الرسائل الكبرى المسماة نزهة الناظر المتأمل وقيد السائر المستعجل

الرسائل الكبرى المسماة نزهة الناظر المتأمل وقيد السائر المستعجل

وقولكم : وأشد الأمر عندي أني على هذا الحال السيء ، ثم أني أطمع أن أنال درجات أهل الكمال ... إلى آخره .
فلا أدري درجات الكمال التي تخيّلتموها أي شيء هي ، وهل درجات أهل الكمال إلا تقلُّب في عبودية الله تعالى كيف ما دارت بك الحال ؟ فإن تخيّلت منها شيئاً غير هذا وجعلت ما شاهدته من نفسك من القبائح حجاباً بينك وبين ربك حتى ترفع ذلك بنفسك وجدّك وجهدك، وحينئذ تقضي إليه، فما أعظم الجهل الذي أدّاك إليه. ما قرع سمعك منذ كذا وكذا سنة من علوم أهل التحقيق ؟ ولعمري لهو أشد عليك من فوات ما توهمته كمالاً ومعرفة ، فقُرَّ عيناً حينئذ بفواته لأنك متلبس بما هو أشد منه .

ومن أمثال العامة : "قيل للمجدوم : اغسل يدك ، قال : ما بعد الجدام عِلّةّ".

فانتبه يا أخي من نومتك ، وامسح العمش من مقلتك، وارم ببصرك أقصى ما انتهى إليه نظرك، وحذّقه وحققه فإنك حينئذ لا تشاهد في الدار ديّاراً، وتنظر إلى الملك العزيز يتصرف في مُلكه كيف شاء بلا منازع ولا معارض ، وتستفيد من هذه المشاهدة والنظر أن تعرف أن جميع تصرفك وتقلُّبك وتضرُّبك وتشوُّفك وكراهيتك ومحبتك شأن من شؤون الملك التي هو كل يوم فيها، وأن الحال التي كنتَ عليها قبل هذا النظر والشهود قشار من نُخال وتورط في هلاك ، لا يُنجيك منه عمٌّ ولا خال ، وحينئذ تضحك من نفسك ضحك من لاح له شيء توهمه عقرباً تلدغه ، فبينما هو آخد في محاولة ضربها وقتلها ، وقد أخد لأجل ذلك نعله من محلها :
إن عادت العقرب عدنا لها
وكان النعل لها حاضرة

إذ تبدل فيه نظره وصحّ عنده خبره ووجده درّة عظيمة ينال منها مملكة جسيمة ، لا يُدرى لها قدر ولا قيمة ، أو ضحك من لاح له بين يديه شيء يتوهمه درة نفيسة ، فبينما هو مادّ يده إليها ليأخدها فيجعلها في فمه أو يرفعها عنده فإذا بها عقرب في ذنبها عشرون عقدة . فالمثال الأول وزانه ما كرهته وأبغضته مع مشاهدتك لنفسك، فإذا شاهدت إقامة الحق لك فيه يعود عليك برداً وسلاماً. والمثال الثاني وزانه ما آثرته وأحببته مع مشاهدتك لنفسك، فإذا شاهدت صرف الحق إياك عنه تعد ذلك منه لطفا وإكراماً. وبمثل هذه المخاطبات والمطالبات أخاطب نفسي وأطالبها - الأقربون أولى بالمعروف – إياك أعني واسمعي يا جارة.

شارك هذا

الكاتب:

0 Please Share a Your Opinion.: