نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

آداب المعرفة


آداب المعرفة أربعة :

الأول : إعطاءُ الحِكمة أهلها، ومنعُها من غير أهلها. كما ورد في الحديث : (لا تُعطوا الحكمة غير أهلها فَتَظلِموها، ولا تَمْنَعُوها أهلها فتَظْلِمُوهُمْ). قلتُ : وقد أشار بعض الأدباءِ إلى هذا المعنى، فقال :

لأكتُمُ عن ذَوي الجَهْلِ طاقَتِي         ولا أنثُرُ الدُّرَّ النَّفيسَ على البُهَمْ
فإن قَدَّرَ الله الكَريمُ بلُطْفِهِ            ولَقَيْتُ أهلاً للعُلُومِ ولِلْحِكَمْ
بَذَلْتُ عُلُومِي واسْتَفَدْتُ عُلُومَهُمْ        وإِلَّا فَمخزون لَدَيَّ ومُكْتَتَمْ
فَمَنْ مَنَحَ الجُهَّالَ عِلْماً أَضاعَهُ        وَمَنْ مَنَعَ المُسْتَوْجِبِينَ فقدْ ظَلَمْ

وقال بعضُهُم : سكوتُ العارف أنْفَعُ، وكلامه أشهَى وأَطْيَبُ، ورأْسُ الحِكْمَة مُخاطبَة النَّاس على قَدْرِ عُقُولِهِم.
الثاني : التزام الأدبِ في كلِّ شيءٍ، مع الله عزَّ وجلَّ، وأعظم الأدَب معه حِفظُ أسرار الحقِّ، صيانة عن الخَلْقِ، فهو مع الخلق برَسْمِهِ، ومع الله بالله. كما قال بعضهم وقد سُئِلَ عن العارف فقال : العارف في نوْمِه ويَقظته لا يرى غير الله، ولا يوافق غير الله، ولا يُطالع غير الله. من وعند العارف من الاتساع ما يلبِّس به الحقائق بالرُّسومِ، فهو في وادٍ وهُمْ في وَادٍ.

الثالث : مُلازمة الهَيْبَة والصعود إلى غايتها. فإنَّ الهيبة من أمارات المعرفة، كلَّما ازدادت معرفته زادَتْ هَيْبَتُهُ، وقد يُعبِّر عن الهَيبَة بالخَشية. قال تعالى : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فَاطِر:الآية28]. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (أنَا أعْرَفُكُمْ بالله، وأنَا أَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَة). فإن قُلت : كلامك يشير إلى أنَّ المَعرِفَة مَحْوٌ مُطْلَق، والمَحْوُ المُطلَق فَنَاء عن الرُّسُوم والصِّفات، والهَيْبَة من الرسوم والصفات، فالجوابُ : أنَّ العارف وإن كان بهذه المثابَة من الاستغراق في مَعرُوفِهِ والاستهلاكِ في مُوجِدِهِ لوُجود شهودِهِ فمن علامات قربِهِ وإن اختطف عن إحساسِهِ، أن تبقَى رُسُوم الأَدَبِ مَحفوظَة عليه، بِحِفظِ الله تعالى إيَّاها عليه وإقامته فيها مقام الحَمْلِ، فيكون سرّه مُستغرقاً في شُهودِهِ وزَسْمِهِ قائماً بوظائفِ مَعبوده.

الرَّابع : الصعود أبداً إلى الغاية فلا يقنع من الله تعالى بحالِ وَقتِهِ، كما لا يقفُ عن السَّيْرِ إليه. وكلَّما سنح له من الطباع البشريَّة سانِحٌ أخمَدَ ناره بنورِ معرِفَتِهِ، تنزيهاً عن مُقتضيات الطباع وجَرْياً في مَيدانِ المعرِفَة على العِيَانِ، فهوَ يَرْقَى أبَداً من حالٍ إلى حالٍ، ومِنْ مَنْزِلٍ إلى منزِلٍ.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016