صفات الذاكرين واسم الله "هو"

صفات الذاكرين واسم الله "هو"

   ومعنى كون المرء صوفياً انسلاخه عن الإرادة، كما قال بعضهم : "المريد من لا إرادة له" وتجرده عن لباس العقل الجزئي الذي يقال له :(عقل المعاش)، ليخلع عليه خلعة العقل الكلي الذي يقال له :(عقل المعاد)، والإضافة في كليهما بمعنى اللام أي : العقل المخصوص بالمعاش والمعاد، وعقل هو سبب لمعرفة أحوال المعاد، وبين الشين والدال مقاربة في المخرج، فإذا خرج عن المعاش وفكره، وسلم البناء إلى بانيه، إن شاء هدمه، وإن شاء أبقاه؛ فقد دخل في دائرة المعاد، ووصل إلى النقطة التى خزائن السموات والأرض – أي: تعيناتهما – أخذت من ذلك، والنقطة إذا نقرت بمنقار سكين الذكر يحصل خاتما، فهو الهوية التي يدل عليها الاسم (هو).

   واعلم أن هذاالاسم قد جُهل أمره، وما رأى تجليه إلا من كحلت عين بصيرته بنور الهداية، وقد اشتهر من بعض المنكرين في هذه الإعصار أنه ليس باسم، بل هو ضمير ما، فاشتغال الصوفية به ضائع.

   وأقول بتوفيق الله تعالى: إن ضمير المنكِر المنكَّر لم يحط باسميته خُبراً، وقد عُلمَ في محله أن كوْن الشيء ضميراً لا ينافي في اسميته؛ فإن المضمرات من قبيل الأسماء لا من فبيل الحروف والأفعال، وكل مضمر فهو معرفة، وأما قول :"جاءني رجل هو عالم"؛ فضمير {هو} فيه راجع إلى الموصوف بالمجيء، فإن الفعل منسوب إلى الفاعل، والنسبة من أحوال الشيء التي يتعين بها، لا إلى رجل منكر كما لا يخفى، وقد أشار إليه الرضى في "شرح الكافية" فقال : اجتمع في {هو}الاسمية والتعريف، فهو كالاسم الله؛ لأنه المرادفي قوله تعالى {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} ، وقوله تعالى :{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} والعارف لا يرى في الوجود إلا هو؛ لأن ما سواه هالك في نفسه، كما صرح به قوله تعالى :{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} فلم يتعين لمرجع هو إلا هو، وإثبات الألوهية تعالى بنفيها عن النفس إنما يحصل بالاشتغال به، فمعناه هو الإله لا غيره، والنفس تدّعي الربوبية كما قالت نفس فرعون كلما ذكر الله :{أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} وهواها يدّعي الإلهية كما قال تعالى :{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}؛ فافتح عين بصرك وبصيرتك كعين ها هو، لتكون من المشاهدين الحق في الأنفس والأفاق. ثم يندرج فيه حال المبتدئ والمنتهي، فحاله الغيبة لا الحضور، فيناسبه الاشتغال به إلى أن ينفتح الباب ويرتفع الحجاب ويُتوّل الغيبة إلى الخطاب، وقد أشارت إلى حال الغيبة والخطاب سورة الفاتحة، فتفطن، وأمّا المنتهى فحاله عكس حال المبتدئ، فهو بالنسبة إليه الهوية، ولذا يقولون: عالم للهو- باللام - إشارة إلى عالم الهوية ولا مناقشة فيه؛ لأنه من اصطلاحاتهم واستعمالاتهم الخاصة، فلهم أن يفعلوا ما شاءوا بحسب عرفهم فيما بينهم؛ فإنهم أصحاب القوانبن الحقة. 
ثم التوحيد على ثلاثة مرات :
الأولى : لا إله إلا هو، وهي مرتبة المتدئين.
والثانية : لا إله إلا أنت وهي مرتبة المتوسطين.
والثالثة : لا إله إلا أنا وهي مرتبة المنتهى لكنه في الحقيقة لله تعالى.
وكونه مرتبتهم باعتبار انكشاف حقيقة الحال لديهم في مرتبة الفرائض لا يستدعي أن يكون العبد حقًا؛ فإن مرتبة العبودية غير مرتبة الربوبية، ولله درُّ مَن راعي المراتب، وهو – أي: التوحيد – لكونه باعتبار توهم وجود الغير شرك؛ إذ ليس في الوجود سوى الله ، فكيف يوحد من وحدته بذاته ؟ وليس فيه كثرة في نفس الأمر، فكونه توحيد إنما هو بالنسبة إلى المحجوبين القائلين بوجود الغير، كما أن الذكر إنما هو بالنسبة إلى الغافلين؛ ولذا قالوا :"ليس في الجنة ذكر" لأنه طرد الغفلة.فحال العارف المنتهي ليس بتوحيد ولا ذكر، وإنما جاء التوحيد والذكر من ضيق العبادة، بل هو عين توحيد وذكر بجميع أجزائه وصورة وعلم بكل أعضائه يدلُّ عليه قوله تعالى : {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}.


شارك هذا

الكاتب:

1 Please Share a Your Opinion.: