن أُصدر حكماً، ولا أن أفرض على أحد استنتاجاً بعينه. كل ما سعيت إليه هو أن أفهم؛ أن أفهم ما جرى، وأن أعيد الأحداث إلى سياقها، وأن أجمع أكبر قدر ممكن من المعطيات التي تساعد على النظر إلى هذه المرحلة بصورة أوسع وأقل اختزالاً.
لكن من الصعب، في نظري، تجاهل كل هذه المعطيات، أو التصرف وكأنها لم تكن، أو كأنها لا تستحق، على الأقل، أن تؤخذ بعين الاعتبار عند دراسة هذه المرحلة من تاريخ الطريقة.
ولعل هذا هو أقل ما تفرضه الأمانة مع الوقائع، والإنصاف مع الأشخاص، والصدق في طلب الحقيقة.