آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

مفهوم الإرادة والمريد والمراد في التصوف: دراسة من كتاب الروض الأنيق

الإرادة والمريد والمراد في التصوف

الإِرَادَةُ وَالْمُرِيدُ وَالْمُرَادُ فِي التَّصَوُّفِ

فِي تَعْرِيفِ الإِرَادَةِ وَالْمُرِيدِ وَالْمُرَادِ، وَبَيَانِ الاِحْتِيَاجِ فِي الوُصُولِ إِلَى اللهِ تَعَالَى

اِعْلَمْ أَنَّ الإِرَادَةَ لَوْعَةٌ فِي القَلْبِ تَحْصُلُ مِنْ تَصَوُّرِ الكَمَالِ الذَّاتِيِّ، وَيَنْشَأُ مِنْ تِلْكَ اللَّوْعَةِ طَلَبُ الحَقِّ تَعَالَى. وَالإِرَادَةُ أَوَّلُ مَرْتَبَةٍ لِلسُّلُوكِ وَسَبَبُهُ؛ لِأَنَّ السُّلُوكَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِالإِرَادَةِ.

وَقِيلَ: الإِرَادَةُ تَرْكُ المُرِيدِ إِرَادَتَهُ فِي إِرَادَةِ شَيْخِهِ، وَالانْقِيَادُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ. وَنِهَايَةُ الإِرَادَةِ الوُصُولُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَالطَّرِيقَةُ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِمَّا يَحْجُبُهُ عَنْ مَقْصُودِهِ.

وَالإِرَادَةُ عِنْدَ أَبِي يَزِيدَ البِسْطَامِيِّ تَرْكُ الإِرَادَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: «أُرِيدُ»، فَأَرَادَ مَحْوَ الإِرَادَةِ مِنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ هَذَا القَوْلَ فِي حَالِ قِيَامِ الإِرَادَةِ بِهِ، ثُمَّ هَمَّ، وَقَالَ: «لِأَنِّي أَنَا المُرَادُ وَأَنْتَ المُرِيدُ» يُخَاطِبُ الحَقَّ.

وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الإِرَادَةَ مُتَعَلَّقُهَا العَدَمُ، وَالمُرَادَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا لَا وُجُودَ لَهُ، وَرَأَى أَنَّ المُمْكِنَ عَدَمٌ وَإِنِ اتَّصَفَ بِالوُجُودِ؛ لِذَلِكَ قَالَ: «أَنَا المُرَادُ»، أَيْ: أَنَا المَعْدُومُ، وَأَنْتَ المُرِيدُ، فَإِنَّ المُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَوْجُودًا.

وَأَمَّا الإِرَادَةُ عِنْدَنَا فَهِيَ قَصْدٌ خَاصٌّ فِي المَعْرِفَةِ بِاللهِ، وَهِيَ أَنْ تَقُومَ بِهِ إِرَادَةُ العِلْمِ بِاللهِ مِنْ فُتُوحِ المُكَاشَفَةِ، لَا مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِالبَرَاهِينِ العَقْلِيَّةِ، فَتَحْصُلَ لَهُ المَعْرِفَةُ بِاللهِ ذَوْقًا، تَعْلِيمًا إِلَهِيًّا فِيمَا لَا يُمْكِنُ ذَوْقُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾

وَقَالَتِ المَشَايِخُ فِي الإِرَادَةِ: إِنَّهَا تَرْكُ مَا عَلَيْهِ العَادَةُ، وَقَدْ تَكُونُ عَادَةُ زَيْدٍ مَا هِيَ عَادَةُ عَمْرٍو، فَيَتْرُكُ عَمْرٌو عَادَتَهُ بِعَادَةِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَادَةً.

ثُمَّ اعْلَمْ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِرَادَةَ مُتَعَلَّقُهَا العَدَمُ، وَعَلِمْتَ أَنَّ العِلْمَ بِاللهِ مُرَادٌ لِلْعَبْدِ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ العِلْمُ بِهِ عَلَى مَا يَعْلَمُ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ لِأَحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، مَعَ كَوْنِ الإِرَادَةِ مِنَ المَخْلُوقِينَ لِذَلِكَ مَوْجُودَةً، فَالإِرَادَةُ فِيهِ أَتَمُّ مِنْ كَوْنِهَا فِيمَنْ يُدْرِكُ مَا يُرِيدُ.

