السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 8

السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 8

إذا شئنا أن نمدّ هذه الرؤية التصوفيّة القائمة على التذوق منهجاً ومضموناً إلى الحياة الفكرية والثقافية المعاصرة ، أمكننا أن نقول - إدراكا من جانبنا لمسألة إحالة العقل إلى البصيرة الإيمانية الذَّواقة التي سبق وان أرجأنا الحديث عنها - إن الإيغال العقلي في مثل هذه المسائل التي لا تُدرك بالعقل المحدود لهو نفسه ضد منطق العقل نفسه ؛ لأن مُدْركها الأوحد الذوق والبصيرة والإيمان . وإنه مع ذلك (أي مثل هذا الإيغال العقلي بكل ما فيه من آفات الجدل والمماراة والمماحكة واللّدد في الخصومة) ليقف وراء الأزمات النفسية - ولا أقول الروحية ! - التي يعانيها "المثقف" على التعميم ، والتي تقوده أيضاً إلى اغترابه عن الواقع ، فهي تتمثل في ادعاء "العقل" والمنطق والبرهان ، وإهمال القلب والشعور والوجدان ؛ فالإفراط في النزعة العقلية الجافة وجعل الإنسان كله كتلة مادية صماء وركل الجانب الروحي فيه لهو شعور آخر  بالاغتراب عن قيم العالم العلوي .

وهذا الشعور في غاية القسوة والحيرة والضلال ؛ لأنه شعور يمس مصدر الطمأنينة القلبية في الإنسان مساًّ مباشراً ، يهدمها ، أو يكاد . وإني لأعني بالعقل هنا – كما تقدّم فسبقت إليه الإشارة غير مرة – العقل التجريبي المقيد بمقولاته، العقل الاستدلالي المنطقي – لا العقل مطلق العقل – أعني لا العقل الذي يحيل إلى ما بعده، إلى ما فوقه، ويفقه أن "الإحالةعمل من أرقى خصائصه العقلية يوجبها فرض التأمل كقوة عارفة في ملكات الإنسان الباطنة تحيل ؛ وتعطي "الإحالةّ" حقها من عمل العقل المفتوح .

إن المثقف المزعوم الذي يدّعي العقل والمعقول، وهو لا يعرف كيف يدير نفسه لا ينتظر من المجتمع أن يؤهله لأن يتقدّم إليه بخطة فكرية وثقافية ينصلح عليها شؤونه وأحواله ومرافقه الحيوية. ومن فقد الشيء لا تتوقع منه أن يعطيه. فلا تستغرب من ثمّ فشل النظم والتيارات الأرضية في إصلاح المملكة الإنسانية ، واستغناء الناس بعد التجربة لا قبلها ، عن كل الأوهام الفكرية والأنظمة الأيديولوجية التي جائت زاعمة - على مرض الخيال العاطل - أنها تقدّم للمجتمع خطط إصلاح وميادين تعمير وتقدّم، ثم اعتبارها في المجمل ترفا فكريا وثقافة؛ مجرد ثقافة، ليس إلا، مجرّد ثقافة لا تفيد – إن أفادت – سوى صاحبها، وربما تنعكس عليه بالسلب في غير إفادة!

هذا صحيح إلى حد ما؛ لأنه لا يمس حقيقة الإنسان ولا روحه ولا جوهره الباقينعم..! قد يوفِّر له فيما لو طبق بعض شيء من الإصلاح المادي ، لكنه مهما يكن لا يوفر له إصلاحاً روحياً ولا سعادة يخلص إليها ضميره من وطأة الثقالة والوخامة والإرث البغيض والميراث الغليظ. مهما يكن من أمر النزوع المادي الذي تتبناه التجارب العلمية والمذاهب البرجماتية، والذي هو نتيجة إيغال العقول في الدعوات المادية، ومهما يكن من أمر دعوتها العَجْفَاء بعيداً عن وعي الضمير الحر اليقظ ؛ هى لا تعطي الإنسان نوراً يمشي به في الناس، بعد أن يكون قد عرف من خلاله نفسه، وأضاء له الطريق الذي يسير عليهإن هذا النور لا يوجد في أنظمة الفكر وتيارات الثقافة النظرية، لأن هذه الأنظمة والتيارات قاصرة مهما بلغت من ادّعاء الكمال أن تلبي في الإنسان نداء الروح ومطالب الضمير، ناقصة مهما طالبت المزيد من بلوغ التمام عن أن تعطي للإنسان "هداية النور" الذي يمشي به في الناس؛ لكونها لا تعبّر عن الحقيقة المطلقة بل تعبر عن أهواء أصحابها، وفوق كونها في الغالب تعبيراً عن مطلب هوى وحظ نفس، فهي لاتخاطب في الإنسان ضميره الحر الأبيِّ ،بل تخاطب فيه بصيرته العقيمة أوعقله الجاف مفصولاً أو معزولاً عن شعوره ، وتنسى غافلة في معترك الحياة قلبه وخوافيه .

