آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

بين تحذيرات الكوثري ومبادرات "منير بودشيش": قراءة نقدية في مساعي تمييع الهوية الإسلامية

بين تحذيرات الكوثري ومبادرات "منير بودشيش": قراءة نقدية في مساعي تمييع الهوية الإسلامية


في ظل التحولات الفكرية والجيوسياسية المتسارعة التي يمر بها العالم الإسلامي، تتردد في الأفق دعوات ومبادرات تتخذ من شعارات براقة مثل "التقريب بين الأديان" و"المشترك الروحي" غطاءً لها. ورغم ما تبدو عليه هذه المصطلحات من جاذبية ظاهرة، إلا أن فحصها على ضوء المرجعية الشرعية والواقع التاريخي يكشف عن أبعاد ودلالات تطرح علامات استفهام كبرى حول غاياتها ومآلاتها.

أولاً: رؤية علماء الأمة.. تحذير مبكر من "الهاوية"

لم تكن دعوات التقريب بين الأديان وليدة اليوم، بل سبق أن تصدى لها كبار علماء الأمة بالفحص والنقد. وفي هذا السياق، يبرز تحذير العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري (وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية سابقاً) في كتابه المرجعي "مقالات الكوثري".

فقد أشار الكوثري إلى الخطورة البالغة للانشغال بمشاريع التقريب بين الأديان المتباينة بتوجيه "براق"، واصفاً إياها بأنها مساعٍ تُهيئ "هاوية للمسلمين على غفلة منهم"، لا سيما حين تأتي في وقت تعاني فيه الأمة من أزمات ومشاكل مصيرية مستعصية تتطلب توحيد الجهود وحماية الثوابت بدلاً من إغراق الجماهير في تنظيرات تميع الفوارق العقدية الجوهرية.

ثانياً: من النظرية إلى المأسسة.. أدوار الملتقيات الروحية

تتجلى الخطورة اليوم في انتقال هذه الدعوات من مجرد أفكار مدونة إلى مؤسسات ومبادرات عملية. وتظهر هذه التوجهات جلياً في أدبيات وتوصيات المحافل الروحية، وعلى رأسها ما يصدر عن منير القادري بودشيش بصفته مديراً للملتقى العالمي للتصوف، حيث صُيغت توصيات الدورة 18 لتنص على:

"إنشاء محفل مصغر كورشة عمل تنعقد سنوياً... تكون مجال تعلم جماعي مع أهل التقاليد الروحية على اتساعها عبر الأديان قصد التداول في سبيل العمل المشترك..."

إن إقرار مفهوم "التعلم الجماعي عبر الأديان" بتوجيه وإشراف من القائمين على الملتقى، وإيجاد منصات دائرية متساوية تجمع بين النص الشرعي الخاتم وبين تقاليد روحية وفلسفية أخرى، يُمثل انحرافاً عن الدور الوظيفي للتربية الروحية والتصوف السني الأصيل الذي تأسس على حراسة الشريعة والالتزام بالكتاب والسنة.

ثالثاً: الأبعاد الجيوسياسية وخطر تفريغ الدين من مضمونه

إن قراءة هذه التحركات والمبادرات التي يرعاها منير بودشيش في سياقها الإقليمي والدولي تُظهر أن الترويج لـ "روحانيات عابرة للأديان" ليس مجرد حوار ثقافي عابر، بل يتقاطع مع توجهات تسعى إلى إعادة تعريف الإسلام وتدجينه.

وتتلخص ملامح هذا الخطر في عدة نقاط:

  1. إزاحة الشريعة والمنهج: اختزال الإسلام في مجموعة من "القيم الروحية السائلة" التي تتشابه مع أي معتقد آخر، مما يفقد الدين قدرته على التوجيه والإصلاح الاجتماعي.

  2. تمييع المفاهيم العقدية: مساواة الوحي الإلهي المعصوم بالطقوس والممارسات الروحية الوضعية تحت مسمى "التقاليد الروحية".

  3. استغلال التصوف كأداة ناعمة: تحويل الطرق الصوفية والفعاليات الروحية التي يشرف عليها منير بودشيش وغيره من منابر لتربية النفوس وحفظ الثوابت إلى أدوات في يد أجندات تهدف إلى إنتاج إسلام "معدل" يسهل احتواؤه والقضاء على خصوصيته.

خاتمة: الواجب الشرعي والفكري لحماية الثوابت

إن مواجهة هذه الموجات لا تعني رفض التعايش السلمي أو الحوار الإنساني القائم على الاحترام المتبادل، بل تعني الرفض التام لتميع العقيدة وإلغاء الخصوصية الدينية. إن حماية الهوية الإسلامية تتطلب وعياً فكرياً عميقاً يستحضر تحذيرات الراسخين في العلم، ويفكك الشعارات البراقة والمشاريع المؤسسية التي تُستخدم لتفكيك الأمة من داخلها.


التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق الصوفية