-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

المنح القدوسيّة في شرح المرشد المعين بطريق الصوفيّة - 5

قال رضي الله عنه : 
مُقَدِّمَةٌ لِكِتَابِ الإِعْتِقَادْ مُعِينَةٌ لِقَارِئِهَا عَلَى الْمُرَادْ

ذكر هنا أن مقدمة طريق القوم التي يتوصل بها المريد لحقائق العلوم ، ويدرك بها معنى الكتاب ، ويصير يفرق بها بين الخطأ والصواب هي الاعتقاد والجزم القاطع في ابتدائه لتصير حق اليقين في انتهائه ، ويكون غير متردد ولا متوهم في طريقه ، وفي توجهه لربه يتمكن بمراده ، لإنّ القوم لا ينفع معهم إلاّ الصدق والاعتقاد ، وإلاّ يطرد المريد ولو مع وجود الاستعداد ، ولهذا قال بعضهم : (طريقتنا مبنيّة على النيّة والتصديق لا على البحث والتدقيق) ، فينبغي للعاقل أن ينظر لنفسه بعين التقصير ، ولا يقيس ما عندهم من الحق على ما عنده من الباطل ، شتان ما بين الثرى والثريا ، فعقل القوم ليس كعقل العموم ، فكيف تقيسه على ما عندك من العلوم ، إذ علمهم لا يتوقف على عادة ولا على رسوم ، بل عقلهم جامع لسائر العلوم.

وحكمنا العقلي قضيّةٌ بلا
وقْف على عادة أو وضع جَلاَ 

فذكر أن حكم عقل القوم هو من مُدهشات الأمور التي لا يُقيد بقيد مانع ، ولا يتوقَّف على عادة أو وضْع واضع ، وهذا هو العقل السالم من وجود الآفات ، المشار إليه في الأثر (1) ، بأنه لا يوضع إلا في أحب المخلوقات . وحاصل الأمر أن صاحب هذا العقل خال من التوقفات ، وقد اصطنعه الله لنفسه فلا يرضى منه توجهاً لغيره ، وكل عقل يعقل ما سوى الله ليس بعقل عند أهل الله . ولما خشي الراجز ، رحمه الله ، على قارىء كلامه أن يتوهم أن عقول القوم كبقية عقول الناس نزّهها عن هذه القيود الوضعية والعادية ليسلم الحَدّ لمَحدودِه ويرتفع الالتباس ، وقد شرع في بيان مقتضى هذا العقل ، فقال رضي الله عنه : 

أَقْسَامُ مُقْتَضَاهُ بِالْحَصْرِ تُمَازْ
وَهْيَ الْوُجُوبُ الاِسْتِحَالَةُ الْجَوَازْ 

اعلم أن أقسام مقتضى حكم العقل المذكور تنحصر في ثلاثة أقسام وهي : الوجوب والاستحالة والجواز لا زائد عليها . وهذا عقل الأكابر من العارفين الراسخين في العلم ، وأما المبتدؤون ، اي المجاذيب حالة السكر ، فعقلهم لا ينحصر إلا في قسمين فقط ، ومنهم من لايعقل سوى الوجوب . فالأول يقول : الله واجب الوجود وما سواه مفقود ، والثاني : لا يقول شيئاً لكونه مغموراً ، وأما الراسخون الكمل الذين يعطون كل ذي حق حقه فيكون باطنهم لأهل السكر موافقاً وظاهرهم لأهل الصحو مرافقاً ، فمن أجل هذا استقام سيرهم ، وعظم عند أبناء جنسهم وعند الله قدرهم . ثم أخد يبين كلا من الأقسام الثلاثة بما يناسب المقام ، فقال رضي الله عنه :

فَوَاجِبٌ لَا يَقْبَلُ النّفْيَ بِحَالْ 
وَمَا أَبَى الثبُوتَ عَقْلاً المُحَالْ 
وَجَائزاً مَا قَبِلَ الأمْرَيْنِ سِمْ 
لِلضَّرُورِيْ ، والنَّظريْ كلٌّ قُسِمْ. 

فمثال الواجب الذي لا يقبل النفي بوجه من الوجوه هو ظهور الحق لأوليائه ، وهذا الظهور صار عندهم لا يقبل النفي بحال . قال الإمام الشاذلي رضي الله عنه : " قَوِي علي الشهود مرة ، فسألت الله أن يستره عني . فهتف بي هاتف : لو سألته بما سأله أنبيائه وأصفيائه ومحمد حَبيبُه ما فعلَ،ولكن اسأله أن يقويك عليه . فقواني والحمد لله ".
وقال بعضهم : " لو كُلِّفتُ أن أرى ما سوى الله ، لم أستطع ، لكون البصر لا يتعلق بالمفقود ". هذا مثال الواجب عندهم الذي لا يقبل النفي بحال . وأما المستحيل فهو الذي لا يقبل الثبوت بحال ، لعدم وجوده في الواقع ، إذ لو كان موجوداً لصحَّ إثباته . ومثاله عند القوم كوجود الغير ، فعقل العارفين لا يقبل له إثباتاً لعدم رؤيتهم له ، إذ لو كان موجوداً لوقع البصر عليه ، وكيف يقع على ما ليس بموجود ؟. 
** ** **
1 - إشارة إلى الحديث : إنّ أحب المؤمنين إلى الله عز وجل من نصب في طاعة الله عز وجل ونصح لعباده وكمل عقله.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016