فَلَيْسَتِ الإِرَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ إِلَّا مَا يُدْرِكُ مُتَعَلَّقَهَا، فَلَا يَزَالُ عَيْنُهَا مُتَّصِفًا بِالوُجُودِ مَا دَامَ مُتَعَلَّقُهَا مُتَّصِفًا بِالعَدَمِ.

فَإِنَّ الإِرَادَةَ إِذَا وُجِدَ مُرَادُهَا أَوْ ثَبَتَ زَالَ حُكْمُهَا، وَإِذَا زَالَ حُكْمُهَا زَالَ عَيْنُهَا، وَيَنْبَغِي لِلْإِرَادَةِ فِينَا أَنْ تَزُولَ؛ فَإِنَّ مُرَادَهَا لَا يَكُونُ.

وَأَمَّا مَنْ يَتَكَوَّنُ عَنْ إِرَادَتِهِ مَا يُرِيدُ، فَلَا تُصَاحِبُهُ الإِرَادَةُ وُجُودًا، وَإِنَّمَا بَقِيَتِ الإِرَادَةُ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهَا آحَادُ المُمْكِنَاتِ، وَآحَادُهَا لَا تَتَنَاهَى، فَوُجُودُهَا هُنَاكَ لَا يَتَنَاهَى، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ تَعَلُّقُهَا بِاخْتِلَافِ المُرَادَاتِ.

وَالَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ أَهْلُ اللهِ فِي تَحْقِيقِ الإِرَادَةِ أَنَّهَا مَعْنًى يَقُومُ بِالإِنْسَانِ، يُوجِبُ لَهُ نُهُوضَ القَلْبِ فِي طَلَبِ الحَقِّ المَشْرُوعِ؛ لِيَتَّصِفَ بِهِ العَمَلُ؛ لِيَرْضَى اللهُ بِذَلِكَ، فَيَكُونَ مِمَّنْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، فَصَاحِبُ الإِرَادَةِ يَسْعَى فِي أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ المَثَابَةِ.

ثُمَّ مَا زَادَ عَلَى هَذَا مِمَّا يَنَالُهُ أَهْلُ اللهِ مِنَ الفُتُوحِ وَالكَشْفِ وَالشُّهُودِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الأَحْوَالِ، فَذَلِكَ مِنَ اللهِ، لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً لِصَاحِبِ الإِرَادَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا طَرِيقُ اللهِ.

إِنَّمَا جُلُّ إِرَادَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا عَلَى حَالٍ مَعَ اللهِ يَرْضَى اللهُ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، إِيثَارًا لِلْجَنَابِ الحَقِّ، لَا رَغْبَةً فِي نَعِيمٍ يَنَالُونَهُ بِذَلِكَ، وَلَا فِرَارًا مِنْ ضِدِّهِ دُنْيَا وَلَا آخِرَةً.

بَلْ هُمْ عَلَى مَا شُرِعَ لَهُمْ، وَاللهُ الأَمْرُ فِيهِمْ بِمَا يَشَاءُ، لَا تَخْطُرُ لَهُمْ حُظُوظُ نُفُوسِهِمْ بِخَاطِرٍ، هَذَا أَتَمُّ مَا تُوجِبُهُ الإِرَادَةُ فِي المُرِيدِ.

وَإِنْ خَطَرَ لَهُمْ حَظٌّ فِي ذَلِكَ، فَمَا خَرَجُوا عَنْ حُكْمِ الإِرَادَةِ، وَلَكِنْ يَكُونُ صَاحِبُ الحَظِّ النَّفْسِيِّ نَاقِصَ المَقَامِ بِالنَّظَرِ إِلَى الأَوَّلِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ إِرَادَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾

قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ فِي مَرَاتِبِ الإِرَادَةِ

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ، قُدِّسَ اللهُ سِرُّهُ: «نِهَايَةُ الإِرَادَةِ أَنْ تُشِيرَ عَلَى اللهِ فَتَجِدَهُ مَعَ الإِشَارَةِ.»

فَالإِرَادَةُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ:

الدَّرَجَةُ الأُولَى

فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى: يَخْرُجُ المُرِيدُ مِنَ العَادَاتِ إِلَى العِبَادَاتِ، وَمِنَ الوَاحَاتِ إِلَى المُجَاهَدَاتِ.

الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ

وَفِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ: يَخْرُجُ مِنْ مَقَامِ التَّلْوِينِ إِلَى مَقَامِ التَّمْكِينِ، وَمِنْ مَقَامِ الفَنَاءِ إِلَى مَقَامِ البَقَاءِ.

الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ

وَفِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ: يَخْرُجُ مِنَ الصَّحْوِ إِلَى مَقَامِ الحَيْرَةِ، وَمِنْ مَقَامِ البَقَاءِ إِلَى مَقَامِ القُدْرَةِ.

مَنْ هُوَ المُرِيدُ؟

وَأَمَّا المُرِيدُ فَهُوَ مَنْ خَالَفَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ وَشَيْطَانَهُ، وَتَرَكَ شَهَوَاتِهِ وَمَأْلُوفَاتِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ.

فَمَنْ كَانَ هَذَا لِرَبِّهِ فِي سِرِّهِ، فَيَذُوقُ حَلَاوَةَ قُرْبِهِ، وَيَحْظَى بِوَفُورِ حُبِّهِ، وَيَرْوَى مِنْ صَرْفِ شُرْبِهِ، وَيَكُونُ مَحْبُوبَ رَبِّهِ.

وَمَنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا حَالَهُ، فَلَا يُرْجَى وِصَالُهُ، وَلَا تَخَلُّصُ أَعْمَالِهِ مِنَ الدَّسَائِسِ.

مَنْ هُوَ المُرَادُ؟

وَأَمَّا المُرَادُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:

قِسْمٌ دَرَجَ عَلَى طَرِيقِ السُّلُوكِ إِلَى مَلِكِ المُلُوكِ، حَتَّى أُطْلِقَ الحُرُّ، وَقُيِّدَ المَمْلُوكُ، وَوَصَلَ إِلَى غَايَةِ الكَمَالِ، وَعَرَفَ الطَّرِيقَ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ بِالتَّفْصِيلِ وَالإِجْمَالِ.

وَقِسْمٌ جَذَبَهُ اللهُ وَقَرَّبَهُ لَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ يُدْنِيهِ.

وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ:

القِسْمُ الأَوَّلُ مِنْ أَهْلِ الجَذْبِ

فَالقِسْمُ الأَوَّلُ: يُدْرِكُ مَا فَاتَهُ مِنْ أَدَاءِ العُبُودِيَّةِ بِمُجَاهَدَةٍ وَمُكَابَدَةٍ قَوِيَّةٍ؛ لِأَجْلِ أَنْ يَعْرِفَ أَحْوَالَ أَهْلِ الكَمَالِ، وَيَعْرِفَ أَحْوَالَ الطَّرِيقِ بِالتَّفْصِيلِ وَالإِجْمَالِ، لِأَجْلِ أَنْ يُرْشِدَ الخَلْقَ إِلَى الخَالِقِ، وَيُعَرِّفَهُمْ كَيْفِيَّةَ قَطْعِ العَلَائِقِ، وَيُعَرِّفَهُمْ طَرِيقَ الهُدَى، وَيَدْرَأَ عَنْهُمْ كُلَّ مَنْ ضَلَّ وَاعْتَدَى.

فَهَذَا القِسْمُ هُوَ الكَامِلُ عَلَى التَّحْقِيقِ، المُكَمِّلُ لِغَيْرِهِ بِالذَّوْقِ وَالتَّفْتِيقِ، فَيُمَزِّقُ الحُجُبَ عَنْ عَيْنِ قَلْبِ المُرِيدِ أَكْمَلَ تَمْزِيقٍ.

القِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَهْلِ الجَذْبِ

وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ الَّذِي لَا يُدَارِكُ نَفْسَهُ بِالسُّلُوكِ عَلَى طَرِيقِ المُجَاهَدَةِ، فَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ إِلَّا لِلتَّبَرُّكِ فَقَطْ؛ لِكَوْنِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ وَلَا كَيْفَ أَحْوَالُ أَهْلِ الفَرِيقِ؛ لِكَوْنِهِمْ سَلَكُوا الطَّرِيقَ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ، وَمَا عَرَفُوا الطَّرِيقَ وَمَا حَوَاهُ مِنَ الأَهْوَالِ.

فَمَا مَثَلُهُمْ إِلَّا كَمَنْ كَانَ فِي مِصْرَ، فَمَا رَأَى نَفْسَهُ إِلَّا وَهُوَ فِي دِمَشْقَ الشَّامِ، فَإِذَا سُئِلَ عَنِ الطَّرِيقِ فَيَقُولُ: لَا أَعْرِفُهُ، عِلْمًا بِنَفْسِي أَنِّي فِي مِصْرَ، فَمَا رَأَيْتُ نَفْسِي إِلَّا فِي دِمَشْقَ الشَّامِ.

أَوْ كَأَعْمَى سَلَكَ بَادِيَةً، فَإِذَا سَأَلُوهُ عَنْ أَحْوَالِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، فَهَلْ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ خَبَرٌ؟

الفَرْقُ بَيْنَ شَيْخِ الجَذْبِ وَشَيْخِ السُّلُوكِ

وَهَكَذَا أَهْلُ الجَذْبِ، بَلْ يُخْشَى عَلَى هَذَا القِسْمِ مِنْ رُؤْيَةِ الكَرَامَاتِ وَالمَخْلُوقَاتِ، وَبَوْسِ الأَيَادِي، وَكَثْرَةِ الجَمَاعَاتِ، أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ، أَعْنِي لِلنَّفْسِ الأَمَّارَةِ، فَيَهْلِكُونَ مَعَ الهَالِكِينَ.

وَكَلَامُنَا هَذَا فِي حَقِّ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ لِلصَّحْوِ، وَأَمَّا مَنْ دَامَ عَلَى سُكْرِهِ، فَتَكْفِينَا مَحَبَّتُهُ وَالفِرَارُ مِنْهُ.

وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمِ أَهْلِ الجَذْبِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَلَا يَسْلُكُونَ مُرِيدًا أَصْلًا، وَإِذَا سَلَكَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مُرِيدٌ فَبِحُكْمِ النَّادِرِ، وَيَكُونُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الجَذْبِ وَالانْسِلَاخِ، لَا بِطَرِيقِ السَّيْرِ وَالسُّلُوكِ.

وَطَرِيقُ الجَذْبِ وَالانْسِلَاخِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ القَوْمِ لِلسُّلُوكِ؛ لِأَنَّ السَّالِكَ فِي الجَذْبِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُسَلِّكَ مُرِيدًا وَيُعَرِّفَهُ عَقَبَاتِ الطَّرِيقِ وَهَفَوَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.

فَعَلَى هَذَا، يَا أَخِي، إِذَا وَجَدْتَ شَيْخَ الجَذْبِ وَشَيْخَ السُّلُوكِ، فَلَا تَأْخُذْ، إِنْ أَرَدْتَ السُّلُوكَ، إِلَّا مِنْ شَيْخِ السُّلُوكِ.

وَأَمَّا شَيْخُ الجَذْبِ، فَلَا تَأْخُذْ عَنْهُ إِلَّا لِلتَّبَرُّكِ، وَلَكِنْ بَعْدَمَا تُكْمِلُ تَرْبِيَتَكَ وَيَتِمَّ نِتَاجُكَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ فَاقَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي الكَرَامَاتِ وَخَرْقِ العَادَاتِ.

وَشَيْخُ السُّلُوكِ بِضِدِّ ذَلِكَ، أَعْنِي مَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ عَنْهُ وَلَا كَرَامَةَ وَاحِدَةً، فَيَكْفِيكَ مِنْهُ مَعْرِفَتُهُ بِالطَّرِيقِ وَأَهْوَالِهِ، وَتَسْلُكُ فِيهَا عَلَى بَصِيرَةٍ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:

﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[يُوسُفَ: ١٠٨]

أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ؛ فَهُمْ الخَلْقُ الرَّاشِدُونَ، وَالأَوْلِيَاءُ الكَامِلُونَ، العَارِفُونَ بِالطَّرِيقِ، وَأَهْوَالِهِ، وَهَفَوَاتِهِ، وَعَقَبَاتِهِ، المُمَيِّزُونَ بَيْنَ التَّجَلِّيَاتِ، المُتَحَقِّقُونَ بِتِلْكَ الحَضَرَاتِ، المُشَاهِدُونَ فِي كُلِّ الحَالَاتِ، الَّذِينَ لَا يَحْجُبُهُمُ الخَلْقُ عَنِ الحَقِّ، وَلَا الحَقُّ عَنِ الخَلْقِ.

وَيَكْفِيكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الاسْتِقَامَةُ.

فَذَرَّةٌ مِنِ اسْتِقَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ؛ لِأَنَّ الاسْتِقَامَةَ لَا يُعْطِيهَا اللهُ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ، وَأَمَّا الكَرَامَةُ فَيُعْطِيهَا اللهُ لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لَا يُحِبُّ.

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق الصوفية