وقلب الإنسان هو كيانه ؛ هو كينونته ، هو روحه الباطنة وراء الشحم منه واللحم هو كل شيء فيه،وإنما الأنظمة الفكرية والعقلية تريد فقط أن تشطر الإنسان وتفصله عن قلبه، وعن روحه، وعن وعيه بكينونته وجوهره؛ لتجعله كما لو كان كتلة مادية صماء يتحرك بذرٍّ كما تتحرك في يده لُعبةُ الإنسان الآلي . قد تفلح تلك الأنظمة في اختراع هذا الأنسان الدُّمْية ، لكنها لن تفلح أبداً في اختراع الروح الإلهي الخالد أوفي شجبها عن الإنسان بما هو إنسان .والباحثون في تلك الأنظمة الفكرية والعقلية ممَن جعلوا من عقولهم أصناماً يعبدونها من دون الله وألغوا حقيقة الإنسان: قلبه وروحه وسره وضميره؛ لم يفلحوا قط في غرس الطمأنينة في القلوب قدر ما غرسها "الإيمان".ومما لابد منه للعقل المروّض على معرفة الحقائق الكبرى – كيما لا يُصاب الإنسان بالغربة عن أصله –  إن يحيل إلى العقيدة الملهمة حين يحيل في الوقت نفسه إلى الإيمان.

لقد كان للأساذ "عباس العقاد" -طيَّبَ الله ثراه - رأيٌ وجيهٌ ذكره في مقال عن "ماكس نوردو"؛ منشور بجريدة البلاغ في ٢٩ يناير سنة ١٩٢٣م، ثم جُمع ضمن ما لجمعمن مقالات في كتاب "مطالعات في الكتب والحياةنثبته هنا في هذه المسألة: مسألة إحالة العقل إلى الإيمان إذْ يقول :"وصفوة القول إن البحث خليقٌ أن يجدينا ويسعفنا في الحيز الذي ندركه ونحسن أن نتأمله ونتقصّاه . أما إذْ نَعْبُره ونوغل بالأمل خلف رتاجه، فهناك فلتسعفنا العقيدة والإلهام؛ ولنثق أن العقول لم تجعل لنا أداة للضلالة والفوضى ولم تأو بنا إلى ظل من طمأنينة العقيدة الملهمة؛ فليس الذنب ذنب العقيدة ولكنه بلا ريب ذنب العقول ".

أي نعم! إنما الذنب ذنب العقول التي جعلها أصحابها حظ نفس ومطلب هوى، فحجبتهم عن طمأنينة العقيدة الملهمة وفرضت عليهم من قيودها ما من شأنه ألا يرتفع فوقها أو فوق هذه الأغلال تغلُّها عن الحركة فلا تفتح نوافذ القلوب إلى ما فوق العقول والأوهام والتصورات، ثم أوغلت بهم في أزمات وكوارث على المستوى النفسي لا تزال تعاني منها مجتمعاتهم وافرادهم على السواء : فقدان الطمأنينة القلبية والحماسة الروحية.
لا شك نجحت رسالة الأنبياء والأولياء في حين أخفقت أنظمة الفكر والثقافة ولا زالت تقدّم للإنسانية ما يشغلها من إخفاقات وسخافات تبعدها عن حقيقتها الأصلية ، وتدخلها في شواغل وأزمات تِخرها عن نهضتها الروحية وفكرتها المصيرية ووعيها الأمين.

د. مجدي محمد إبراهيم

شارك هذا

الكاتب:

0 Please Share a Your Opinion.: