-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل/الجيلي (4)

الباب الثالث في الصفة مطلقاً


الصفة ما تبلغك حالة الموصوف: أي ما توصل إلى فهمك معرفة حاله، وتكيفه عندك وتجمعه في وهمك وتوضحه في فكرك، وتقرّبه في عقلك فتذوق حالة الموصوف بصفته، ولو قسته بك ووزنته في نفسك فحينئذ إما أن يميل الطبع إليه لوجود الملائم، وإما أن ينفرد لذوق المخالف، فافهم.
وتأمله وذقه ليختم في سمعك بطابع رحمن جمعك، ولا يمنعك هذا القشر فهو على اللبّ حجاب وعلى الوجه نقاب.
ثم إن الصفة تابعة للموصوف أي لا تتصف بصفات غيرك ولا بصفات نفسك ولا بنعتك، ولا تكن منه على شيء إلاَّ إذا علمت أنك عين ذلك الموصوف وتحققت أنك العليم، فحينئذ العلم تابع لك ضرورة لا تحتاج فيه إلى زيادة تكيد، لأن الصفة متعلقة بالموصوف تابعة له توجد بوجود الموصوف وتفقد بانعدامه.

والصفة عند علماء العربية على نوعين: صفة فضائلية، وصفة فاضلية.

فالفضائلية هي التي تتعلق بذات الإنسان كالحياة، والفاضلية هي التي تتعلق به وبخارج عنه كالكرم وأمثال ذلك.
وقال المحققون: أسماء الحق تعالى على قسمين: يعني الأسماء التي تفيد في نفسها وصفاً فهي عند النحاة أسماء نعوتية.

القسم الأول: هي الذاتية، كالأحد والواحد والفرد والصمد، والعظيم والحيّ والعزيز والكبير والمتعال، وأشباه ذلك.

القسم الثاني: هي الصفاتية، كالعلم والقدرة، ولو كنت من الأوصاف النفسية كالمعطي والخلاق، ولو كنت من الأفعالية، وأصل الوصف في الصفات الإلهية اسمه الرحمن فإنه مقابل لأسماء الله في الحيطة والشمول، والفرق بينهما أن الرحمن مع جمعه وعمومه مظهر للوصفية، والله مظهر للاسمية.
واعلم أن الرحمن علم على ذات المرتبة العلية من الوجود بشرط الشمول للكمال المستوعب الذي لا نقص فيه من غير نظر إلى الخلق، واسمه تعالى الله علم على ذات واجب الوجود لكن بشرط الشمول للكمال الحقي، والعموم للوصف الخلقي.
فالله عام والرحمن خاص، أعني اسمه الرحمن مختص بالكمالات الإلهية، واسمه الله شامل للحق والخلق، ومتى تخصص الرحمن بكمال من الكمالات انتقل معناه من محله إلى اسم لائق بذلك الكمال، كاسمه الرب والملك. 
وأمثال ذلك، فإن كلا من هذه الأسماء ينحصر معناه على ما يعطيه وصفه من المرتبة، بخلاف اسمه الرحمن فإن مفهوم معناه ذو الكمال المستوعب لجميع الكمالات، فهو صفة جامعة لجميع الصفات الإلهية.

واعلم أن الصفة عند المحقق هي التي لا تدرك وليس لها غاية، بخلاف الذات، فإنه يدركها ويعلم أنها ذات الله تعالى، ولكن لا يدرك ما لصفاتها من مقتضيات الكمال، فهو على بينة من ذات الله ولكن على غير بينة من الصفات.
مثاله أن العبد إذا ترقى من المرتبة الكونية إلى المرتبة القدسية وكشف له عنه، علم أن ذات الله تعالى هي عين ذاته، فقد أدرك الذات وعلمها، وبقي عليه أن وقال صلي الله عليه وسلم " من عرف نفسه فقد عرف ربّه " .
يعلم ما لهذه الذات من الصفات كما هو لها بحق حقيقة مما اتصفت الذات الإلهية بأوصافها ولا سبيل إلى درك غاية الصفة البَتَّة، مثاله في الصفة العلمية إذا حصلها العبد الإلهي فإنه لا يدرك منها على التفصيل إلاَّ القدر الذي ينزل على قلبه.
فأدرك من الصفة العلمية مثلاً كم في الوجود رجلاً، وبقي عليه أن يعلم أسماءهم كلا على حدته، فإن علم بقي عليه أوصافهم ثم ذواتهم ثم أنفاسهم ثم حالاتهم إلى ما لا يتناهى.
وكذلك باقي الصفات كل واحدة بهذه المثابة، وهذا لا سبيل إلى استيعابه مفصلاً، ولكن على سبيل الإجمال، فإنه يحصل من حيث الذات لدركه ذاته فلا يفوته شيء من ذلك، فإذن ما المدركة إلاَّ الذات وما غير مدركة إلاَّ الصفات .
لأن عدم التناهي هو من صفات الذات لا من الذات، فالذات مدركة معلومة محققة، والصفات مجهولة غير متناهية.
وكثير من أهل الله حجبوا بهذه المسألة، فإنهم لما كشف الله لهم عن ذاته أنه هم طلبوا إدراك صفاته فلم يجدوها من أنفسهم فأنكروه، فلم يجيبوه إذ ناداهم ولم يعبدوه إذ قال لموساهم: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}[سورة طه، الآية: 14 ] 
وقالوا له: لست إلاَّ المخلوق، لأنهم ما اعتقدوا في الحق أن تدرك ذاته وتجهل صفاته، وكن التجلي على خلاف المعتقد فحصل الإنكار.
وظنوا أن الصفات تدرك في الذات شهوداً كما تدرك الذات، ولم يعلموا أن هذا ممتنع حتى في المخلوق لأنك إنما ترى وتعاين منك ذاتك.
وأما ما فيك من صفة الشجاعة والسخاوة والعلم فإنه لا يدرك بشهود، بل يبرز منك شيئاً فشيئاً على قدر معلوم، فإذا برزت الصفة وشوهد منها هذا الأثر حكم لك بهذا، وإلا فتلك الصفات جميعها منطوية فيك جميعها غير مدركة ولا مشهودة، لكن العقل ينسبها إليك بطريق العادة وجرياً على القانون المفهوم.

واعلم أن إدراك الذات العلية هو أن تعلم بطريق الكشف الإلهي أنك إياه وهو إياك، وأن لا اتحاد ولا حلول، وأن العبد عبد والرب ربّ، ولا يصير العبد ربّاً ولا الربّ عبداً، فإذا عرفت هذا القدر بطريق الذوق والكشف الإلهي الذي هو فوق العلم والعيان ولا يكون ذلك إلاَّ بعد السحق والمحق الذاتي.
وعلامة هذا الكشف أن يفنى أولاً عن نفسه بظهور ربّه، ثم يفنى وأما كون ما لهويتك من العلم والقدرة والسمع والبصر والعظمة والقهر والكبرياء وأمثال ذلك، فإن ما هو من مدارك الصفات يدرك منه كل من الذاتيين على قدر قوة عزمه وعلوّ همته ودخول علمه، فقل ما شئت: إن قلت: إن الذات لا تدرك فباعتبار أنها عين الصفات، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [سورة الأنعام، الآية: 103 ] لأن الأبصار من الصفات، فمن لم يدرك الصفة لم يدرك الذات.وإن قلت: إنها تدرك، فباعتبار ما قد سبق.
وهذه مسألة خفيت على كثيرين من أهل الله تعالى، فلم يتحدث عليها أحد قبلي، فليتأمل فيها فهي من نوادر الوقت، وهذا مجلى من كشف له عنه ذاق لذّة اتصاف الله بأوصافه.
فإذا ترقى فيه بلغ إلى معرفة كيفية الاتصاف بأوصافه، وفيه التناهي والدخول فافهم.
على أنه لا يفهمه إلا المتهيئون للكمال المقرّبون من ذي الجلال والاكرام، وكم دون هذا المقام من أسمر وحسام.

أولع قلبي من زَرود بمائه .... ويا ولهي كم مات ثمة والع
ولي طمع بين الأجارع عهده .... قديم وآم خابت هناك المطامع

هذا قد مضى، ولنا في هذا المعنى كلام آخر وهو مضاد للمعنى الأول في ظاهر اللفظ، وإلاَّ فلا تضادّ، ولأن متضادات الحقائق جميعاً كلها متحدة المعنى في الحقيقة. وذلك أن الصفات من حيث الإطلاق هي معاني معلومة، والذات هي أمر مجهول، فالمعاني المعلومة أولى بالإدراك من الأمر المجهول. فإذاً قد صح عدم الإدراك فيها، أعني في الصفات، فلا سبيل إلى إدراك الذات بوجه من الوجوه، فعلى الحقيقة لا صفاته مدركة ولا ذاته.

واعلم أن اسمه الرحمن على وزن فعلان، وهو يكون في اللغة لقوّة اتصاف المتصف به وظهوره عليه، ولذا وسعت رحمته كل شيء حتى مآل أمر أهل النار إلى الرحمة.

واعلم أن هذا الاسم تحته جميع الأسماء الإلهية النفسية، وهي سبعة:

الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.

فأحرفه سبعة:

الألف وهي الحياة: ألا ترى إلى سريان حياة الله في جميع الأشياء، فكانت قائمة به، واذا الألف سار بنفسه في جميع الأحرف حتى أن ما ثم حرف وأما لفظاً، فإن الحرف إذا بسطته وجدت الألف من بسائطه أو من بسائط بسائطه ولا سبيل إلى أن تفقده.
فالباء مثلاً إذا بسطته قلت: باء فظهرت الألف.
والجيم ألف معوجة الطرفين، وكذلك البواقي.
وأما لفظا فان الحرف إذا بسطته وجدت الألف من بسائطه أو من بسائط بسائطه و لا سبيل أن تفقده .
فالباء مثلاً إذا بسطته قلت باء فظهرت الألف ، و الجيم مثلا إذا بسطته قلت: جيم ياء ميم والياء توجد فيها الألف، والميم كذلك وجميع الأحرف على هذا المثال.
فكان حرف الألف مظهر الحياة الرحمانية السارية في الموجودات.
واللام مظهر العلم فمحل قائمة اللام علمه بنفسه ومحل تعريفه علمه بالمخلوقات. 
والراء مظهر القدرة المبرزة من كون العدم إلى ظهور الوجود، فترى ما كان يعلم وتواجد ما كان يعدم؛ والحاء مظهر الإرادة ومحلها غيب الغيب؛ ألا ترى إلى حرف.
الحاء كيف هو من آخر الحلق إلى ما يلي الصدر، والإرادة كذلك مجهولة في نفس الله فلا يعلم ولا يدرى ماذا يريد فيقضي به، فالإرادة غيب محض.
والميم مظهر السمع ألا تراه شفوياً من ظاهر الفم إذ لا يسمع إلا ما يقال، وما قيل فهو ظاهر سواء كن القول لفظياً أو حالياً، فدائرة رأس الميم المشابهة لها الهوية محل سماعه آلامه، لأن الدائرة يعود آخرها إلى المحل الذي ابتدأت منه، وآلامه فمنه ابتدأ وإليه يعود.
وأما تعريفه الميم فمحل سماعه لكلام الموجودات حالياً كان أو مقالياً.
وأما الألف التي بين الميم والنون فمظهر البصر وله من الأعداد الواحد، وهو إشارة إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يرى إلاَّ بذاته. 
وكان الألف مسقطاً في الكتابة ومثبتاً في اللفظ، فسقوطه إشارة إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يرى المخلوقات إلاَّ من نفسه فليست بغير له، وإثباته في اللفظ، فإشارة إلى تمييز الحق بذاته في ذاته عن المخلوقات، وتقدّسه وتعاليه عن أوصافهم وما هم عليه من الذلّة والنقص.
وأما النون فهو مظهر لكلامه سبحانه وتعالى
قال الله تعالى: {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}[سورة القلم، الآية: 1] وكناية عن اللوح المحفوظ، فهو كتاب الله الذي قال فيه : {مَا فَرَّطْنَا فِيالْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[ سورة الأنعام، الآية: 38 ] وكتابه كلامه.

واعلم أن النون عبارة عن انتقاش صور المخلوقات بأحوالها وأوصافها آما هي عليه جملة واحدة، وذلك الانتقاش هو عبارة عن كلمة الله تعالى فهي تكون، على حسب ما جرى به القلم في اللوح الذي هو " كن " لها فهو تحت حيطة "كن" مظهر لكلمة الحضرة.لأن كل ما يصدر من لفظة "كن" فهو تحت حيطة اللوح المحفوظ. فلهذا قلنا: إن النون مظهر كلام الله تعالى.

واعلم أن النقطة التي فوق النون هي إشارة إلى ذات الله تعالى الظاهرة بصورة المخلوقات، فأول ما يظهر من المخلوقات ذاته ثم يظهر المخلوق لان نون ذاته أعلى وأظهر من نون المخلوق . وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ". وكيف الحال وقد قال الصديق الأكبر رضي الله عنه : "ما رأيت شيئا والا رأيت الله قبله."
فاذا علمت ان النقطة إشارة الى ذات الله تعالي فاعلم ان دائرة النون إشارة الى المخلوقات.
وقد تحدثنا في اسم الرحمن بأبسط من هذا الكلام في كتابنا المسمى ب: [الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم]، فمن أراد معرفة ذلك فليطالع هنالك، فانظر إلى هذا الاسم الكريم وما حواه من الأسرار التي تحتار فيها الأفكار.
ولو تحدثنا في أسرار حروف هذا الاسم وكمية أعداده مع بسائطه وما تحت كل حرف منه من الاختراعات والانفعالات في الاكوان لأظهرنا عجائب وغرائب يحار الفهم فيه من أين يأخذه. وما تركناه مضنة به ولا بخلاً، ولكن قصدنا الاختصار في هذا الكتاب لئلا يملّ قارؤه وكاتبه فيفوته ما أردناه له من الانتفاع، وقد أودعنا هذا الكتاب من الأسرار ما هو أعظم من ذلك، والله المستعان وعليه التكلان.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016