نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل/الجيلي -20

الباب التاسع عشر في القدرة

القدرة قوّة ذاتية لا تكون إلاَّ لله، وشأنها إبراز المعلومات إلى العالم العيني ، على المقتضى العلمي فهو تجلّي، أي مظهر أعيان معلوماته الموجودة من العدم، لأنها يعلمها موجودة من عدم في علمه.
فالقدرة هي القوة البارزة للموجودات من العدم، وهي صفة نفسية بها ظهرت الربوبية ، وهي أعني القدرة أعين القدرة، عين هذه القدرة الموجودة فينا، فنسبتها إلينا تسمى قدرة مخلوقة ونسبتها إلى الحق تسمى قدرة قديمة، والقدرة في نسبتها إلينا عاجزة عن الاختراعات، وهي بعينها في نسبتها إلى الله تعالى تخترع الأشياء وتبرزها من كتم العدم إلى شهرة الوجود فافهم ذلك، فإنه سرّ جليل لا يصلح كشفه إلاَّ للذاتيين من أهل الله تعالى.
والقدرة عندنا إيجاد المعدوم، خلافاً للإمام محيي الدين بن العربي فإنه قال: إن الله لم يخلق الأشياء من العدم، وإنما أبرزها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني، وهذا الكلام وإن كان له في العقل وجه يستند إليه على ضعف، فأنا أنزّه ربي أن أعجزه في قدرته من اختراع المعدوم وإبرازه من العدم المحض إلى الوجود المحض.

واعلم أن ما قاله الإمام محيي الدين رضي الله عنه غير منكور، لأنه أراد بذلك وجود الأشياء في علمه أولاً، ثم لما أبرزها إلى العيني كان هذا الإبراز من وجود علمي إلى وجود عيني، وفاته أن حكم الوجود لله سبحانه في نفسه قبل حكم وجود لها في علمه.فالموجودات معدومة في ذلك الوجود في قدمه على كل وجه، ويتعالى عن ذلك فيحصل من هذا أنه أوجدها في علمه من عدم أي أنه يعلمها في علمه موجودة من عدم، فليتأمل، ثم أوجدها في العين بإبرازها من العلم وهي في أصولها موجودة في العلم من العدم المحض، فما أوجد الأشياء سبحانه وتعالى إلاَّ من العدم المحض.

واعلم أن علم الحق سبحانه وتعالى لنفسه وعلمه لمخلوقاته علم واحد، فبنفس علمه لذاته بعلم مخلوقاته لكنها غير قديمة بقدمه، لأنه يعلم مخلوقاته بالحدوث؛ فهي في علمه محدثة الحكم في نفسها مسبوقة بالعدم في عينها، وعلمه قديم غير مسبوق بالعدم، وقولنا حكم الوجود له قبل حكم الوجود لها ، فان القبلية قبلية حكمية أصلية لا زمانية ، لأنه سبحانه وتعالى له الوجود الأول لاستقلاله بنفسه ، و المخلوقات لها الوجود الثاني لاحتياجها إليه ، فالمخلوقات معدومة في الوجود الأول ، فهو سبحانه أوجدها من العدم المحض في علمه اختراعا إلهيا، ثم أبرزها من العلم العلمي إلى العالم العيني بقدرته، فإيجاده المخلوقات إيجاد من العدم الى العلم لا إلى العين لا سبيل إلى غير هذا، فلا يقال يلزم من هذا جهله بها قبل إيجادها في علمه ، إذ ما ثم زمان وما ثم إلا قبلية حكم أوجدتها الألوهية لعزتها بنفسها واستغنائها في أوصافها عن العالمين، فليس بين وجودها في علمه وبين عدمها الأصلي زمان، فيقال : إنه كان يجهلها قبل إيجادها في علمه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فافهم.

فإن الكشف الإلهي أعطانا ذلك من نفسه، وما أوردناه في كتابنا إلاَّ ليقع التنبيه عليه نصيحة لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، ولا اعتراض على الإمام إذ هو مصيب في قوله على الحدّ الذي ذكرناه، ولو كان مخطئاً على الحكم الذي بيّناه وفوق كل ذي علم عليم.

فإذا علمت هذا فاعلم أن القدرة الإلهية صفة بثبوتها انتفى عنه العجز بكل حال، وعلى كل وجه، لا يلزم من قولنا وجودها ابتغاء أن يقال لو لم يثبت لثبت له العجز فإنها ثابتة لا يجوز فيها تقدير عدم الثبوت، فهي ثابتة أبداً والعجز منتف أبداً فافهم.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016