السبت، 12 يناير 2019

الإشارة في جرد معاني البحر المديد

الإشارة في جرد معاني البحر المديد

{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ }

الإشارة

وها هنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها : أن العمل إذا تمحَّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب ، وإذا تمحض الله خالصاً فهو سبب القرب والثواب ، وإذا امتزج بشوْب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث؛ فإن كان باعث الحظ أغلب ، سقط ، وكان إلى العقوبة أقرب ، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله ، وإن كان باعث التقرب أغلب ، حُط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ ، وإن تساوي تقاوماً وتساقطاً وصار العمل لا له ولا عليه .

قلت : وتطَّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها ، وجميع الحركات والسكنات والحِرَف وسائر الأسباب ، فالخالص من الحظوظ مقبول ، والمتمحض للحظوظ مردود ، والمَشُوب يُنظر للغالب كما تقدم .

وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدقّ من هذه فقال : إذا أكرم الله عبداً في حركاته وسكناته ، نصَب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه ، وجعله يتقلّب في عبوديته ، والحظوظ عنه مستورة ، مع جَرْي ما قُدِّر له ، ولا يلتفت إليها؛ لأنها في معزل عنه ، وإذا أهان الله عبداً في حركاته وسكناته ، نصب له حظوظ نفسه ، وستر عنه عبوديته ، فهو يتقلّب في شهواته ، وعبودية الله عنه بمعزلِ ، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر ، قال : وهذا باب من الولاية والإهانة . وأما الصِّدِّيقية العظمى ، والولاية الكبرى ، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة؛ لأنه بالله فيما يأخذ ويترك .

العبد لا يستغني عن طلب الزيادة ، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية ، فالقناعة من الله حرمان ، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان ، فليس عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلاً من ربكم زيادة في إيقانكم ، وترَقِّياً في معانيكم ، إذ كمالات الحق لا نهاية لها ، وأسرار الذات لا إحاطة بها ، قال تعالى :{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [ طه : 110 ] . والله وليّ التوفيق .

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: