الثلاثاء، 15 مايو 2018

السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 7

السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 7

ألق عصاك .. فهذا جانب الوادي .. ففي الوقت الذي تدخُلُ فيه - صادقاً متبتِّلاً - وادي الأبرار ، أنت لستَ في حاجة إلى عكّاز العاطلين ! .

وما بين المحبة كدُعامة تقوم عليها أساس الطريق ، والمعرفة كغاية من خلق الوجود الإنساني وفق تفسير ابن عباس للآية الكريمة :" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" ؛ قال أي : ليعرفون ، يمكننا أن نطرح مثل هذا التساؤل : أيهما أسبق المعرفة أم المحبة ؟ وإذا كانت المحبة سابقة فكيف تكون المعرفة التي هي أساس الخلق متأخرة الدرجة عن المحبة ؟ ثم أيهما أعلى في درجات التقريب : العرفان أم الولاية ؟.

وللإجابة على هذه الأسئلة يلزمنا النظر أولا إلى القاعدة التأسيسية ، فمن منظور هذه القاعدة التي هي "الخَلْق" تكون المعرفة هي الأسبق؛لأنها الغاية من الخلق ومن الوجود. والغاية من الخلق معرفة الله والاتصال به والفناء فيه . وتحقق العبد بوحدة الشهود ذوقاً في حال الفناء ؛ وهي العبادة المطلوبة - تماماً كما هي الغاية من الخلق - من طريق الفقه الباطن لمعنى العبودية وتذوّق مقامات الطريق .

ولكن هذه المعرفة تجيء متأخرة عن المحبة في حين تتقدّم المحبة عليها فيما لو نظرنا إلى منهجية التصوف على التخصيص ؛ ومنهجيته أن المعرفة هنا ليست نظرية ولا يمكن أن تكون "نظرية" ، بل أداة المعرفة "القلب" ، فكما أن أداة المعرفة الفلسفية "العقل" فأداة المعرفة الذوقية "القلب".ومن شأن المنهج أن يوصل إلى الغاية ففي هذه الحالة تكون الغاية محبة الله والمعرفة منهجاً وكفى. لكنه منهج يلزمه تطبيق؛ والتطبيق عمل، وليس من اللازم اللازب أن تكون المعرفة بوصفها منهجا صوفيا كنظرية المعرفة باعتبارها منهجا فلسفيا، بل هناك فوارق جوهرية بين التصوف والفلسفة ، إذ ليس التصوف كالفلسفة بوجه من الوجوه : التصوف تجربة تتحد فيها الإرادة الإنسانية المحدودة بالإرادة الإلهية المطلقة ، ويتصل النسبي بالمطلق ، والجزئي بالكلي اتصال محبة ومعرفة وفناء ، ويكاد يتلاشى المحدود فيما لا انتهاء له ولا حدود .

تفنى الإرادة الجزئية المحدودة في الإرادة الكلية ويذوب المحدود المتناهي في اللامحدود، ويتلاشى المرئي فيما ليس هو بالمرئي ولا هو بالمتناهية وتقوم إذ ذاك في العبد لطيفةٌ ربانيةٌ مُدركة للغيب المحجوب فيشعر العبد في تلك اللحظات شعوراً دائماً بالامتلاء الإلهي، غارقاً في المعية من وراء الحجب الجسدية والحسية، أو إن شئت قلت: من وراء الأسباب والعلائق وعوائق الأشياء، فيكشف عنه حجب العالم المادي وغير المادي ، يُكشف عنه الحجب كل الحجب ، كائنة ما كانت وأياًّ ما كانت ، فيرى بقلبه ما لا يراه الناظرون بجوارهم ، أو المحجوبون بأحجبتهم الحسية الغليظة . هذه "اللطيفة الذاتية الرقيقة الحقيّة" مفاضةٌ من جانب الحق بفيض رحمانيته ينكشف للعبد بها - فيما يقول الشيخ حسن رضوان - سَرَيان الوجود الحق في جميع ذرات الممكنات وسر تجليات الأسماء والصفات وظهوره في كل مظهر بحسب استعداده كشفاً إيمانياً ، وذوقاً روحانياً ، وفيضاً إحسانياً ، وهذا محض فضل ومحض امتنان ، وهو مشهد كُمَّل العارفين المحققين.

وبمقتضى هذا الكشف تصير المعرفة في مجال التصوف ليست كالمعرفة في ميدان الفلسفة ؛ فهي في ميدان الفلسفة نظرية مجرد نظرية لا تشمُّ منها رائحة التذوق الروحي ولا الفيض الإحساني ولا الكشف الإيماني ولا شيء من هذا كله أو بعضه ، إن هي إلا بحث بالعقل في حدود ما هو متاح للعقل أن يمضي فيه ، وما عذا ذلك فوقوف ! إلا أن يحيل العقل إحالة على البصيرة الذوّاقة بعد أن يعجزه الإدراك المحدود عما ليس بمحدود ولا بمشهود . ولنرجئ مسألة "إحالة العقل" هذه على البصيرة الإيمانية الذوّاقة لحين الانتهاء من التساؤل الثاني المطروح عن أيهما الأعلى في درجات التقريب : العرفان أم الولاية ؟

فقد ظهر لنا فيما تقدّم من الوهلة الأولى أن تداخلاً بين المعرفة والمحبة هنالك من حيث كون أيهما الأسبق : المعرفة التي هي أساس الخلق ، أم المحبة التي هي مفتاح الطريق ودعامته الأساسية ؟ ففي حين تكون المعرفة كمنهج صوفي أداتها "القلب" تجيء المحبة هي الأسبق، وحيثما كانت المعرفة هي أساس الخلق من حيث هي الغاية من العبادة تكون المحبة متأخرة عنها ، والمعرفة هي السابقة.

وإذا أردنا الإنصاف حقيقةً قلنا إنه لا يوجد فضل تام بين أسبقية المعرفة على المحبة أو أسبقية المحبة على المعرفة إلا إذا تعسَّفْناه؛ فليست المسألة هنا مسألة رياضية بحيث يمكن وضع كل من المعرفة والمحبة في حد محدود ، فنقول فيما يشبه الجزم : المعرفة أسبق من المحبة ، أو المحبة أسبق من المعرفة ، لسنا هنا بإزاء منطق رياضي .

نعم .. ! نحن هنا بإزاء منطق، لكنه منطق يحكمه الشعور والوجدان بمقدار ما يحكمه الإيمان؛ فالحدود والفواصل فيه غائبة، وليست هي بالحدود العامة التي يتفق عليها الناس، أو قل: إن الحدود في مثل هذا المنطق الوجداني موقوفة على تجارب أصحابها الخائضين لها والقادرين على تفسيرها وتقريبها . وذاتية التجربة هي المعيار الفاصل في الحكم على هذا بالسبق أو ذاك بالتبعية . فما يراه أحدهم تابعاً يراه غيره سابقاً ؛ بل من الصوفية مَنْ عُرِف بالكلام في المعرفة واختص من بينهم بتقريب الحديث فيها . ومنهم من غَلبت عليه المحبة في خصوصية الطريق واختص بالكلام فيها ، وفي النهاية كلٌّ ينطلق بمقدار ما يفتح الله به عليه : أي يتكلم على قدر حاله ، وعلى سعة نَفَسِهِ ، وعلى حكم وقته .

وعليه، فإذا نحن قلنا العرفان أسبق أم الولاية؟ كان قولنا هذا قولاً على وجه التقريب أو الترجيح وليس على وجه الجزم والتأكيد. فدرجة الولاية تأتي في الترتيب بعد درجة النبوة، فكما أن الإلهام الذي اختص به الأولياء هو دون الوحي الذي اختص به الأنبياء، فكذلك الولاية هي دون النبوة وكلاهما عرفان، فهل معنى ذلك أن العرفان، وهو يضمّهما معاً أسبق من الولاية وأعلى من درجتها ؟ أم أن العكس هو الصحيح ، وهو أن العرفان يندرج في الولاية اندراج الجزء في الكل ؛ كما تندرج القطرة في الخضم ؟!

وقياساً على ذلك، يمكنك أن تقول: أيهما الأتمّ الأكمل: محمد صلوات الله عليه الولي أم محمد النبي؟! لو قلت محمد النبي هو الأكمل والأتم لحكمت بتأخير ولايته عن النبوة، وهو أفضل الأنبياء جميعاً، وخير خلق الله كلهم ؛ لولاه لم تخرج الدنيا كل الدنيا من العدم ؛ وتأخير الولاية عن النبوة قولٌ لا يقولُ به صوفي محقق .

صحيحٌ أن النبوة انقطعت عنده ؛ صلوات الله وسلامه عليه ؛ من حيث الجانب الزمني ، ولكن يبقى الجانب الروحي الذي تمثله الولاية ، فإذاً النبوة تندرجُ - وفق هذا الجانب الأخير – في الولاية اندراج القطرة في الخضم، ولو قلت إن محمد الولي هو الأكمل لفضلت الولاية على النبوة، ومن ثم تكون الولاية أعمّ وأشمل من النبوة، ودخلتَ بهذا القول في الدائرة المحظورة ، دائرة تفضيل الولاية على النبوة . ولكن من جهة أخرى لو قلتَ إن محمداً الولي: صلوات الله وسلامه عليه هو الأكمل لقلت في الوقت نفسه أن الولاية باقية في الناس إلى يوم أن تقوم فيهم الساعة، وإلا فمن أين يستمد الأولياء مدَدَهم فيما لو جازَ انقطاع الولاية المحمدية كما انقطعت النبوة بوفاته صلوات الله وسلامه عليه ، ولو لم يكن مثل هذا القول جائزاً عندك لشطبتَ على كلمة الولاية من أساسها فلا تقوم لها في الإسلام قائمة ، وهو بالطبع مما لا يجوز ! .

ومن هنا ؛ فقد تجد مبرراً قوياًّ لدى مَنْ قالوا من الصوفية باستمرار الولاية المحمدية ( - بعد الوحي) رغم انقطاع النبوة ( - البعد الزمني) ، والدليل عليه استمرار الولاية في الناس ، فالولي يستمد ولايته من ولاية رسول الله ، الولاية الكبرى والباقية ، فهو صلوات الله عليه مدد الأولياء والعارفين إلى يوم القيامة ، لكن تفضيل الولاية على النبوة بمعنى أن الأولياء أفضل من الأنبياء بإطلاق، فهو أمر لا يعقله عاقل، ولا يلفظ به سوى مخبول، ولا يقول به صوفي يعرف مقام النبوة بمقدار ما يسلك كيفية الصلاة عليه على وجوب الفرض أمراً من الله،ويذكره في حِلِّه وترحاله ، ويمضي في طريقه على سنن الاتباع والموافقة ، ويدرك أنه "النور" الذي يستقي منه الأولياء نورهم ؛ فلولاه صلوات الله عليه ما كانت ولاية ، ولا كان إسلام ، ولا خرجت الدنيا أصلاً من العدم.

تلك جزئيات تفصيلية أثرناها فيما بين المحبة والمعرفة أو بين الولاية والعرفان، يغلب فيها الترجيح على التوكيد، والتقريب على الجزم، فقد تجد نصوصاً لدى المتصوفة تقدِّم الولاية على العرفان ، وأخرى تعكس الأمر ، لكن الثابت هو أن الولاية بين مرتبتين :

مرتبة النبوة وهي للأنبياء، ومرتبة العرفان وهي للعارفين، فالولاية أعلى درجة من المعرفة، وإن كانت المعرفة والولاية والنبوة هي جميعاً قمم التطور الروحي والارتقاء الذوقي ، فلو أنك قلت العارفين عمَّمْت بالعرفان ، ولو قلت الأولياء خصّصت الولاية على أعلى درجة من درجات المعرفة ، ولكن النبوة وَحْيٌ بإطلاق. ومع ذلك يبقى العرفان في المعدن العارف فضلاً من الله شأنه شأن الولاية : محض امتنان ومحض اختصاص ، وهو بذلك يختلف عن مستويات المعرفة النظرية الصادرة عن العقل لاختلاف ملكة التعقل ، فالذي يتعلق بالله ، ليس كالذي يتعلق بحظ نفسه أو حظ عقله أو حظ هواه .

هنالك فرقٌ ، وفرقٌ كبير؛ في التّوجه ، مع أن المعرفة في البداية تكون مكتسبة تحصل من طريق البحث والنظر وبذل المجهود،وفي اكتسابها هذا تتضمن العقل ونوره البرهان ، لكن الوقوف عند هذه البدايات ، وترك ما يتلوها من تطور وتلاحق في الدرجات هو من النقص الظاهر بكل تأكيد . فإذا كان نور البداية هو نور العقل ، ولا بد منه ، فهنالك نور في الوسائط هو نور العلم ، ولابد منه كذلك ، ثم نور ثالث في النهاية هو نور العرفان ؛ لكأنما المعرفة الأولى : عقلية ، ونورها البرهان ، وهي علم اليقين . والثانية : قلبية ، ونورها البَيَان أو هي حق اليقين . والثالثة  كشفية ، ونورها العرفان ، وهي عين اليقين .

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: