نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

شروط المعرفة

شروط  المعرفة

اعلم أن لمبادئ المعرفة شروطاً وآداباً، إذ نهايتها تَقضي بالعجز عن تصويرَها، فضلا عن الكلام في أحكامها : 

أمَّا شُرُوطُها فأربعةٌ :

الأوَّلُ : القُرْبُ الدَّائِم، فلا يَشهَد إلاَّ الله، كما أنَّ الغافل يَرجع إلى قَلبِهِ وتفكُّرِه وتذكُّره فيمَا يَصلح له من أمر أو يستقبله من حالٍ كذلك العارف رجوعه إلى ربِّه ذاهِلاً عن قلبِهِ وفكرِهِ وذِكرِهِ، لأنَّ المعرفة تَقضي بتمزيق الرُّسوم، وهو فناء الإشارة، إذ العارف مستهلك في مَعْرُوفِهِ مُستغرق في شهوده.

الثَّاني : العجزُ المؤذن بالإدراك، كما قال الصدِّيق رضي الله عنه (العَجْز عن دَرْكِ الإدراكِ إدراكٌ) وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا أُحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثْنَيْتَ على نفسِكَ). قال ذو النُّون المصري رضي الله عنه : (أعرفُ النَّاسِ بالله أشدُّهم تحيُّراً فيه)، إنما هو شهود خَفِيٌّ من غير إحاطةٍ ولا وقوفٍ على كُنْهٍ ولا حَصْرٍ بمكانٍ ولا زمانٍ، ولا تعويلٍ على تصوّر ولا تفكُّر ولا تدبُّر جلَّ الله وجلَّت المعرفة به، وسبحانه عما لا يليق بألوهيته سُبحانه علوًّا كبيراً.

الثَّالثُ : المحافظة على مَراسِم الشريعة، وإقامة الوظائف الرَّبانية، اقتداءً بإمام العارفين وسيِّد المقرَّبين الذي تفطَّرَت قدماهُ من طول القيام، مع نهاية شهودهِ، وتمكين مَعرفته وقد ضلَّ قوم وزلَّت أقدامُهُم حينَ ادَّعَوا المعرفة، وقالوا بتركِ الحركاتِ، ورأوا أنَّ ذلك من باب البرّ والتقوى، ولم يشعُرُوا بأنَّ ذلك تعطيلٌ وكفرٌ.

قلتُ : القائلون بتلك الحركات لم يقصدُوا بها تعطيل الشريعة، ولا إبطال الحكمَة لأنَّ معرفتهم تُنَافي هذا. وإنَّما قصَدُوا أنَّ العمل إذا صار إلى القلوبِ استَراحت الجوارح ورَكَدَتْ، وصَارَ العمَل كلُّه قلبيًّا باطنياً بين فكرة ونظرة وشهود ومعرفة.
فأوقاتهم كلها مَعْمُورة بأعظَمِ الطَّاعاتِ، وهي الفِكرة التي تَعْدِلُ ساعة منها ستِّين سنةً وقد قال بعض العلماءِ : "كلُّ ليلة عند العارفِ بمنزِلَةِ ليلَة القَدْرِ". لكن عبادَتُهُم خَفية لا تظهر. ولمَّا انتقل عمَلُهُم إلى القُلوب، وهو شهود المعاني، والغَيبَة عن الأواني صارَ اشتِغالُهُم بالعَمَلِ الحسِّي بطالَةً ورُجوعاً من الأَعْلَى إلى الأَدْنَى.

وقول الجُنَيد رضي الله عنه : (القولُ بإسقاط الأعمال عندي عظيمٌ. والذي يَسرِق ويزني أحسن جاهاً عندي من الذي يقول بإسقاط الأعمالِ، لأنَّ العارفين بالله أخدوا الأعمال عن الله ورَجعُوا فيها إلى الله). مراده. والله أعلم.

القولُ بإسقاط الحِكمَة وإهمال الشريعة، وهذا كُفرٌ، ومن تحقَّق فَناؤه وبقاؤه كان كامِلاً جامِعاً عَمَله بالله، ومن الله، وإلى الله، شكراً لا حصراً.

وقد قال الجُنيد رضي الله عنه في موضِعٍ آخر : عمل العارفين تاج على الرؤوس.

الرَّابعُ : صيانةُ ما حصل عليه من تصفية الرُّوح حتَّى يبقَى مُتَخَلِّقاً بأخلاقِ الحقِّ، فيكون خليفة على الحقيقة فلا يتحرَّك ولا يسكُن ولا ينطق ولا يَصمُت إلا بالله ولله، وعن الله وفي الله، وإلى الله ومع الله حتى أنَّ لسانَهُ لصامت عن الحقائق وأفعاله وأحواله تشير إليها، فهو بالله من حيث تَوْلِيَتُهُ له، ولله من أجلِهِ لا من أجلِ حظٍّ، ومع الله من حيثُ المُشاهدة، وفي الله من حيث التَّكليف.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016