تَشَرَّفْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ بَلْمْقَدَّمُ — كَمَا زَعَمْتَ — بِإِلْقَاءِ دَرْسٍ عِلْمِيٍّ عُنْوَانُهُ: «وَصِيَّةُ الشَّيْخِ جَمَالٍ بَيْنَ الكَشْفِ النُّورَانِيِّ وَالفَيْضِ الرَّبَّانِيِّ: دِرَاسَةٌ فِي ضَوْءِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ».
وَهُنَا يَقِفُ العَقْلُ وَالإِنْصَافُ أَمَامَ هَذِهِ العَنَاوِينِ الرَّنَّانَةِ، لِيَرْفَعَا عَلَامَاتِ الِاسْتِفْهَامِ وَالتَّعَجُّبِ، وَلِنَقُولَ لَكَ بِكُلِّ وُضُوحٍ:
أَوَّلًا: أَيْنَ أَصْلُ الوَصِيَّةِ؟
- أَيُّ كَشْفٍ هَذَا الَّذِي تَزْعُمُ اسْتِخْرَاجَهُ مِنْ وَصِيَّةٍ تُثَارُ حَوْلَهَا شُبُهَاتٌ جِدِّيَّةٌ فِي صِحَّتِهَا؟
- وَأَيْنَ النُّسْخَةُ الأَصْلِيَّةُ المَكْتُوبَةُ بِخَطِّ يَدِ سَيِّدِي جَمَالٍ، الَّتِي تَقُولُونَ بِوُجُودِهَا، وَلَمْ تُعْرَضْ لِلنَّاسِ عَرْضًا يَرْفَعُ الخِلَافَ حَوْلَهَا؟
- وَكَيْفَ يُبْنَى بَحْثٌ عِلْمِيٌّ وَتَحْقِيقٌ شَرْعِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَمْ تُحْسَمْ مَسْأَلَةُ ثُبُوتِهِ؟
ثَانِيًا: أَيُّ «فَيْضٍ رَبَّانِيٍّ» فِي ظِلِّ شُبُهَاتٍ خَطِيرَةٍ؟
عَنْ أَيِّ فَيْضٍ رَبَّانِيٍّ تَتَحَدَّثُ فِي وَصِيَّةٍ يُقَالُ إِنَّهَا تُوصِي بِاتِّبَاعِ شَخْصٍ تُوَجَّهُ إِلَيْهِ اتِّهَامَاتٌ خَطِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالسِّحْرِ وَغَيْرِهِ؟
إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الِاتِّهَامَاتُ ثَابِتَةً، فَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهَا، وَاذْكُرُوا دَلِيلَ ثُبُوتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً، فَلْيُقَدَّمِ الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهَا.
أَمَّا أَنْ تُرْفَعَ الشِّعَارَاتُ الرُّوحِيَّةُ فَوْقَ الأَسْئِلَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ، فَذَلِكَ لَا يَصْنَعُ تَحْقِيقًا، وَلَا يُقِيمُ حُجَّةً.
ثَالِثًا: أَسْئِلَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا
وَبِمَا أَنَّكَ مُطَّلِعٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَبَايَا هَذِهِ القَضِيَّةِ، وَسَمِعْتَ — بِحَسَبِ مَا يُنْقَلُ — سَيِّدِي جَمَالًا، رَحِمَهُ اللهُ، يَتَحَدَّثُ مِرَارًا عَنْ خِلَافَاتِهِ مَعَ مُنِيرٍ، فَنَضَعُ أَمَامَكَ أَسْئِلَةً شَرْعِيَّةً مُبَاشِرَةً:
- مَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِي السِّحْرِ، وَفِيمَنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ تَعَاطِيهِ أَوِ الإِعَانَةُ عَلَيْهِ؟
- وَمَا حُكْمُ التَّرْوِيجِ لِمَنْ تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَفْعَالٌ مُحَرَّمَةٌ؟
- وَمَا مَوْقِفُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالِاخْتِلَافِ مَعَ وَلِيِّ الأَمْرِ، وَمِنْ إِثَارَةِ الفِتْنَةِ وَالفُرْقَةِ بَيْنَ النَّاسِ؟
- وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَتَحَوَّلَ العَنَاوِينُ الصُّوفِيَّةُ، مِثْلُ «الكَشْفِ النُّورَانِيِّ» وَ«الفَيْضِ الرَّبَّانِيِّ»، إِلَى وَسِيلَةٍ لِتَجَاوُزِ الدَّلِيلِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّثَبُّتِ؟
أَمَّا نِسْبَةُ مَوَاقِفَ أَوْ تَوَجُّهَاتٍ فِكْرِيَّةٍ إِلَى أَشْخَاصٍ بِعَيْنِهِمْ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُبْنَى عَلَى الظُّنُونِ؛ وَإِنَّمَا العِبْرَةُ بِالمَوَاقِفِ المُوَثَّقَةِ وَالأَقْوَالِ الثَّابِتَةِ.
كَلِمَةٌ أَخِيرَةٌ:
مَهْمَا اخْتَلَفْنَا فِي الأَشْخَاصِ وَالمَوَاقِفِ، يَبْقَى المَنْهَجُ العِلْمِيُّ وَاضِحًا: أَظْهِرُوا أَصْلَ الوَصِيَّةِ، وَثَبِّتُوا نِسْبَتَهَا إِلَى صَاحِبِهَا، وَنَاقِشُوا مَضْمُونَهَا بِالدَّلِيلِ، ثُمَّ اتْرُكُوا لِلنَّاسِ حَقَّ الحُكْمِ.
فَالحَقُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الغُمُوضِ، وَالعِلْمُ لَا يَقُومُ عَلَى الشِّعَارَاتِ، وَالوَصَايَا لَا تَثْبُتُ بِالأَلْقَابِ الرَّنَّانَةِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِالبَيِّنَةِ وَالتَّوْثِيقِ وَالدَّلِيلِ.
وَفِي نِهَايَةِ المَطَافِ، لَنْ يَصِحَّ إِلَّا الصَّحِيحُ.
