نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية


الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية

اعلم أن الأدب وصف الروح قديم، وسوء الأدب وصف النفس حادث، فإن ظهر فيك الأدب ظاهراً وباطناً فاعلم أنك روحاني سماوي، وإن ظهر فيك سوء الأدب ظاهراً و باطناً فاعلم أنك نفساني أرضي.

ومن كمال ابن آدم أن حسه أرضي ومعناه سماوي، ولما كان هذا حال أبينا آدم عليه السلام في الجنة وكانت الأنوار حاكمة على الأغيار، لا يعرف الأغيار ما هي وهي كامنة فيه إذ هي من الكمال الكبير، أراد الله سبحانه أن يظهر كماله فيه بفضله وإحسانه ويظهر من كماله كمالا كبيرا لا يعلم قدره سواه سبحانه، فسلّط عليه إبليس حتى استخرج منه وصف البشرية، أحب أم كره، فكان هو السبب في نزوله من عالم الأنوار إلى عالم الأغيار. فلما نزل اعتدل الأمر وكان مُلكياً ملكوتياً في دفعة واحدة. ولذلك كان خليفة الله لأجل جمعه بين الضدين، فكل من اعتدل من ذريته صار خليفة.

فإن قلت : لِمَ لم يكن الخليفة من الملائكة، ولا من الجن. قلنا لأجل حكم الروحانية على الجسمانية في غير الآدمي، فالاعتدال خاص بالآدمي ببركة مولانا محمد صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن ظهور وصف البشرية ليست هي من النقص، إذ بها ترقَّى هذا الآدمي إلى مقام لا يدركه أحد سواه في القرب منه سبحانه وإنما نسبت إلى النقص من حيث الوقوف معها، والاشتغال بها عن الله تعالى، لأن هذا الآدمي أودع الله فيه من السر ما لم يودعه في غيره، أودع الله في نفسه الحب الكبير، والشوق الكبير، والعشق الكبير، والجمال الكبير الذي هو في سائر الأشياء. فإذا غفل عن كماله صار عاشقاً للأشياء لجهله بقدره، وإذا اشتغل بكماله صارت الأشياء عاشقة له، لأنها تشاهد فيه جمال الله الكامل الذي أودعه فيه، ولهذا الجمال الكامل سجدت الملائكة عليهم السلام، لهذا كانت الخلافة من بني آدم والله أعلم وأحكم ولم تكن من غيرهم.

والخلافة لا تكون من ابن آدم إلا بعد البلوغ وقليل بعد الأربعين سنة لأنه يكمل العقل والحب فيه، ولا يكمل قبل ذلك إلا في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والخليفة هو الذي لا تشغله الشرائع عن الحقائق ولا الحقائق عن الشرائع في دفعة واحدة.

ولم تكمل خلافة أبينا ىدم عليه السلام حتى أهبطه مولاه إلى الأرض بدليل قوله تعالى :
{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة : 30] ولم يقل في السماء، لأن السماء تجلي جماله سبحانه غالب على تجلي جلاله، والأرض تجلي جلاله فيها غالب على تجلي جماله، والآدمي بين السماء والأرض، وذلك لزيادة كماله، وأنه ليس موضعه الأرض ولا السماء وإنما موضعه عالم المعاني الذي أحاط بسائر الموجودات.

فاعرف قدرك أيها الإنسان ولا تكن عنه نسيان، وقل : الله، الله، الله حتى تفنى عن سائر العوالم وتتجلى لك في نفسك أسرار العالم فترى سائر الموجودات سرًّا من أسراره، وذلك السر بعض من سرك، فافهم. ولا تصل هذا السر إلا بالأدب.

والنفس لقوتها وكمالها لا تتأدب لجهلها بخالقها لأنها تشير لكمالها الأول، وأنها تحكم بالله ولا يُحكم عليها، ولم ترى أنها خارجة من عالم المعاني، محجوبة عن خالقها سبحانه بوصفها الأرضي الحادث فيها بقدرته وإرادته لحكمة أرادها الحق سبحانه.

والحكمة التي أرادها منها سبحانه هي أن تشهد له بالوحدانية وتتأدب بكمال الأدب مع الألوهية، ولا تنسب لنفسها حولاً ولا قوَّة، وذلك هو شرفها، وقد كانت قبل جهلها بالله في عالم المعاني متأدبة بكمال الأدب، ولكن ذلك موضع القرب لا يظهر أدبها، والأدب يظهر في موضع البعد، وهو عالم الحس، عالم الحجاب، عالم الفرق، وتجلّى الحق سبحانه في صور كثيرة، وكل صورة منها قالت أنا، فلله الأمر من قبل ومن بعد، كيف تكون معرفتها إلا بفضله وإحسانه، ولذلك جعل الله الوسائط لها في سبب معرفته وعبادته :

فمن عرفه معرفة العيان كان مقامه مقام الأدب، ومن عرفه معرفة البرهان كان مقامه مقام العبادة.

فصاحب العبادة أدبه ظاهر غير باطن. وصاحب العبودية أدبه ظاهر وباطن، لأنه عرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه فني في محبته، ومن فني في محبته زال عن حوله وقوته، وتأدب معه سبحانه بكمال الأدب. وهذه علامة النفس الروحانية التي تخلصت من رؤية السوى، ولذلك صار الأدب طبعها، لأن الأدب قديم وهو وصف الروح، وما خرجت هذه الروح من الأدب إلا بسبب بعدها، وبسبب سوء أدبها سميت نفسا، وإذا رجعت لأصلها: سميت روحا. وهي السر المصون الذي لم يطلع عليه أحد سواه. 

وأهل العلم بالله يشيرون إلى سرها، ولا يصرحون إلا عند غلبة الحال، وذلك حياء من الله تعالى، إلا حيث قال جل جلاله: {قل الروح من أمر ربي}. [سورة الإسراء، الآية 85]. معناه – والله أعلم – لا يصرحون بحقيقتها، لأنها من أسرار الألوهية، وكشف سر الألوهية كفر: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}. [سورة الإسراء، الآية 85]. معناه – والله أعلم – ما علمتم من علمها إلا قليلا بالنسبة لعلم الله بها، ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فصار الأدب قديماً وسوء الأدب محدثاً كما قلناه، فالأدب قديم يتعلق بالروح ويرجع إلى وصف الربوبية، وسوء الأدب محدث يتعلق بالنفس ويرجع إلى وصف العبودية.

وإذا أراد الله أن يبصر عبده أمدّه بوصف الرّوح فيكون طبعه حسن الخلق مع كل مخلوق. وإذا أراد الله أن يخدل عبده أمده بوصف النفس، فيكون طبعه سوء الخلق مع كل مخلوق.

والأدب كله من مشاهدة الحبيب، وذلك كأصحاب الملك الدنيوي، وتراهم إذا شهدوه تأدبوا معه قدر استطاعتهم، فمنهم من يديم الجلوس معه وذلك لشدة أدبه ومنهم تارةً بتارة بحسب قربهم منه.

وكذلك أهل حضرة الملك الحقيقي الذي هو مالك الملوك سبحانه وتعالى، فهم أيضاً بحسب قربهم منه.

وقرب أهل الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

قرب الأنبياء : كشهود الشمس بلا سحاب.
وقرب الأولياء : كشهود الشمس في السحاب اللطيف.
وقرب الصالحين : كشهود القمر في السحاب الكثيف.

وفوق كل ذي علم عليم، ومنتهى العلم إلى الله العظيم. 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016