الأربعاء، 11 يوليو 2018

إيقاظ الهمم في شرح الحكم (33)



   ثم إذا صح فقرك إليه وتحققت ذلتك بين يديه أتحفك بأنسه وزج بك في حضرة قدسه كما أشار إلى ذلك بقوله :
{مَتى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بابَ الأُنْسِ بهِ}
   هذه سنة الله تعالى في خلقه إذا أراد أن يؤنس عبده بذكره، ويتحفه بمعرفته ، أوحشه من خلقه، وشغله بخدمته، وألهمه ذكره، حتى إذا امتلأ قلبه بالأنوار وتمكن من حلاوة الشهود والأستبصار رده إليهم رحمة لهم، لأنه حينئذ لقوته يأخذ منهم ولا يأخذون منه، ومثاله في الحس كفتيلة شعلتها، فما دامت ضعيفة لا بد أن تحفظها من الريح وتقصد بها المواضع الخفية، فإذا اشتد نورها وأشعلتها في الحطب صعدت بها إلى ظهور الجبال، فبقدر ما يصيبها الريح يعظم اشتعالها، كذلك الفقير ما دام في البداية لا يليق به إلا الوحشة من الخلق والفرار منهم، فإذا تمكن في الشهود فلا يليق به حينئذ إلا الخلطة معهم لأنهم لا يضرونه. فمتي أوحشك أيها الفقير من خلقه وعزلك عنهم في قلبك، فاعلم أنه تعالى أراد أن يؤنسك به ويغنيك بمعرفته، فقد كان عليه السلام حين قرب أوان النبوة والرسالة حبب إليه الخلوة فكان يخلو بغار حراء. وحكمة ذلك تصفية البواطن من الشواغل والشواغب لتتهيأ لقبول ما تتحمله من الأسرار والمواهب. فإذا تطهر من الأكدار ملئ بالأنوار فأشرقت فيه شموس العرفان، وتمكن من حضرة الشهود والعيان، فهذه سنة الله في أوليائه وأصفيائه ،يفرون أولاً من الناس حتى يحصل لهم منهم الأياس، ثم يردهم الحق إليهم رغماً على أنفهم لمقام الدلالة والإرشاد، فينتفع بهم العباد وتحيا بوجودهم البلاد.

   ثم إذا فتح لك باب الأنس وتشوقت إلى حضرة القدس ثم أطلق لسانك بطلبها، فاعلم أنه يريد أن يفتح لك بابها كما أشار إلى ذلك بقوله :
{متى أطْلَقَ لسانَكَ بالطَّلبِ؛ فاعْلَمْ أنَّه يُريدُ أنْ يُعطيَكَ}
   لأن الحق تعالى جعل الطلب سبباً من الأسباب، فإذا أراد أن ينجز للعبد ما سبق له فتح له فيه باب الطلب، فإذا حصل منه الطلب حصل ذلك الذي قسم له في الأزل إظهاراً لحكمته وإخفاء لقدرته وتغطية لسره، فالدعاء من جملة الأسباب العادية ،كالحرث والدواء والزوج في الولد وغير ذلك، وكل ذلك سبقت به المشيئة ونفذ به القضاء والقدر فما بقي الدعاء إلا إظهاراً للفاقة، وإبقاء لرسم العبودية، لا طلباً لحصول ما لم يكن، جل حكم الأزل أن يضاف للأسباب والعلل. فمتى أطلق لسانك أيها المريد بالطلب لشيء تجلى في قلبك أو احتجت إليه فاعلم أن الحق تعالى أراد أن يعطيك ما طلبت منه، فلا تحرص ولا تستعجل فكل شيء عنده بمقدار، فإن أطلق لسانك في الدعاء من غير سبب فخير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك كما تقدم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة} وقال أيضاً عليه السلام : {من أذن له في الدعاء منكم فقد فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئاً أحب إليه من العفو والعافية } وقال الكتاني رضي الله عنه :{ لم يفتح الله لسان المؤمن بالمعذرة إلا وقد فتح له بالمغفرة } وقال الخفاف رحمه الله : {وكيف لا يجيبه وهو يحب صوته ولولا ذاك ما منح الدعاء } .

   ثم هذا كله قبل فتح باب المعرفة وإذا فتح لك الباب فلا تحتاج إلى طلب لغناك بمسبب الأسباب، فيكون دعاؤك إنما هو إظهار للفاقة والاضطرار اللازمتين لك مع كل نفس وفي كل وقت وحال، كما أشار إليه بقوله :
العَارِفُ لا يَزُولُ اضْطِرَارُهُ وَلاَ يَكُونُ مَعَ غَيْرِ اللّهِ قَرَارُهُ }
   أما وجه كونه لا يزول أضطراره فلتحقق قيومية الحق به، إذ الحس لا يقوم إلا بالمعنى، فحس العبودية لا يقوم إلا بمعنى الربوبية ،فبقدر تحقق العبد بقيومية الربوبية يشتد اضطراره في ظاهر العبودية، وأيضاً العارف لا يزال في الترقي فهو متعطش للزيادة على الدوام . فالعارف لا يزال مفتقراً للزيادة على الدوام فلا يزول اضطراره على الدوام وقد قال الله تعالى لسيد العارفين :{ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } فالاضطرار إلى زيادة العلم لا ينقطع ولو جمع علوم أهل السموات والأرض، قال تعالى مخاطباً للكل :{وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} وأما وجه كونه لا يكون مع غير الله قراره، فلأن قلب العارف رحل إلى الله من الكون بأسره، فلم تبق له حاجة إلى غيره ،فقراره إنما هو شهود الذات الأقدس فإن نزل إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فبالإذن والتمكن والرسوخ في اليقين. فالعارف ليس له عن نفسه أخبار، ولا مع غير الله قرار، وأيضاً سابق العناية لا يتركه يركن إلى غير مولاه ،فمهما ركن قلبه إلى شيء شوشته عليه العناية، وأكتنفته الرعاية ، فهو محفوظ من الأغيار، محفوف من كل جهة بمدد الأنوار، إذا كان الله حرس السماء من استراق السمع فكيف لا يحرس قلوب أوليائه من الأغيار، وما تولاهم بمحبته حتى حفظهم من شهود غيره، فكيف بالركون، فكيف بالسكون، هيهات هيهات هذا لا يكون من كان ظاهره محفوفاً بالأنوار وباطنه محشواً بالأسرار فكيف يركن إلى شهود الأغيار، كما أبان ذلك بقوله :
أَنَارَ الظَّوَاهِرَ بِأَنْوَارِ آَثَارِهِ ، وَأَنَارَ السَّرَائِرَ بِأَنْوَارِ أَوْصَافِهِ }
   أنوار الظواهر هي ما ظهر على تجليات الأكوان من تأثير قدرته وإبداع حكمته كتزيين السماء بالكواكب والقمر والشمس وما فيها من أإداع الصنع وتمام الأتقان ، وكتزيين الأرض بالأزهار والثمار والنبات وسائر الفواكه، وكتزيين الإنسان بالبصر والسمع والكلام وسائر ما فيه من عجائب الصنعة، قال تعالى :{ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } وقال تعالى :{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا } فهذه أنوار الظواهر وأنوار الأوصاف هي العلوم والمعارف والأسرار، والمراد بالأوصاف أوصاف الربوبية كالعظمة والعزة والجلال والجمال والكبرياء والكمال وغير ذلك من أوصاف الذات العلية، والذات لا تفارق الصفات، فإذا أشرقت السرائر بأنوار معرفة الصفات فقد أشرقت بأنوار معرفة الذات للتلازم الذي بين الصفات والذات . ثم الناس في شهود هذه الأنوار الباطنة التي هي أنوار الأوصاف على ثلاثة أقسام :
قسم : يشهدونها على البعد وهم أهل مقام الإسلام .
وقسم : يشهدونها على القرب وهم أهل المراقبة من مقام الإيمان.
وقسم : يشهدونها على الإتصال وهم أهل المعرفة من مقام الإحسان.
فأهل مقام الإسلام أنوارهم ضعيفة كأنوار النجوم ،وأهل مقام الإيمان أنوارهم متوسطة كنور القمر، وأهل مقام الإحسان أنوارهم ساطعة كأنوار الشمس، فتحصل أن أنوار الباطن ثلاثة نجوم الإسلام وقمر التوحيد وشمس المعرفة وإلى هذا المعنى أشار ابن الفارض بقوله :
لها البدر كأس وهي شمس يديرها 
هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
فالضمير لخمرة المحبة وهي أيضاً شمس المعرفة، فإذا مزجت لتشرب ظهر نجم الإسلام ، وإذا وضعت في الكأس طلع قمر التوحيد وهو الإيمان، وإذا شربت أشرقت شمس المعرفة، والذي يديرها على الشاريين هلال الهداية هذا معنى كلامه في الجملة.
وتشبيه الأنوار المعنوية بالأنوار الحسية إنما هو تقريب، وإلاّ فأنوار القلوب كلها عظيمة حتى قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه :{ لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض فما ظنك بنور المؤمن المطيع } وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه :{ لو كشف عن حقيقة الولي لعبد من دون الله } وقال في لطائف المنن :{ولو كشف الحق عن مشرقات قلوب أنوار أوليائه لانطوى نور الشمس والقمر في مشرقات أنوار قلوبهم، وأين نور الشمس والقمر من أنوارهم، الشمس والقمر يطرأ عليهما الكسوف والغروب وأنوار قلوب أوليائه لا كسوف لها ولا غروب} فأنار الحق سبحانه ظواهر الكائنات بأنوار الظواهر، وهي النجوم والقمر والشمس في الحسن وتزيين الخلق وإبداعه وتخصيصه وتقييده عن شكل معلوم في الأنوار الخفية وتهذيب الجوارح وتطهيرها من الأنوار المعنوية، وأنار سبحانه القلوب والسرائر بأنوار أوصافه وهي عظيمة الربوبية وأوصافها ،فإذا أشرقت في سماء القلوب الصحية والأسرار الصافية غاب العبد عن شهود الأغيار وغرق في بحر الأنوار فتفني الأشكال والرسوم ولا يبقي إلا الحي القيوم. ثم ذكر الفرق بين أنوار الظواهر وأنوار السرائر فقال :{ لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر }أي لأجل أن أنوار الظواهر إنما هي أنوار الأثر، ومن شأن الأثر أن يتأثر ويتغير بالطلوع والغروب، فأفلت : أي غربت أنوار الظواهر إما بالغروب المعلوم أو بالعدم المحتوم، ولم تأفل : أي لم تغرب أنوار القلوب، وهي أنوار الإسلام والإيمان وأنوار السرائر وهي أنوار الإحسان، فأنوار الإسلام والإيمان هي أنوار التوجه، وأنوار الإحسان هي أنوار المواجهة، فالنور عبارة عن اليقين الذي يحصل في القلب يثمر حلاوة العمل، فإذا قوي اليقين قوي النور واشتدت الحلاوة حتى يتصل بحلاوة الشهود فيغطي حلاوة العمل، فلذلك يقل عمل الجوارح عند العارف، إذ حلاوة الشهود تغني عن كل شيء. ليس الخبر كالعيان. وفي بعض الأحاديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ أي الأعمال أفضل ؟ قال : العلم بالله ،قالوا يا رسول الله سألناك عن العمل قال العلم بالله ،ثم قال في الثالثة : عمل قليل كاف مع العلم بالله }.

   هذا آخر الباب العاشر وحاصلها ذكر كيفية الجزاء على الأعمال والزجر على طلبه وتحقيق معرفته في عطائه ومنعه والاعتناء بإقباله وقبوله لا بخدمته، ودوام الاضطرار بين يديه والافتقار إلى نعمته، والاستيحاش من خلقه بدوام أنسه ثم إشراق أنواره على قلوب أوليائه وأسرار أصفيائه، جزاء لإقبالهم عليه وانحياشهم إليه، فإذا أتحفهم بذلك وهيأهم لما هنالك تلى عليهم قوله :{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ }الآية كما نبه عليه في أول الباب الحادي عشر بقوله وقال رضي الله عنه:
{ليُخَفِّفْ أَلمَ البَلاءِ عَلَيْكَ عِلْمُكَ بِأَنَّهُ سُبْحانَهُ هُوَ المُبْلي لَكَ. فَالَّذي واجَهَتْكَ مِنْهُ الأقْدارُ هُوَ الَّذي عَوَّدَكَ حُسْنَ الاخْتِيارِ}
إذا أصابتك أيها الإنسان مصيبة، أو نزلت بك بلية في بدن أو أهل أو مال، فاذكر من أنزل ذلك عليك، وما هو متصف به من الرحمة والرأفة بك، والمحبة والعطف عليك، لعلك تفهم ما في طي ذلك من النعم، وما يعقبه من سوابغ الفضل والكرم ،ولو لم يكن إلا تطهيرك من الذنوب، وتمحيصك من العيوب، وتقريبك من حضرة علام الغيوب، فهل تعودت منه إلا الإحسان، وهل رأيت منه إلا غاية المبرة والامتنان، فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الاختيار، فالذي واجهتك منه أحكام قهره هو الذي عودك تمام إحسانه وبره، فالذي واجهتك منه ظواهر المحن هو الذي أسبغ عليك بواطن المنن، فالذي واجهتك من حضرة قهاريته الرزايا هو الذي أتحفك بأنواع الكرامات والهدايا.
قال في التنوير :" وإنما يعينهم على حمل الأحكام فتح باب الأفهام. وإن شئت قلت : وإنما يقويهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره. وإن شئت قلت : وإنما يصبرهم على وجود حكمه علمهم بوجود علمه. وإن شئت قلت : إنما يصبرهم على أفعاله ظهوره عليهم بوجود إجماله. وإن شئت قلت : إنما صبرهم على القضاء علمهم بأن الصبر يورث الرضى. وإن شئت قلت : إنما صبرهم على الأقدار كشف الحجب والأستار. وإن شئت قلت : إنما صبرهم على أقداره علمهم بما أودع فيها من لطفه وأبراره " وإلى هذا الأخير أشار بقوله :
مَنْ ظَنَّ انْفِكاكَ لُطْفِهِ عَنْ قَدَرِهِ فَذلِكَ لِقُصورِ نَظَرِهِ }
   من أعظم إحسان الله وبره كون لطفه لا ينفك عن قدره، فما نزل القدر إلا سبقه اللطف وصحبه، وبهذا حكم النقل والعقل، أما العقل فما من مصيبة تنزل بالعبد إلا وفي قدرة الله ما هو أعظم منها، وقد وجد ذلك، فإذا نزلت بك أيها الإنسان مصيبة فاذكر من هو أعظم منك بلاء، فكم من إنسان يتقطع بالأوجاع، وكم من إنسان مبتلى بالجذام والبرص والجنون والعمى، وكم من إنسان مطروح في الفنادق لا يجد من يبريه إلا من ابتلاه، وكم من إنسان أعمي أو مقعداً أو محموم إلى ما لا يتناهى، نسأل الله عافيته الدائمة في الدارين. 
وأما من جهة النقل فقد ورد في ثواب الأمراض والأوجاع أحاديث كثيرة وآيات قرآنية في مدح الصابرين، منها قوله تعالى :{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وقوله تعالى :{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} إلى غير ذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم:" ما يُصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الشوكة يُشاكها وحتى الهم يهمه إلا كفربه سيئاته".
فالأمر واضح لمن هو لنفسه ناصح فلا يخاف عليك من الجهل بالحق وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى وجهلة الخلق كما أشار إلى ذلك بقوله :
{لا يُخَافُ عَلَيْكَ أنْ تَلْتَبِسَ الطُّرُقُ عَلَيْكَ؛ وَإنَّمَا يُخَافُ عَلَيْكَ مِنْ غَلَبَةِ الهَوَى عَلَيْكَ}
   لا شك أن الله سبحانه بين لنا طريق الوصول على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فبين لنا أعلام الشريعة، ومنار الطريقة ،وأنوار الحقيقة، فقرر لنا شرائع الإسلام، وقواعد الإيمان، ومقام الإحسان، فما ترك صلى الله عليه وسلم شيئاً يقربنا إلى الله إلا دلنا عليه، ولا شيئاً يبعدنا عنه إلا حذرنا منه، لم يأل جهداً في إرشاد العباد، وإظهار طريق السداد، فما رحل إلى الله تعالى حتى ترك الناس على الدين القويم، والمنهاج المستقيم، على طريق بيضاء لا يضل عنها إلا من كان أعمى، قال تعالى :{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } " وقال تعالى :{ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } وقال عليه السلام :" لقد تركتكم على الحنيفية السمحة " وفي رواية : "على الملة البيضاء نهارها كليلها " أو كما قال عليه السلام. وقال أحمد بن حضرويه البلخي رضي الله عنه :" الطريق واضح والدليل لا ئح والداعي قد أسمع، فما التحير بعد هذا إلا من العمى". وسمعتْ رابعة العدوية صالحاً المري يقول : "من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له، فقالت له : الباب مفتوح وأنت تفر منه، كيف تصل إلى مقصد أخطأت الطريق إليه في أول قدم " فلا يخاف عليك أيها المريد أن تلتبس الطرق الموصلة إلى الله تعالى عليك لأنها في غاية الوضوح، وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك فيصمك ويعميك، إن الهوى ما تولى يصم أو يصم، فلا يخاف عليك التباس الهدى إنما يخاف عليك اتباع الهوى فلا يخاف عليك التباس الحق، وإنما يخاف عليك جهلة الخلق، { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } فلا يخاف عليك عدم وجود أهل التحقيق، وإنما يخاف عليك قطاع الطريق، لا يخاف عليك من خفاء أهل الحق، إنما يخاف عليك من قلة الصدق، {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} والله ما حجبهم عنك إلا من عدم صدقك، فلو حسنت ظنك بالله وبأولياء الله لرفع الله الحجاب بينك وبينهم، ووجدتهم أقرب إليك من أن ترحل إليهم، فسبحان من سترهم في حال ظهورهم، وأظهرهم في حال خفائهم.

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: