آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

الحقيقة القلبية الصوفية - 46

الحقيقة القلبية الصوفية - 46

وأما الأحوال الواردة في القرآن - وهي التي ذكرها الإمام ابن تيمية ، وساق أدلتها ، ونسبها للصحابة - فإنها أحوال عامة ، كما في وجل القلوب ، ودموع العيون ، واقشعرار الجلود... لا تختص بالصحابة. والأحوال القلبية الخاصة بالصحابة لم تُدوّن. وقد نهى الرسول ﷺ حتّى عن تدوين الحديث في عهده ، مخافة أن يختلط بالقرآن عند نزوله ، باستثناء بعض الرسائل أذن لأصحابها بالكتابة. حيث لا يُخاف منها الاختلاط بالقرآن. ولم يُشرع في تدوين الحديث بصفة رسمية ، إلا في خلافة عمر ابن عبد العزيز الواقعة ما بين سنتي - 99 - 100 - هجرية ، بعد جمع القرآن ، وتدوينه في عهد الخليفة عثمان. وعند التدوين ركّز المحدّثون على الأحكام الشرعيّة ، وما تصحّ به العقيدة. مما عليه مدار الدّين في أصوله وفروعه. ومن ثَمَّ فالأحوال القلبيّة الروحيّة للصحابة لم تدوّن بالكامل ، عدا ماورد ضمن تراجم حياة بعضهم ، مثل الخليفة عمر الذي روَى أبو نعيم في "حلية الأولياء" أنّه قد يمرُّ على آية في ورده فيبكي ، وأن أحواله الباطنية قد تشتدّ عليه ، ويلزم الفراش ويعاد ، كأنه مريض. والوِرد يعني ما يواظَب عليه من الذكر وتلاوة القرآن. وقد روى ابن عباس أن في وجه عمر خطَّيْن من البكاء.

وقد قسم الإمام ابن تيمية الأحوال إلى ماهو حق وماهو باطل ، فبدأ بما هو باطل ، فقال : "إحداهما حال الظالم لنفسه ، الذي هو قاسي القلب. لا يلين للسماع والذِكر. وهؤلاء فيهم شبهة من اليهود. قال الله تعالى : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وأقبح ما في الوجود أن تكون هذه الصفات في مسلم يدّعي الإسلام ، والثانية حال المؤمن النَّقي ، الذي فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه. فهذا الذي يصعَق صعْق الموت ، أو صعْق غشي. فإن ذلك إنّما يكون لقوة الوارد ، وضعف القلب عن حمل. وقد يوجد مثل هذا عند من يخاف أو يفرح أو يحزن ، أو يحبّ أمورا دنيويّة. يقتله ذلك ، أو يُمرضه أو يذهب بعقله " (158)

إنّ ماقاله عن حال المؤمن التَّقيّ ، الذي يضعف قلبه عن تحمّل قوة ما يرد عليه من الواردات الربّانية واقع صحيح ، وما أردفه – قياسا – من تأثّر النفوس واضطرابها ، نتيجة أشياء خارجة عن دائرة القلب والروح ، لا ينسجم مع الحقيقة الصوفية. ولا بد من الفرق بين ميدان القلوب ، وميدان النفوس ، ولا يصحّ قياس ما يقع في أحدهما عن الآخر. والقاعدة الأصولية تقول : "لا قياس مع وجود الفارق" والملاحظ أن الباحثين من غير أصحاب الحقيقة الصوفية ، يخرج قطار البحث بفكرهم أحياناً عَنْ كَـشف إنْ كانوا محققين محقّين منصفين.. ذلك أن الضعف أمام قوة الوارد الباطني الروحيّ القلبيّ ، ليس بضعف مادّيّ نفسيّ ، الذي ينتاب الصّالح والفاسد على السّواء. وإنما هو ضعف معنويّ : ضعف القلب أو الروح أمام عظَمة الوارد ، إذ إنّما حَمَلَ معـه عظَمة الجانب الإلهيّ ، الذي ورد منه. ومن ثَمَّ فلا علاقة بينه وبين أسباب الخوف والفرح والحزن ، وحبّ أمور دنيويّة ، التي تقع تحت ضغط النفس ، وتجاوبها مع مؤثّرات خارجيّة. فيقتل أو يمرض أو يذهب بعقل من ذهب ضحيته. والحال الربّاني يُحيي القلوب ، ولا يقتل النفوس ، ويشفي البواطن ، ولا يمرض الأجسام ، وينوّر العقول ، ولا يذهب بقوّتها.

الهوامش (الحواشي):

 * 155 - فتاوي ابن تيمية 11 / 8

 * 156 - الإيمان ص 12 لابن تيمية

 * 157 - المقدمة ص 874

 * 158 – فتاوي 11 / 9

أول  السابق   التالي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق الصوفية