-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

شرح صلاة القطب ابن مشيش لابن عجيبة - 4

ثم أشار رضي الله عنه إلى العلم الظّاهر؛ الذي علمه عليه السلام فقال: "وَتَنَزَّلَتْ" في قلبه عليه السلام، بالوحي و الإلهام "علوم آدم" عليه السلام. قال تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا" أي ألهمه الله، و ألقى في فطرته معرفة الأشياء كلها، و لغات الألسن كلها، من عربية و سريانية و غيرهما، مما تكلم به اولاده، وكذلك نبينا عليه الصلاة و السلام، علمه الله أسماء الاشياء و مسمياتها و زاد معرفة خواصها و منافعها. و كان عليه السلام، يعرف لغات العرب و العجم وغيرهما، فكان يخاطب كل قوم بلغتهم. و يكتب إليهم بعرف كلامهم. و قد أطلعه الله تعالى، على علوم المتقدمين، و شرائعهم الدارسة، و أخبارهم الماضية، وعلم ما يكون في أمته من الاحداث و الوقائع. و ما يلقون من المصائب و الفجائع، و خصه الله بأسرار، لم يفشها لغيرهم. حتى قال الفاروق رضي الله عنه: كنت أدخل على النبي صلى الله عليه و سلم، ومعه الصديق رضي الله عنه، وهما يتكلمان في علم السر، وفي علم التوحيد، فأكون بيتهما كالزنجي، لا أعرف ما يقولان.
قال سيدي عبد الوارث، في شرح المباحث: كانا أول مرة يتكلمان في علم السر، فإذا دخل عمر رضي الله عنه، أمسكا. ثم اشركاه في المذاكرة. فإذا دخل عثمان رضي الله عنه، أمسكوا، ثم أشركوه في المذاكرة، فإذا دخل علي رضي الله عنه، أمسكوا، ثم أشركوه في المذاكرة. وقال غيره: كان علي رضي الله عنه، يفهم تلك الأسرار، قبل أن يشركوه في المذاكرة. و الله أعلم. وهذه الاسرار ليست من علم الظاهر، وإنما هي من علم الباطن، فحقها ان تذكر عند قوله: "وفيه ارتقت الحقائق". لكن انجر الكلام إليها في هذا الموضوع. فالأمر قريب، إذ أن علم الباطن، لا يتحقق إلا بعد العلم الظاهر؛ وهو ما يتعلق بإصلاح الجوارح الظاهرة. فالعلوم ثلاثة: علم يتعلق بإصلاح الظاهر، ويسمى علم الشريعة، و علم الحكمة، وعلم يتعلق بإصلاح الباطن؛ ويسمى علم التصوف، و علمَ الطريقةِ. وهما كسبيان، وعلم موهوب، ويسمى علم الحقيقة؛ فهو ناقص. إذ ثمرة العلم العمل. وثمرة العمل الحال. وثمرة الحال الذوق و الوُجْدان؛ وهو نهاية العرفان. ولا بد من شيخ مربِّ، ينقل المريد من علم الشريعة، إلى علم الطريقة، مع تحقيق الشريعة. وإلا بقي في أحدهما على الدوام. و الشريعة تصلح الظواهر، و الطريقة تصلح الضّمائر. و الحقيقة تصلح السرائر. أوْ تقول: الشريعة أن تعبده، و الطريقة أن تقصده. و الحقيقة أن تشهده. أو تقول: الشريعة للطالبين، و الطريقة للسائرين، و الحقيقة للواصلين. أوْ تقول: الشريعة لطالب الأجور. و الطريقة لطالب الحضور. و الحقيقة لرفع الستور. أوْ تقول: الشريعة للعوام. و الطريقة للخواص. و الحقيقة لخواص الخواص. ومرجع الشريعة إلى إمتثال الأمر، واجتناب النهي. و مرجع الطريقة، إلى تخلية و تحلية. فالتخلي: التطهير من الرذائل. و التخلية: الإتصاف بالفضائل. و إن شئت قلت التخلية: هي التنزه عن أخلاق البهائم و الشياطين. و التحلية: التخلق بأخلاق الروحانيين. فأخلاق البهائم: الإهتمام بالاكل و الشرب و النكاح، واخلاق الشياطين: الحسد و المكر، و الخديعة، و الغش، والكبر، و الغضب، و الحدة، و القلق، و الشح. والفظاظة و القسوة، وحب الجاه، والمال، و الرياسة وغير ذلك مما لا يحصى. حتى قال بعضهم: "للنفس من النقائص، ما لله من الكمالات". والله أعلم.

وأخلاق الروحانيين سلامة الصدر، وسخاوة النفس، وحسن الخلق، و التواضع، والحلم، والتأني، والسكينة، والطمأنينة، والشفقة والرحمة، والسهولة والليونة، وغير ذلك من الكمالات. فمن جمع هذه العلوم؛ فهو النجم الثاقب. ومن اكتفى باحدها فهو ناقص و ساقط. فمن تشرع ولم يتحقق فهو فاسق. إذ لا يخلو من منازعة المقادير. واعتراضه على الواحد القادر. ومن تحقق ولم يتشرع، فهو زنديق، بإبطاله الأحكام، وتعطيل الحكمة، ومن جمع بينهما فقد تحقق، لقيامه بالقدرة مع الأدب والحكمة. وفي التحقيق: ما ثم إلا الحقيقة. إذ لا فاعل إلا الله، ولاموجود سواه. غير أن ما يبرز من عنصر القدرة، إن كان موافقا للحكمة، سمي شريعة وطاعة، ويسمى كذلك حقيقة نورانية، وإن كان مخالفا، سمي معصية. و يسمى أيضا حقيقة ظلمانية، فالكل منه و إليه. قال تعالى وهو أصدق القائلين: "وَلَوْ شَاءَ ربُّكَ مَا فَعلُوه". وقال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا". وقال تعالى: "وربك يخلق ما يشاء و يختار". وقال سبحانه وتعالى: "وَمَا تشاؤون إلاَّ أنْ يَشاءَ الله". فالحقيقة عين الشريعة، والشريعة عين الحقيقة. إذ كلا منهما مأمور بهما، ولله در القائل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:

يا زين الخلائق يا عين الحقيقهْ

حققت الحقائق و كانت وثيقهْ

فالإنسان كله، باطنه قدرة، و ظاهره حكمة، فإن برز من القدرة ما يوافق الحكمة كان حقيقة نورانية، وكانت علامة على سعادة العبد، وإن برز من القدرة ما يخالف الحكمة كان حقيقة ظلمانية، وكان علامة على عقوبة العبد، إلا أن يظهر حلمه، وبالله التوفيق. 
وحيث اجتمع في نبينا عليه الصلاة و السلام الحقائق، و علم التشريع، و علوم الأولين، و الآخرين، عجز الناس على معرفته، و لذلك قال:"فَأَعْجَزَ الخَلائِق". أي: صيرهم عاجزين عن فهمه. فوجب الإذعان و الانقياد لحكمه. كما انقادت الملائكة بالسجود، حيث عجزت عن إدراك علمه. وقد قالت الصحابة رضي الله عنهم، لما رأوا الغنم سجدت له في قصة البستان: يا رسول الله نحن أحق بالسجود لك منها. فقال صلى الله عليه وسلم:"لو كان أحد سجد لأحد، لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". فالسجود إنما يكون لله. و أما آدم، فكان قبلة. و المقصود بالسجود هو الله الذي أمر به. ثم قرر العجز المتقدم و بينه بقوله "وله" أي و عنه "تَضَاءَلَت" أي تقاصرت و تصاغرت، أو تلاشت و اضمحات "الفهوم": جمع فهم. أي فهوم العباد، فلم يقدر أحد أن يفهم ما خصه الله به من الأسرار الإلاهية، و المواهب الباطنية، لأنهم لم يروا إلا خياله الظاهر. و أما الباطن فلم يعلمه إلا خالقه الذي خصه الله به. و في بعض الأحاديث: "و الله ما عَرفَني حَقاًّ غَيرَ ربِّي". ولله در البوصيري حيث قال:
وكيف يُدْرِكُ في الدُّنيَا حَقيقَتَهُ
قَوْمٌ نِيامٌ تَسًلَّوْا عنْهُ بِالحُلُمِ
ولذلك قال الشيخ رضي الله عنه :"فلَمْ يُدْرِكْهُ مِنَّا" مَعشَرَ الخلائق "سَابِقٌ" .
عليه في مظهره الشخصي "وَلاَ لاَحِقٌ" بعدَ وجودِه الحسِّي . بلْ كلّهم كَلَّتْ فُهومُهُمْ ، وتقاصرَت علومهُمْ عن الإحاطة بالحقيقة المحمديّة . ويحتمل بالسابق : من سبقَ في زمانه عليه الصلاة والسلام . كالصحابة رضي الله عنهم . وبالاّحِق من أتى بعدهم . إذ كلهم سواء في العجز عن إدراكه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال أُوَيْس القَرْنِي :"والله ما رأى أصحاب محمد من محمد صلى الله عليه وسلم ، إلاّ قشرة الظاهر ، وأما الباطن فلم يعرفْهُ أحدٌ . فقيل لهُ : ولو ابن أبي قحافة . قال : ولو ابن أبي قحافة".  
والمراد : نفي الإحاطة بمعرفة سرّه عليه الصلاة والسلام . وأما إدراك البعض ، فلهم في ذلك نصيبٌ ، على قدر تفاوتهم في معرفة الله ، وكذلك الأولياء رضي الله عنهم ، فمنهم من يُدركُ شيئاً من سرِّهِ عليه السلام ، ومنهم من يُدرك رُوحَهُ . ومنهم من يُدرك عَقْلَهُ ، ومنهم من يدرك نفسَهُ عليه الصلاة والسلام .


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016