الأحد، 20 مايو 2018

الحكم الغوثية : تعريف شيخ التربية وبعض أوصاف المريد.

(مَنْ لَمْ يَأْخُذِ الأَدَبَ مِنَ المُتَاَدِّبِينَ أَفْسدَ مَنْ يَتْبَعُهُ)

ذكر أن المريد لا بد له من شيخ في الطريقة يسيره ويعلمه كيفية الإقبال على الله والإدبار عما سواه ويطلعه على رعونة نفسه وعمائها ، ومن لم يكن له في الطريق دليل يخشى عليه التعطيل . قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه :"لو أن رجلا جمع العلوم كلها، وصاحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مُؤَدِّب ناصح، ومن لم يأخذ أدبه من آمر له أو نَاهٍ يريه عيوب نفسه ، ورعونات أعماله، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملة" ، أو من اكتفى في الطريق بعقله ورأيه وزعم أنه يحصل على شيء بدون مرشد فيكون هالكا في نفسه مضراًّ بغيره ، وهو قوله : أفسد من يتبعه . ومن لم يكن له شيخ في الطريق فهو لقيط ، وتجد أكثر الناس لما عظمت عليهم أنفسهم ولم يرضوا بتسليمها للمرشد يعتمدون على النادر الذي هو كالمعدوم في الحكم ، ويقول أحدهم ربما كان سلوكي على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يرقيني ، ولم يعلم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره باتخاد الوسيلة ، وكل ذلك أصابهم مما هم عليه من الكبر الذي قطعهم عن الله وعن المنتسبين إليه ، الذين فرغوا من تأديب أنفسهم على أيدي مشايخ عالمين بأحكام المريدين ، وما شأن هذا المدعي حتى يشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم جلّ قدره بتربيته وهو يعلم أن سنة الله في خلقه جرت بالوسائط وحذفها اختلال ، ولولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ، وإذا كان الأمر كذلك على مزاعمهم ، والحقيقة بخلاف ذلك ، فلِمَ انتصبت الصحابة لبعضها بعضاُ في تلقين الذكر ؟ وذلك معلوم بالضرورة من سنتهم وسنة التابعين من بعدهم خلفاً عن سلف ، وسلسلة الطريق تشهد بذلك . وما منع المدعين عن أخد الأدب من أصله إلا دعواهم التي لا توبة بعدها ، لما قيل : أن باب التوبة مفتوح إلا على المدّعي فإنها سُدّت في وجهه ، لأنه لا يرضى بترك دعواه وتسليم نفسه ، ولا تحسب أن الأدب المذكور في قول المصنف هو مجرد تعليم سيرة القوم في الظواهر ، بل هو كناية عن أدب السرائر ، أي أدب العالِم مع ربِّه حالة ظهور الحقّ عليه ، ولم يدر هذا الأدب إلاّ من أخد الله بيده وألهمه أن يأخده من أصله ، لأن أدب المريد مع الله هو مَحْوِه من لَوحة الوجود مع وقوفه مع الحدود ، وهذا الأدب لا يؤخد من الأوراق ، بل هو موقوف على الأذواق ، وله معادن معروفة عند أهلها ، وله سيمَة تدل عليه . قال تعالى :"وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا" ، وعليه يجب على كل منتسب إلى الله أن يراجع نفسه هل له نصيب من ذلك العلم أم لا ، فإن كان له شيء منه فليحافظ عليه وإن لم يكن له فلا يغر نفسه ، لأن اليوم ليس هو غدا ، حيث تحق الحقائق ويظهر كل كاذب وصادق ، يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ إلخ الآية . فأين الدعوى ؟ فإنها تكون على صاحبها يومئذ بلوى ، ومن المواعظ ما كتبه بعض العارفين إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه :

أما بعد :( فخف مما خوفك الله ، واحذر مما حذرك الله ، وخد مما في يديك لما بين يديك ، فعند الموت يأتيك الخبر اليقين . وقال له أيضا : إن الهول العظيم والأمور المفظعات أمامك ، ولا بد لك من مشاهدة ذلك إما بالنجاة وإما بالعطب . واعلم أن من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر ، ومن نظر في العواقب نجا ، ومن أطاع هواه ضل ، ومن حلم غنم ، ومن خاف آمن ومن آمن اعتبر ، ومن اعتبر أبصر ، ومن أبصر فهم ، ومن فهم علم ، فإذا زللت فارجع ، وإذا ندمت فاقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فامسك). 
فتمسك بهذه الموعظة أخي واحذر مما أنت بصدده فإن الناقد بصير ، وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ .


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: