سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 7


سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 7

في بيان أهل التصوف

   ولم يسمّى أهل التصوّف إلاّ لتصفية باطنهم بنور المعرفة والتوحيد، أو لأنّهم انتسبوا لأصحاب الصفّة، أو للبسهم الصوف، وكذلك حالهم في الباطن على حسب مراتب أحوالهم، وكذا لطيّبات الأطعمة، قال صاحب تفسير المجمع : ( يليق بأهل الزهد كلّ خشن من الملبس والمطعم والمشرب، ويليق بأهل المعرفة كلّ ليّن منها، فإنّ إنزال الناس من منازلهم من السنّة، كي لا يتعدّى أحد طوره، أو لأنّهم في الصفّ الأوّل في الحضرة الأحديّة )، فلفظ التصوّف أربعة حـروف : ( التاء، الصاد، الواو، والفاء ):

   التاء : من التوبة، وهي على وجهين : توبة الظاهر، وتوبة الباطن، فتوبة الظاهر:أن يرجع بجميع أعضائه الظاهرة من الذنوب والذمائم إلى الطاعات، ومن المخالفات إلى الموافقات قولا وفعلا، وتوبة الباطن : أن يرجع بجميع أطوار الباطن عن المخالفات الباطنة إلى الموافقات بتصفية القلب، وإذا حصل تبديل الذميمة إلى الحميدة فقد تمّ مقام التاء، ويسمّونه تائبا.

   الصاد : من الصفاء، وهو على نوعين : صفاء القلب، وصفاء السرّ، فصفاء القلب : أن يقي قلبه من الكدورات البشريّة مثل العلاقات التي تحصل في القلب من كثرة الأكل والشرب من الحلال وكثرة الكلام وكثرة النوم، وكثرة الملاحظات الدنيويّة مثل حبّ زيادة الكسب وزيادة الجماع وربّما محبّة الأولاد والأهل، ونحو ذلك من المناهي النفسانيّة.

   وتصفية القلب من هذه الكدرات لا تحصل إلاّ بملازمة ذكر الله تعالى بالتلقين جهرا في الابتداء إلى أن يبلغ مقام الحقيقة كما قال تعالى في محكم التنزيل:( إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم )، أي خشيت قلوبهم، والخشية لا تكون إلاّ بعد انتباه القلب من نوم الغفلة وصقله، فينقش فيه صور الغيب من الخير والشرّ كما ورد:( العالم ينقش، والعارف يصقل ).

   وصفاء السرّ : الاجتناب عن ملاحظة ما سوى الله تعالى ومحبّته بملازمة أسماء التوحيد بلسان سرّّه، وإذا حصلت هذه التصفية فقد تمّ مقام الصاد.

   الواو : من الولاية، تترتب على التصفية كما قال تعالى:{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } ونتيجة الولاية أن يتخلّق بأخلاق الله تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه :{تخلَّقوا بأخلاق اللهِ} أي : اتّصفوا بصفات الله تعالى، فتُلَبَّسُ خِلَعَ صفات الله بعد خلْع الصّفات البشريّة كما قال الله تعالى في الحديث القدسي :"إِذا أَحبَبْتُ عَبْداً كنتُ لهُ سَمعاً وبصراً ويداً ولساناً ، فبِي يسمَعُ وبِي يُبْصرُ وبِي يَبْطشُ وبِي ينطِقُ وبي يَمشيِ" فتهذبوا ممّا سوى الله تعالى كما قال الله تعالى :{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} فحصل مقام الواو.

   الفاء : هو الفناء في الله - يعني عن غير الله تعالى - إذا فنيت الصفات البشريّة بقيت الصفات الأحديّة وهي التي لا تفنى ولا تبقي ولا تزول، فبقي العبد الفاني مع الربّ الباقي ومرضاته، وبقي القلب الفاني مع سرّ الباقي، ونظره كما قال تعالى:{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ }، يحتمل أن يؤول بالرضا : أي إلى ما يوجّه إليه من الأعمال الصالحة لوجهه ورضائه فيبقى المرضي مع الراضي.

   ونتيجة العمل الصالح حياة حقيقة الإنسان المسمّى بطفل المعاني كما قال تعالى:{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }، فكلّ عمل يكون لغير الله تعالى فيه شركة فهو هالك لعامله، فإذا تمّ الفناء فيه حصل البقاء في عالم القربة كما قال تعالى:{ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }، وهو مقام الأنبياء والأولياء في عالم اللاهوت، قال تعالى:
{ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }، فالحادث إذا اقترن بالقديم لم يبق له وجود أصلا .

   فإذا تمّ الفناء بقي الصوفيّ مع الحقّ أبدا كما قال تعالى:{ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }.

**   **   **
يتبع ...

شارك هذا

الكاتب:

0 Please Share a Your Opinion.: