نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل/الجيلي -21

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل/الجيلي -21

الباب الموفي عشرين في الكلام


إن الكلام هو الوجود البارز         فيه جرى حكم الوجود الجائز
ولأجل ذا في العلم كانت أحرفاً     لا تَنْقَري إذ ليس فيه مايز
فتميّزت عند الظهور فعبَّروا        عنها بلفظة كن فيدرى الفايز
واعلم بأن اللَّه حقاً إن يقل             للشيء كن فيكون ما هو عاجز
فله الكلام حقيقة وله مجازاً         كل ذلك كان وهو الجائز

اعلم أن كلام الله من حيث الجملة هو تجلي علمه باعتبار إظهاره إياه، سواء كانت كلماته نفس الأعيان الموجودة، أو كانت المعاني التي بفهمها عباده إما بطريق الوحي أو المكالمة أو أمثال ذلك، لأن كلام الله تعالى في الجملة صفة واحدة نفسية ، ولكن لها جهتان :

الجهة الأولى على نوعين :

النوع الأول:

أن يكون الكلام صادراً من مقام الفرد بأمر الألوهية فوق عرش الربوبية وذلك أمره العالي الذي لا سبيل إلى مخالفته، لكن طاعة الكون له من حيث يجهله ولا يدريه، وإنما الحق سبحانه وتعالى يسمع كلامه في ذلك المجلى عن الكون الذي يريد تقدير وجوده.
ثم يجري ذلك الكون على ما أمره به عناية منه ورحمة سابقة ليصح للوجود بذلك اسم الطاعة فيكون سعيداً، وإلى ذلك أشار لذلك بقوله تعالى في مخاطبة السماء والأرض: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (سورة فصلت:11)  .فحكم للأكوان بطاعته، فإنها أتت غير مكرهة تفضلاً منه وعناية.

ولذلك سبقت رحمته غضبه لأنه قد حكم بالطاعة والمطيع مرحوم، فلو حكم عليها بأنها أتت مكرهة لكان ذلك الحكم عدلاً لأن القدرة تحيز الكون على الوجود، إذ لا اختيار للمخلوق، ولكان الغضب حينئذ أسبق إليه من الرحمة، لكن تفضيل الحكم لها بالطاعة لأن رحمته سبقت غضبه وفكانت الموجودات بأسرها مطيعة، فما ثم عاص له من حيث الجملة في الحقيقة، وكل الموجودات مطيعة لله تعالى كما شهد لها في كتابه بقوله: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} وكل مطيع فما له إلاَّ الرحمة، ولهذا آل حكم النار إلى أن يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط فتزول وينبت في محلها شجر الجرجير كما ورد في الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم ، وسنبين ذلك في هذا الكتاب في محله إن شاء الله تعالى. فهذا أحد نوعي الجهة الأولى من الكلام القديم.

وأما النوع الثاني من الجهة الأولى :

فهو الصادر عن مقام الربوبية بلغة الأنس بينه وبين خلقه كالكتب المنزّلة على أنبيائه، والمكالمات لهم ولمن دونهم من الأولياء، وكذلك وقت الطاعة والمعصية في الأوامر المنزّلة من الكتب من المخلوق، لأن الكلام الذي صدر بلغة الإنس فهم في الطاعة كالمختارين، أعني جعل نسبة اختيار الفعل إليهم ليصح الجزاء في المعصية في العذاب عدلاً، ويكون الثواب في الطاعة فضلاً، لأنه جعل نسبة الاختيار إليهم بفضله، ولم يكن لهم ذلك إلاَّ بجعله لهم، وما جعل ذلك إلاَّ لكي يصح الثواب، فثوابه فضل وعقابه عدل.

وأما الجملة الثانية للكلام:

فاعلم أن كلام الحق نفس أعيان الممكنات، وكل ممكن كلمة من كلماته، ولهذا لا نفود للممكن، قال تعالى: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}109 سورة الكهف. فالممكنات هي كلمات الحق سبحانه وتعالى، وذلك لأن الكلام من حيث الجملة صورة لمعنى في علم المتكلم، أراد المتكلم بإبراز تلك الصورة ففهم السامع ذلك المعنى. والموجودات كلمات الله تعالى وهي الصورة العينية المحسوسة و المعقولة الوجودية . وكل ذلك صور المعاني الموجودة في علمه وهي الأعيان الثابتة.

وإن شئت قلت حقائق الانسان،وإن شئت قلت ترتيب الألوهية،وإن شئت قلت بسايط الوحدة،وإن شئت قلت تفصيل الغيب،وإن شئت قلت صور الجمال،وان شئت قلت آثار الأسماء والصفات،وإن شئت قلت معلومات الحق،وإن شئت قلت الحروف العاليات وإلى ذلك أشار الامام ابن عربي في قوله : "كُنَّا حُرُوفاً عَالِياتٍ لَمْ نُقَلْ ".
فكما أن المتكلم لا بد له في الكلام من حركة مرادية المتكلم، ونفس خارج بالحروف من الصدر الذي هو غيب إلى ظاهر الشفة. كذلك الحق سبحانه وتعالى في إبرازه لخلقه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة يريد أولاً ثم تبرزه القدرة. والإرادة مقابلة للحركة الإرادية التي في نفس المتكلم، والقدرة مقابلة للنفس والخارج بالحروف من الصدر إلى الشفة لأنها تبرز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.
وتكوين المخلوق مقابل لتركيب الكلمة على هيئة مخصوصة في نفس المتكلم، فسبحان من جعل الإنسان نسخة له كاملة. ولو نظرت إلى نفسك ودققت لوجدت كلّ صفة منه نسخة في نفسك. فانظر هويتك نسخة أي شيء، وإنيتك نسخة أي شيء، وروحك نسخة أي شيء، وفكرك نسخة أي شيء، وعقلك نسخة أي شيء. وانظر إلى وهمك العجيب نسخة أي شيء هو وبصرك وحافظتك وسمعك وعلمك وحياتك وقدرتك وكلامك وإرادتك وقلبك وقالبك كل شيء منك نسخة أي شيء من آماله، وصورة من جماله.

ولولا العهد المربوط والشرط المشروط لبينته أوضح من هذا البيان ولجعلته غذاء للصاحي ونقلاً للسكران. لكنه يكفي هذا القدر من الإشارة لمن له أدنى بصارة، وما أعلم أحداً من قبلي أذن له أن ينبه على أسرار نبهت عليها في هذا الباب إلاَّ أنا. فقد أمرت بذلك، ومن هذا القبيل أكثر هذا الكتاب، لكني جعلت قشرة على اللباب يلقطها من هو من أولي الألباب، ويقف دونها من وقف دون الحجاب. والله يقول الحق وهو يهدي إلى الصواب.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016