نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

إيقاظ الهمم في شرح الحكم(6)


{لاَ يُشَكِّكَنَّكَ فِى الْوَعْدِ عَدَمُ وُقُوعِ الْمَوْعُودِ وَإِنْ تَعَيَّنَ زَمَنُهُ ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْحًا فِى بَصِيرَتِكَ ، وَإِخْمَادًا لِنُورِ سَرِيرَتِكَ}


اعلم أن النفس والعقل والروح والسر شيء واحد لكن تختلف التسامي باختلاف المدراك، فما كان من مدارك الشهوات فمدركه النفس، وما كان من مدارك الأحكام الشرعية فمدركه العقل، وما كان من مدراك التجليات والواردات فمدركه الروح، وما كان من مدارك التحقيقات والتمكنات فمدركه السر، والمحل واحد.

قلت : إذا وعدك الحق تعالى بشيء على لسان ولي أو تجل قوي فلا تشك أيها المريد في ذلك الوعد إن كنت صديقاً، فإن لم يتعين زمنه فالأمر واسع وقد يطول الزمان وقد يقصر، فلا تشك في وقوعه وإن طال زمنه، وقد كان بين دعاء سيدنا موسى وهارون على فرعون بقوله:" رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ..." الآية، أربعون سنة على ما قيل وإن تعين زمنه ولم يقع ذلك عند حلوله فلا تشك في صدق ذلك الوعد، فقد يكون ذلك مترتباً على أسباب وشروط غيبية أخفاها الله تعالى عن ذلك الولي لتظهر قهريته وعزته وحكمته، وتأمل قضية سيدنا يونس عليه السلام حيث أخبر قومه بالعذاب لما أخبر به وفر عنهم وكان ذلك متوقفاً على عدم إسلامهم، فلما أسلموا تأخر عنهم العذاب، ولهذا السر الخفي كان الرسل عليهم السلام وأكابر الصديقين لا يقفون مع ظاهر الوعد فلا يزول اضطرارهم ولا يكون مع غير الله قرارهم بل ينظرون لسعة علمه تعالى ونفوذ قهره. وقضية نبينا صلى الله عليه وسلم يوم بدر حيث دعا حتى سقط رداؤه وقال:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ " فقال له الصديق:" حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ" فنظر المصطفى أوسع لعدم وقوفه مع ظاهر الوعد ووقف الصديق مع الظاهر فكل على صواب ، والنبي صلى الله عليه وسلم أوسع نظراً وأكمل علماً، وأما قضية الحديبية فلم يتعين فيها زمن الوعد لقوله تعالى:" فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا.." وقد قال عليه السلام لعمر حين قال له : ألم تخبرنا أنا ندخل مكة ؟ فقال له:"أقلت لك هذا العام؟". فقال: "لا". فقال: "إنك داخلها ومطوف بها"، فشد يدك يا أخي على تصديق ما وعدك الله به وحسن ظنك به وبأوليائه ولا سيما شيخك، فإياك أن تضمر التكذيب أو الشك فيكون ذلك قدحاً في بصيرتك وقد يكون سبباً في طمسها ويكون أيضاً إخماداً أي أخفاء وأطفاء لنور سريرتك فترجع من حيث جئت، وتهدم كل ما بنيت فانظر أحسن التأويلات والتمس أحسن المخارج.

 وقد تقدم قول شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه: "نحن إذا قلنا شيئاً فخرج فرحنا مرة وإذا لم يخرج فرحنا عشر مرات"، وما ذاك إلا لوسع نظره وتمكنه في معرفة ربه وأيضاً قد يطلع الله أولياءه على نزول القضاء ولا يطلعهم على نزول اللطف فينزل ذلك القضاء مصحوباً باللطف فينزل خفيفاً سهلاً حتى يظن أنه لم ينزل.

فكلامنا مع المريدين الصديقين السائرين أو الواصلين، وهم مطالبون بالتصديق للأشياخ في كل ما نطقوا به إذ هم ورثة الأنبياء فهم على قدمهم، فللإنبياء وحي الأحكام وللإولياء وحي الإلهام، لأن القلوب إذا صفت من الأكدار والأغيار وملئت بالأنوار والأسرار لا يتجلى فيها إلا الحق، فإذا نطقوا بشيء من وعد أو وعيد يجب على المريد تصديقه فإذا دخله تشكيك أو تردد فيما وعده الله على لسان شيخه قدح ذلك في نور بصيرته وأخمد سريرته، فإذا لم يعين زمنه انتظر وقوعه وإن طال، وإن عُيِّن زمنه ولم يقع تأول فيه ما تقدم في حق الرسل من توقفه على أسباب وشروط خفية، وبهذا فرقوا بين الصديق والصادق لأن الصديق لا يتردد ولا يتعجب والصادق يتردد ثم يجزم، وأن رأى خرق عادة تعجب واستغرب والله تعالى أعلم.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق