نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

محاسن المجالس أو بیان فی مقامات السادة الصوفیة (8)


الفصل الثامن : الرجاء


فصل : وأما الرجاء فهو من منازل العوام، وهو انتظار غائب وطلب مفقود، وهو أضعف منازل القوم في هذا الشأن، لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه آخر. وو وقوع الرعونة ولفائدة واحدة نطق به التنزيل، فقال تعالى : {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ}. يريد على العوض من أجل المجاهدة، وقال : {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

ووردت به السنة لفائدة، وهي تبريد حرارة الخوف، لئلا يفضي بصاحبه إلى اليأس والقنوط، فهو دواء لمرض الخوف، ولا يعرض ذلك المرض إلا لعوام هذه الطائفة.

أما الخواص فالرجاء عندهم شكوى ومطالعة وعوض وعمى، لأن العبد من سيده على سبيل البر والألطاف، وفي بحر الجود والألطاف غريق، وتحت وابل الإحسان مغمور ولم يدع له ما بشاهده من مولاه مستزادا، ولا كشف له عما طالعه منه في الدارين مزيدا.

فالرجاء وهن عقال وفترة وغفلة، وفي الفتوة علَّة، وفي المحبَّة وصمة. قال الله تعالى : {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} فما ترك وجوده وجوده ورويته لهم غرضا، ولا أبقى وجوده لهم رجاء، ولا غادر حبه لشيء من الكونين في قلوبهم أثرا : {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} الآية.

وسُئل بعضهم : ما مُراد العارف ؟ فقال : دوام معروفه، أشار بذلك إلى بقاء مُراده تعالى، وفناء اختيار العارف؛ لأن معروفه دائم أبدا، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
وقيل أن بعض الأعراب ضلَّتْ راحلته عنه وكانت ليلة مُظلمة فأكثر الطلب لها والفحص عنها، فلم يعثر عليها. فلما طلع القمر وانبسط نوره وضياءه، رأى ناقته باركة برحلها في بعض الأودية، فاستبشر بذلك، وكان قد اجتاز بذلك الوادي عدة مرات والظلام يحول دونها، فرفع رأسه إلى القمر مُشيرا إليه وقال شعراً :

ماذا أقول وقولي ذو حصر          وقد كَفَتْني التفصيل والجُمَلَا
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا    أو قلت زَانَكَ رَبِّي فهو قد فَعَلَا

فكذلك العارفون بالله تعالى لم يبق لهم أمل يتعلقون به، ولا غرض يسترقهم فيقفون معه، فإن في أقل أقل ما لاطفهم به أجل أجل ما تنتهي إليه آمالهم عند أحوالهم. ولهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الجنة فقال لهم : "فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْراً من بَلْهِ ما اطَّلَعْتُمْ عليه". فإن كان ذلك لهم وهو حظ النفس من الجنة فما ظنك بما لهؤلاء وهو حظ القلوب من الله تعالى ؟ وفي ذلك قال قائلهم : 

قولوا لأمالي ألا فابعدي           قد أنجز الأحباب لي موعدي
قد كنت قبل اليوم مستأنساً       منك بخل مشفق مسعدي
وأن نسيم الروض من وصلكم وصلهم      هب فلي عندك ظل ندى
وحيث لاحت لي أعلامهم        فليس بي فقر إلى مرشدي



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016