الأحد، 20 مايو 2018

المحبة أول أودية الفناء

المحبة أول أودية الفناء

وأما المحبة فهي أول أودية "الفناء" والعقبة التي يتحدر منها على منازل "المحو" وهو آخر منزل تلتقي فيه مقدمة العامة بساقة الخاصة وما دونها أغراض لأغراض ، للعوام منها شرب وللخواص منها شرب . قال الله تعالى : {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}.

وقد اختلفت إشارات أهل التحقيق منهم في العبارة عنها ، وكل من القوم نطق بحسب ذوقه وأفصح عنه بمقدار شربه وذوقه . وهي على الإجمال قبل أن تنتهي إلى التفصيل . إنها وجود تعظيم في القلب يمنع الشخص من الانقياد لغير محبوبه .

وقيل إيثار المحبوب على غيره ، وقيل موافقته فيما ساءَ وسرَّ ، ونفعَ وضرَّ .

وقيل : المحبة القيام بين يديه وأنت قاعد ، ومفارقة المضجع وأنت راقد ، والسكوت وأنت ناطق ، ومفارقة المألوفات والوطن وأنت مستوطن .

وقال قوم : ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها ، فإن الغيرة من أوصاف المحبة ، والغيرة تأبى إلا الستر والإخفاء . وكل من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق ، وإنما حركة وجدان الرائحة ، ولو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح والوصف . فالمحبة الصادقة لا تظهر على المحب بلفظه ، وإنما تظهر بشمائله ولحظه ، ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب لموضع امتزاج الأسرار من القلوب .
وأما محبة العوام فإنها تنبت من مطالعة المنة وتثبت باتباع السنة ، وتنموا على الإجابة للعناية ، وهي محبة تقطع الوساوس وتلذذ الخدمة ، وتُسلّي عن المصائب ، وهي في طريق العوام عمدة الإيمان .

وأما محبة الخواص فهي محبة خاطفة تقطع العبارة ، وتدقق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت ولا تعرف إلا "بالحيرة" والسكوت .

وحكي أن عيسى عليه السلام مرّ في بعض أسفار سياحته على جبل فيه صومعة فدنا منها فوجد فيها عابدا قد انحنى ظهره ونحل جسمه ، وبلغ به الإجهاد أقصى غايته . فسلم عليه عيسى عليه السلام ، فرد عليه ، وعجب مما رأى من شواهده فقال له عيسى : منذ كم وأنت في هذه الصومعة ؟! . فقال : منذ سبعين سنة أسأله حاجة واحدة فما قضاها لي بعد ، فعساك يا روح الله أن تكون شفيعي فيها ، فلعلها تُقض لي . فقال عيسى عليه السلام : فما حاجتك ؟ قال : سألته سبحانه أن يذيقني مقدار ذرة من خالص محبته . فقال له عيسى عليه السلام : أنا أدعوا الله تعالى لك في ذلك ، فدعا له عيسى عليه السلام في تلك الليلة . فاوحى الله تعالى إليه : قد قبلتُ شفاعتكَ فيه وأجبتُ دعوتكَ فعاد عيسى عليه السلام بعد أيام إلى الموضع لينظر ما كان من حال العابد ، فرأى الصومعة قد وقعت والأرض التي تحتها قد ظهر فيها شق عظيم ، فنزل عيسى عليه السلام في ذلك الشق ، وانتهى فيه فراسخ ، فرأى العابد في مغارة تحت ذلك الجبل واقفا شاخصا بصره فاتحا فَاه . فسلم عليه عيسى عليه السلام فلم يرد عليه جوابا ، فعجب عيسى عليه السلام من حاله فهتف به هاتف : يا عيسى إنه سألنا مثقال ذرة من خالص محبتنا ، وعلِمنا أنه لا يقدر على ذلك ، فوهبنا له جزء من سبعين ألف جزء من ذرة ، وهو حائر فيها كما ترى . فكيف لو وهبنا له أكثر من ذلك .

فمحبة الخواص من هذه المعادن رشَحَت ، وبهذه الأوصاف عرفت . فعند القوم إن كل ما كان من العبد فهو عِلّة تليق بعجز العبد وفاقته ؛ إن غفل عن قوله تعالى :(وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) ، إنما عين الحقيقة عند القوم أن يكون قائما بإقامة الحق له ، محبا بمحبته له ، ناظرا بنظره له من غير أن يبقى معه بقية تناط باسم أو تقف على رسم ، أو تتعلق بأثر أو تنعت بنعت أو توصف بوصف ، أو تنسب إلى وقت كما قال تعالى : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا) . يريد قياما بحق "الحق" وبإقامته لهم ، وقعودا عن الدعوى فيه : ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) ، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) ، (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) صم بكم بغير الحق لا يسمعون وبغير ذكره لا ينطقون .
**   **   **

محاسن المجالس او بیان فی مقامات السادة الصوفیة - ابن العريف


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: