نفحات الطريق: أعـلام التصـــوف : أبو الفيض ذو النون المصري.

أعـلام التصـــوف : أبو الفيض ذو النون المصري.

شيخ الديار المصرية ، ثوبان بن إبراهيم ، وقيل : فيض بن أحمد ، وقيل : فيض بن إبراهيم النوبي الإخميمي يكنى أبا الفيض ، ويقال : أبا الفياض . ولد في أواخر أيام المنصور . 

كان أبوه نوبياً، ثم نزل إلى إخميم فى صعيد مصر، وأقام فيها فسمع يوماً صوت لهو ودفاف، فسأل:ما هذا؟قيل: عرس وسمع بجانبه بكاءً وصياحاً فسأل: ما هذا؟ فقيل: فلان مات.فقال: أعطى هؤلاء فما شكروا وابتلى هؤلاء فما صبروا وأقسم أن لا يبيت بالبلد فخرج فوراً إلى مصر فقطنها.

وكان ذو النون يقول دوماً: {إن لله عباداً خرجوا إليه بإخلاصهم، وشمروا إليه بنظافة أسرارهم، فأقاموا على صفاء المعاملة، وبادروا إلى استماع كلامه بحضور أفهامهم، فعند ذلك نظر إليهم بعين الملاحظة فأجزل لهم المواهب، وحفت لهم منه العطايا، فشموا روائح القرب من قربه، وهبت عليهم رياح اللقاء من تحت عرشه، فتطايرت أرواح قلوبهم إلى ذلك الروح العظيم، ثم نادت لا براح.
طريق الهداية

سئل ذو النون ذات يوم: بم عرفت ربك؟ فقال: {عرفت ربى بربى، ولولا ربى ما عرفت ربى}
قال يوسف بن الحسين الرازي : حضرت ذا النون ، فقيل له : يا أبا الفيض ، ما كان سبب توبتك ؟ قال : نمت في الصحراء ، ففتحت عيني فإذا قنبرة عمياء سقطت من وكر ، فانشقت الأرض ، فخرج منها سكرجتان ذهب وفضة ، في إحداهما سمسم ، وفي الأخرى ماء ، فأكلت وشربت . فقلت : حسبي ، فتبت ولزمت الباب إلى أن قبلني .
قال السلمي في " محن الصوفية " : ذو النون أول من تكلم ببلدته في . ترتيب الأحوال ، ومقامات الأولياء ، فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم ، وهجره علماء مصر . وشاع أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف ، وهجروه حتى رموه بالزندقة . فقال أخوه : إنهم يقولون : إنك زنديق فقال :
وما لي سوى الإطراق والصمت حيلة ووضعي كفي تحت خدي وتذكاري.

أقواله
  • - عن أبي الفيض ذي النون المصري ، قال : إن لله لصفوة من خلقه ، وإن لله لخيرة من خلقه ، قيل له : يا أبا الفيض فما علامتهم ؟ قال : إذا خلع العبد الراحة وأعطى المجهود في الطاعة وأحب سقوط المنزلة ، قيل له : يا أبا الفيض فما علامة إقبال الله عز وجل على العبد ؟ قال : إذا رأيته صابرا شاكرا ذاكرا فذلك علامة إقبال الله على العبد ، قيل : فما علامة إعراض الله عن العبد ؟ قال : إذا رأيته ساهيا راهبا معرضا عن ذكر الله ، فذاك حين يعرض الله عنه.
  • - قيل له : يا أبا الفيض فما علامة الأنس بالله ؟ قال : إذا رأيته يؤنسك بخلقه فإنه يوحشك من نفسه ، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك بنفسه .
  • - يقول : إن لله عبادا عرفوه بيقين من معرفته فشمروا قصدا إليه ، احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب ، صحبوا الدنيا بالأشجان ، وتنعموا فيها بطول الأحزان فما نظروا إليها بعين راغب ، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب ، خافوا البيات فأسرعوا ، ورجوا النجاة فأزمعوا ، بذكره لهجت ألسنتهم في رضى سيدهم ، نصبوا الآخرة نصب أعينهم ، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم ، فلو رأيتهم رأيت قوما ذبلا شفاههم ، خمصا بطونهم ، حزينة قلوبهم ، ناحلة أجسامهم ، باكية أعينهم ، لم يصحبوا العلل والتسويف ، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف ، لبسوا من اللباس أطمارا بالية ، وسكنوا من البلاد قفارا خالية ، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الإخوان ، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب ، خمص لطول السرى ، شعث لفقد الكرا ، قد وصلوا الكلال بالكلال للنقلة والارتحال .
  • - يقول : وصف لي رجل بشاهرت فقصدته ، فأقمت على بابه أربعين يوما ، فلما كان بعد ذلك رأيته ، فلما رآني هرب مني ، فقلت له : سألتك بمعبودك إلا وقفت علي وقفة ، فقلت : سألتك بالله بم عرفت الله ، وبأي شيء تعرف إليك الله حتى عرفته ؟ فقال لي : نعم ، رأيت لي حبيبا إذا قربت منه قربني وأدناني ، وإذا بعدت صوت بي وناداني ، وإذا قمت بالفترة رغبني ومناني ، وإذا عملت بالطاعة زادني وأعطاني ، وإذا عملت بالمعصية صبر علي وتأناني ، فهل رأيت حبيبا مثل هذا ؟ انصرف عني ولا تشغلني ثم ولى 
  • - قال أحمد بن سلمة النيسابوري : سمعت ذا النون يقول : يا خراساني احذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعا ، قلت : وكيف ذلك ؟ - قال يقول:: لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه فينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه.
  • - قال ذو النون : أكثر الناس إشارة إلى الله في الظاهر أبعدهم من الله ، وأرغب الناس في الدنيا وأخفاهم لها طلبا أكثرهم لها ذما عند طلابها .
  • - سئل ذو النون : " من أدوم الناس عناء ؟ قال : أسوءهم خلقا ، قيل : وما علامة سوء الخلق ، قال : كثرة الخلاف . 
  • - يقول ذو النون: بصحبة الصالحين تطيب الحياة والخير مجموع في القرين الصالح إن نسيت ذكرك، وإن ذكرت أعانك.
  • - يقول ذو النون : " دارت رحى الإرادة على ثلاث : على الثقة بوعد الله ، والرضا ، ودوام قرع باب الله ".
  • - يقول:{الناس على الطريق، ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف، ضلوا عن الطريق}.
  • - يقول:{ثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس فى العشرة، وترك المدح فى العطية، والتنزه عن ذمهم عند المنع. وثلاثة من أعلام يقين اليقين: النظر إلى الله تعالى فى كل شىء، والرجوع إليه فى كل أمر، والاستعانة به فى كل حال}.
  • - قال يوسف بن الحسين: قلت لذي النون وقت مفارقتي له : من أجالس ؟ فقال : عليك مجالسة من تذكرك اللَّه رؤيته ، وتقع هيبته على باطنك ، ويَزِيد في عملك منطقه ، ويزهدك في الدنيا عمله ، ولا تعصي اللَّه ما دمت في قربه ، يعظك بلسان فعله ، ولا يعظك بلسان قوله
  • - أما التوكل فيعرّفه بأنه {ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة، وإنما يقوى العبد على التوكل، إذا علم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ويرى ما هو فيه}.- يقول:من ذكر الله ذكراً على الحقيقة نسى فى جنب ذكره كل شىء، وحفظ الله تعالى عليه كل شىء وكان له عوضاً عن كل شىء.
ويروى حيان بن أحمد السهمى أن ذا النون مات فى الجيزة، وعبروا بجثمانه إلى مصر المحروسة فى مركب خوفاً من زحمة الناس على الجسر، لليلتين خلتا من ذى القعدة سنة ست وأربعين ومائتين.

إرسال تعليق

1 تعليقات