نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

وصية الغزالي

وصية الغزالي

مخطوطة
العنوان : وصية الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبَعد :

فهذه وصية لأصحابي وأولادي الذين تابوا إلى الله تعالى وقصدوا سلوك أوليائه، بلَّغهم الله وإيّاي إلى منتهى همم الصديقين، وسلك بنا طريق أحبابه المقربين. صدرت عن محض الشفقة عليهم، وأجابت التماسهم بيان ما ينصبون بين عينيهم ليتوجه كل حين إليهم وليس الوقت يقتضي بيانا وافياً بجميع المراتب والمقامات وشرح كل درجة من الدرجات، فإن توزّع البال في أثناء السفر والانتقال مما لا يخفى، ولكن الرجاء واثق بأنهم إذا عملوا بهذه الوصية واحتفظوا بها تفتح عليهم قلوبهم أبواب الفتح وتنشرح صدورهم بنور العلم، فينكشف لهم ما يحصل به الترقي ويدوم به التوقي، ويتيسر كمال التلقي إن شاء الله تعالى، والوصية بأمورٍ منها : أنهم بعد أن تابوا إلى الله بالشرائط الثلاثة التي هي : الندم على ما مضى من العمر العزيز في غير طاعة الله تعالى، والانكباب على الشهوات المانعة عن التقربات والاقلاع في الحال عنها، والعزم على أن لا يضيع عمره بأمثالها في الاستقبال، ينبغي أن يهتموا اهتماما بليغاً بمراعاة هذه التوبة فإنها مفتاح كل خير وأساس كل مقام، بها ينفتح أبواب الأحوال، وعليها يُبْتَنِيَ المقامات وكل من أراد أن يبني مقاماً عالياً ولا يحكم أساسه لا يرتفع وينهدم. وكان الشيخ قدس الله سره العزيز يقول : يبني ويهدم، فلا بد من مراعاة التوبة، وإنما يتيسّر مراعاتها بالمحاسبة البليغة على سبيل المناقشة دون المساهلة والمسامحة، فالتائب الذي عزم على الطاعة وعلى ترك المعصية والذنب فعليه أن يحفظ ابتدا يخال بصره فلا يفتح العين إلا بما ينفعه في دينه ودنياهُ، ويخال سمعه فلا يسمع إلا بما ينفعه، كذلك لا ينطق إلا بما ينفعه ولا يضره في دينه، وكذا سائر جوارحه وأعضائه. فإذا وقع شيء منه بخلاف ما عزم عليه من هذه الأعضاء، ينبغي أن يراعي الشرائط الثلاثة من الندم والإقلاع والعزم ويستغفر الله باللسان المواطئ القلب ويُعاتبه، ويلزمها بطاعة زائدة على ما كان يعمل لتترك النفس المساهلة، وإذا غفل في مجلس أو ابتلي بصحبة غير جنس ولم يتيسر مراعاة حاله في ذلك المجلس يتدارك في مجلس آخر ويحاسب نفسه ويستغفر، فالمبتدئ له ذنوب الأعمال في الأعضاء والجوارح والتوسط الذي بلغ مقام القلب له ذنوب الأحوال فهو صاحب عزم على فعلٍ وتركٍ، مثلا عزم على التسليم مع الله وترك تدبير النفس نقض عزمه واشتغل بالتدبير والفكر في أمر المعاش صار ذلك ذنبٌ حاله، فإن لم يستغفر من ذلك الذنب لا يترقى بل يتنزل، وكذا إذا عزم على دوام ميل القلب إلى الله تعالى بالمحبة الصادقة وترك الميل إلى غيره، فإذا مال إلى الغير بالقلب صار ذنب حاله فإن لم يستغفر ولم يتضرّع إلى الله سبحانه وتعالى لحفظ قلبه يُلطم قلبه بلطمات الغَيرة ويخرجه صاحب العزَّة عن بساط القرب وكذا سائر المقاسة، وأما المنتهي فذنوبه أعظم الذنوب وعقوبته أعظم العقوبة، فإنه على بساط المشاهدة بسره متمتع بنعيم الوصال متلذذ بالنظر إلى كمال الجمال وجمال الكمال، فإذا غفل بملاحظة ما سواه بالاستحسان من الأكوان عُذِّب والعياذ بالله بذُلِّ الحجاب ومذل النقاب، ونِعم ما قال بعض المشائخ :"من أساء الأدب على البساط رُدّ إلى الباب ومن أساء الأدب على الباب رُدّ إلى اصطبل الدواب" نعوذ بالله من الجور بعد الكور، فلا بد لكل واحد من المبتدئ والمتوسط والمنتهي من المحاسبة والتفطن والاستغفار والاستغاثة بالله والاستعاذة من شر النفس والشيطان، والاستعاذة بعفوه عن عقابه، وبرضاه عن سخطه، وبه منه، والدعاء بِرَبِّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقلَّ من ذلك. وليعلم أن الاستقامة على التوبة والمحافظة عليها في المراتب الثلاثة إكسير الرجال، ومناط حصول المقامات والأحوال. 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016