recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

مكانة التصوف من الدين


لقد حد التصوف وفسر بوجوه تبلغ الالفين يرجع كلها الى اصل واحد هو صدق التوجه الى الله تعالى من حيث يرضاه الحق تعالى وبما يرضاه وكما نعلم انه لا يصح مشرط دون شرطه . والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر فلزم تحقيق الايمان . وبهذا لزم العمل بالاسلام .
فلا تصوف الا بفقه ، اذ اننا لا نعلم احكام الله الظاهر الا منه . وكذلك لا فقه الا بتصوف . اذ لاعمل الا بصدق توجه . ولا هما أي التصوف والفقه الا بالايمان . اذ لا يصح واحد منهما بدونه .
وأما اسمه فهو علم التصوف . والتصوف انما هو من اجل تهذيب النفوس وتنوير القلوب وردها الى علام الغيوب . وهذا العلم لا يؤخذ الا بخدمة الرجال وصحبه اهل الكمال وقديما" قيل: " والله ما افلح من افلح الا بصحبة من افلح ".
وحينما نعلم ان التصوف انما هو صدق التوجه الى الله نعلم انه لا اعتماد الا عليه . فلا يبتغي الصوفي من صدق توجهه الى ربه الا ان يرضيه ويفوز بمعرفته . لذلك يقول ابن عطاء السكندري :"من علامة الاعتماد على العمل نقصان الجاء عند الزلل ".
والأعمال عند اهل الفن على ثلاثة اقسام:"عمل الشريعة – وعمل الطريقة – وعمل الحقيقة"فالشريعة ان تعبده - والطريقة ان تقصده – والحقيقة ان تشهده . أي : اسلام وايمان واحسان . فالاسلام اصلاح للجوارح – والايمان اصلاح للقلوب – والاحسان اصلاح للسرائر . أي فقه - وعقيدة - يعقبهما معرفة . ولا معرفة الا باصلاح الظاهر والباطن . أي يفقه الشريعة والعقيدة السليمة وعندها يدرك العبد معنى قوله تعالى:" وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون" فعبوديته لله تعالى هي حريته مما سواه .
وعندها يعلم انه مهما قدم من عمل فلن يدخله الجنة الا رحمة ربه سبحانه وتعالى . وكما نعلم ان ادخالنا النار عدل . وادخلنا الجنة فضل . وكما قال عليه الصلاة والسلام: لن يدخل احدا" عمله الجنة . قالوا ولا انت يا رسول الله ؟ قال : ولا انا الا ان يتغمدني الله بفضل رحمته ".
فإن العبد لا يمكن ان يتحقق بالاعتماد وعلى خالقه الا اذا عرفه حق المعرفة ولا يتعرف على خالقه حق المعرفة الا اذا صدق في توجهه اليه سبحانه . والتصوف صدق التوجه .
والمتحقق : هو العبد الذي علم ان الله رب ٌ عظيم يستحق العبادة . فعبده لاجله فقط . لا لاجل ناره خوفا" ولا لاجل جنته طمعا" . فلو لم يكن هناك نار او جنة لما عبده ! ومن هنا ندرك قول رابعة العدوية : " الهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ، غير اني عرفتك الها تستحق العبادة فعبدتك ".

والصوفي :هو العبد الذي ينهج نهج المحبة مع محبوبه الذي هو الله يأتمر باوامره لانه هو الامر . وينتهي بنواهيه لانه هو الناهي . ويرضى بما يرضاه لانه المقدر جل جلاله .
والصوفي هو الذي يعيش مجال الخشية من الله عز وجل لتحققه بعجزه وتقصيره . لكن لا يأس عنده ليقينه برحمة الله سبحانه . كما انه لا ركون عنده لعلمه ان الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد ، فهو دائما بين الخوف والرجاء .
الرجاء الذي لا يؤدي الى الغفلة والخوف الذي لا يؤدي الى الياس والقنوط . فخوفه يعني الخشية من الله عز وجل . كما ان رجاؤه يعني الانس بالله . ورحمه الله ابن عطاء السكندري القائل في مناجاته : "الهي مني ما يليق بلؤمي ، ومنك ما يليق بكرمك ، الهي ان ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة علي وان ظهرت المساوئ مني فبعدلك ولك الحجة علي . الهي كلما اخرسني لؤمي انطقني كرمك . وكلما آيستني اوصافي اطمعتني منتك . الهي اغنني بتدبيرك عن تدبيري وباختيارك لي عن اختياري واوقفني على مراكز اضطراري " .

هذا وموضوع التصوف هو الذات العلية لانه يبحث عنها لاعتبار معرفتها . ولا يكون ذلك الا بصفاء النفوس والارواح . ولذا اعتبر موضوعه النفس والقلب والر وح لانه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها . لان من عرف نفسه عرف ربه .
وأما مسائله فهو معرفة اصطلاحاته المتداولة بين القوم . كالتوبة والصبر والاخلاص والصدق والشهود والانس والقرب والوجد والغيبة ... الخ . واما نسبته من العلوم فهو كنسبة الروح من الجسد . اذا لاعلم ولا عمل الا بصدق توجهه الى الله تعالى .
واما ثمرته فهي سخاوة النفس وسلامة الصدور وحسن الخلق مع كل مخلوق . والعمدة في اسلوب ومادة تلقي هذا العلم انما هو صحبة الرجال من اهل الكمال وصحبة من افلح . واول من افلح بصحبة من افلح هم اصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام . ثم من نهج نهجهم وحذا حذوهم .
وهكذا نجد ان التصوف جانبا من اخصب جوانب الحياة الروحية الاسلامية لانه تعميق لمعاني العقيدة واستبطان لظواهر الشريعة وتامل لاحوال الانسان في الدنيا وتهذيب النفس والقلب والروح وردها الى باريها وصدق التوجه الى الله التي تؤدي الى انتصار الروح على الحرف .
علوم الصوفية :
إن علوم الصوفية علوم الاحوال ، والاحوال مواريث الاعمال . ولا يرث الاحوال الا من صحح الاعمال . واول تصحيح الاعمال معرفة علومها وهي علم الاحكام الشرعية من أصول الفقه وفروعه من الصلاة والصوم وسائر الفرائض .
ومن ثم علم المعاملات من الزواج والطلاق والمبايعات . وسائر ما اوجب الله تعالى وندب اليه ما لا غناء به عنه من امور المعاشن وهذه علوم التعلم والاكتساب .
فاول ما يلزم العبد الاجتهاد في طلب العلم واحكامه على قدر ما امكنه ووسعه طبعه وقوي عليه فهمه بعد احكام علم التوحيد والمعرفة عن طريق الكتب والسنة والاجماع .
ومن ثم يلزمه علم افات النفس ومعرفتها ورياضتها وتهذيب اخلاقها ومكائد الشيطان وفتنه الدنيا وسبيل الاحتراس منها وهذا هوعلم الحكمة .
فإذا استقامت النفس على الواجب وصلحت وتادبت باداب الله عز وجل من زم جوارحها وحفظ اطرافها وجمع جواسها وتطهير الظاهر منها وعزوفها عن الدنيا . فعند ذلك يمكن للعبد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر وهذا هو علم المعرفة .

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016