-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

السّلوك الصّوفي حريّة في عبوديّة


السّلوك الصّوفي حريّة في عبوديّة


مفهوم الحرية عند الصوفية


ما أقلّ التّعريفات الّتي نسبت الحريّة للصّوفي، فالسّلوك الصّوفي كان دائما رديف العبوديّة ونفي الاختيّار والإرادة، وإذا ما اقترن التصوّف بالحريّة، فإنّها حريّة تدلّ على التوسّع في الأخلاق والتنقّل بين الفضائل، فالتصوّف ظلّ تعبيرا عن: الحرية، والمروءة، والبساطة، والسّخاء، والكرم، أو هو حريّة، وفتوّة، وترك التكلّف في السّخاء والتظرّف في الأخلاق، فلم تخرج دلالات الحريّة في هذين التّعريفين عن الحقل الأخلاقي، ولذلك كان المعنى الحقيقي للحريّة هو الدّال على العبوديّة الله تعالى، ولا يمكن أن نفهم الحريّة إلاّ بفهم معاني العبوديّة.


وضّح محي الدّين بن عربي مفهوم الفقر والعبوديّة في قوله: «كن فقيرا من االله كما أنت فقير إليه، ومعنى فقرك من االله أن لا يشمّ منك رائحة من روائح الرّبوبية بل العبودية المحضة كما أنّه ليس في جناب الحقّ شيء من العبوديّة، ويستحيل ذلك عليه فهو ربّ محض فكن أنت عبدا محضا» فالرّبوبية المحضة للخالق والعبودية المحضة للعبد تنفيان أوهام وحدة الخالق والمخلوق، وتَظْهَر عبقريّة السّادة الصّوفية في تصوّرهم الحرية عين العبوديّة، فالحكمة الصّوفية تنفي التّعارض بينهما، وهي الجمعية الّتي لا تعني تداخل الحدود شةوالصّفات، لأنّ جمعهم بين الحرية والعبودية جمع أضداد وليس جمع نقيض، فإذا كان ظاهرهم الحريّة فإنّ بواطنهم عبودية الحقّ بالافتقار والتّسليم والتّنزيه والتّوحيد، وإذا كان ظاهرهم العبودية فإنّ باطنهم تحرّر عن الأغيار والعلائق والخواطر والشّرك الظّاهر والخفيّ.

وينتفي الالتباس عن نوع الحريّة الّتي ينالها الصّوفية لأنّهم كما وصفهم أبو بكر الكتّاني: «عبيد الظّواهر، أحرار البواطن» فالصّوفية أحرار البواطن بما لهم من عبوديّة للحقّ، وهم أحرار بما لهم من عدم التّبعيّة للأغيار، ولذلك اعتبر أدب المريد في علاقته بالشّيخ هو أدب تحريره من رقّ الأغيار بإنهاض قلبه في طلب الحقّ، فالصّوفية وإن بَدَوْا عبيد الظّواهر، فهم سادة الخلق وأشرافهم.

ولننظر إلى إخلاص أبي يزيد البسطامي عبوديّته لربّه في قوله:« النّاس كلّهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأسأل االله تعالى أن يحاسبني، لعلّه يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبّيك، فقوله لي: عبدي، أعجب إليّ من الدّنيا وما فيها، ثمّ بعد ذلك يفعل بي ما شاء» وإذا كان الصّوفي هو المصروف عن حريته، فما نوع الحريّة الّتي ينالها إذن؟ نجد جوابا في تعريف ابن عربي للحريّة من أنّها: «الاسترقاق بالكليّة من جميع الوجوه»، ومعناه أن تكون حرّا عن كلّ ما سوى االله، وإزالة صفة العبد بصفة الحقّ، والخروج عن الوجود البشري إلى الوجود الإلهي، بالارتفاع عن كلّ ما هو موجود، فتحقيق الفعل الإرادي يتعيّن في العبودية الله لا عنه،والحريّة تتمّ من خلال تخليص النّفس من تبعيّة الموجودات، لذلك الحرّ مَنْ مَلَكَ الأمور بأزمّتها ولم تملكه وصرفها ولم تصرفه، فالحرية هي تحرّر من الأشياء، أمّا التحرّر بالأشياء فهي عين العبودية والاسترقاق المادّي، لذلك كانت الحريّة المنشودة خروج عن رقّ الكائنات، لا تلك الّتي تجعل العبد مملوكا لشهواته ونزواته.

فليس للحريّة وجود عين لدى الشّيخ الأكبر، وحقيقة الحريّة في غنى الذّات عن العالمين، والعالَم أبدا مفتقر إليه، فالعالَم عبيد فلا حرية لهم أبدا.
وبين الحريّة والعبوديّة، تتحدّد معالم النّفس الخالصة، فإذا وجد العبد حريّته كان مخيَّرا وإذا فقدها كان مختارا، فلينظر العبد أيّ المنزلتين يريد، فالعبوديّة سرّ العطاء والمنحة والاصطفاء الربّاني، ومقام نفي الإرادة مقام رفيع لدى أقطاب الصّوفية، ولذلك كان البسطامي يردّد: «أريد ألاّ أريد»،(أمّا النفري فقد اعتبر أهل الاختيّار مرضى، لا لشيء سوى لأنّ نسبة الاختيّار إلى أنفسهم هو المرض بعينه).

ومن التّعريفات الّتي ردّت التصوّف إلى العبوديّة ما نجده لدى أبي يزيد البسطامي بطرح النّفس في العبوديّة، وتعليق القلب بالرّبوبية، واستعمال كلّ خُلُق سَنِيّ، والنّظر إلى االله بالكليّة، وطرح النّفس في العبوديّة تذكرنا بعبارة بليغة للعطّار في أسلوب موسيقي وجداني وشاعريّة حالمة بـ: «لزوم الشّجاعة ونثر الرّوح أمام الحبيب».

والعبودية إرادة الحقّ في الخَلْق بلا خَلْق، وألاّ يَرى العبد في نفسه ظاهراً وباطناً، بل يَرى الحقّ في كلّ ذلك، لأنّه أسير في يديّ االله بلا إرادة ولا اختيّار.

شيخ التربية وسلب الاختيار


وهنا يأتي دور الشّيخ في تسليك مريديه، فيضعون إرادتهم في إرادته، ولذلك حدّد السّهروردي في أدب المريد مع الشّيخ قاعدة "سلب الاختيّار"، وإذا سلّم المريد إرادته لشيخه، فلكي يصل بها إلى إفناءها في إرادة الخالق، ولذلك قيل: إنّ السّكون أمام الشّيخ هو أسلوب تحرير الإرادة النّفسية عبر تذويبها في إرادة الحق، وهنا تتأسّس قاعدة "أن يكون المريد كالميّت بين يديّ غاسله".

وقد نُظِرَ إلى هذا المبدأ بعين الانتقاد والطّعن، لأنّ الغالب على الفهم الجانب السّلبي الّذي لا يرمي إلى التصوّف بِصِلَة، فقيمته الإيجابية، تتمثّل في أنّ تخلّي المريد عن أفعاله، ما هو إلاّ لتحلّيه بأفعال من هو أكمل منه صورة، إلى أن يصير فاعلا باالله، وإضافة المريد إلى الشّيخ لا تعني نفي شخصيّة المريد أو استلابها، ولنمثّل للعلاقة بين الشّيخ والمريد بمرآتين متقابلتين، فالمريد يراقب مرآة نفسه في مرآة شيخه، فيصلح عطبها ويعالج ضررها، ويصقلها إن رأى عليها كدورة، ويجلوها إن رأى فيها ظلمة النّفس الشهوانية والأمّارة واللّوامة، فيخجل من تقصيره، وتعلو همّته نحو مراتب الكمال، وهذا الدّور الّذي تؤدّيه معيّة الشّيخ، لا يتحقّق فيما إذا كان مستقلاّ عنه.

ولهذا الأمر اعْتُقِدَ أنّ بِرَّ المريدين للشّيخ يجب أن يفوق بِرَّهم بوالديهم، لأُبُوَّتِه الرّوحية، فالأب يحمي ولده عن آفات الدّنيا، والشّيخ يحمي تلميذه عن آفات الآخرة، ولذلك حذّر ابن عطاء االله من خطورة الاستغناء عن معيّة الشّيخ: «من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الأتباع ويكشف عن قلبه القناع فهو في هذا الشّأن لقيط لا أب له دعيّ لا نسب له»، وقسّم الكاشاني الآباء ثلاثة: «أبٌ وَلَدَكَ، وأَبٌ عَلَّمَكَ، وأب ربّاك».

وتقع الإرادة الصّوفية برزخا بين الأنا والهو، ومجهود المريد هو إخراج الإرادة من ذاته وقدرته إلى ذات الهو وقدرته، أو هو إمالتها من عالم الخلق وردّها إلى عالم الحقّ، لذا كانت الإرادة دائما في عرف الصّوفية هو موت الإرادة والتجرّد منها والانخلاع عنها، وإذا تابعناها بأكثر تقريب لم نجدها أبعد من كونها إماتة الإرادة البشريّة وإحياؤها في الإرادة الإلهيّة، وفي هذا الإطار تأتي عبارة البسطامي على لسان خالقه: «من أتاني منقطعا إليّ جعلت إرادتي في إرادته». وهو أمر لا يحدث لدى نجم الدّين الكبرى إلاّ بـ « الموت الكبير الأخير».

إذن فمناقشة مسائل حاسمة في السّلوك الصّوفي كالإرادة والحرية والاختيّار تختلف جوهريّا عنها في قضايا الفلسفة الغربيّة والأفكار الوجوديّة، لذا فإنّ نفيها عن الصّوفي لا يعني أبدا الاسترقاق والعبودية؛ لأنّه لا يحدّد علاقته الأساسيّة مع الوجود البشري ولا يربط مسائله مع العالم الطّبيعي فالعلاقة المحوريّة قائمة بين الوجود الصّوفي والوجود الإلهي، إذن فهي وجوديّة لاهوتيّة، وإذا استثنينا هذا البعد فإنّ الصّوفي مخلوق بشري لا يختلف عن غيره من النّاس، إلاّ من حيث كونه يعيش إنسانيّه بامتيّاز بتخطّي جانبه الحيوانيّ وتهذيب غرائزه ومهمّة الشيخ تسليك المريد إلى الأدوار الكبرى.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016