-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى -20

وحكى الشيخ أبو العباس زروق رضي الله عنه عن الشيخ أبي عبد الله العطار المعروف بالقصّار قال: كان زوج خالتي من أصحابه، وكانت له مكاشفاتٌ، والإخبار بالوقائع كثيرة

حدثني شيخُنا أبو عبد الله بن زمام عنه, وكان صاحبه قال له: كنت عافيًا عفيفًا, صاحب همَّة وعزمة، ما سبقني أحدٌ للضيوف بالمسجد، وكنت لما جاءني ضيفٌ آخذ من ثوبه خيطًا فجعلته في كفّة كانت عندي من ذلك، وقد جعلتُها في ذراعي مع حروزي، فلما كان ذات ليلة قلت: انظر! ما هذا الذى حملت؟ فألقيتها في النار، فاحترق نصفها وبقي النصف تلعب عليه النار ولا تحرقه، فاضطرني ذلك إلى التوبة، فتُبتُ وقلت في نفسي، لم يبقَ اليوم أو ليس يرى ثَمة اليوم شيخٌ ظاهرٌ من الأحياء؟ فإني أتخذ الشيخ سيدي عبد القادر، وسيدي أبي يعزى وسيلةً إلى الله عز وجل، ثم نظرت، فإذا الشيخ سيدي عبد القادر زيارته غير ممكنة؛ لبعد المسافة والطريق غير سهلة، فعزمت على زيارة الشيخ أبي يعزى، وعقدت مع الله تعالى أن كل نافلة أعملها فثوابها لَهُما، ثم رحلت إليه فأقمت على قبرِ الشيخ أبي يعزى إحدى وعشرين يومًا؛ أقوم الليل، وأصوم النهار، ولا أفتر من الذكر، فنمت في آخرها في القائلة، وإذا بالقبر قد انفتح وخرج منه رجلٌ، وأتي رجلٌ عليه عمامةٌ كبيرةٌ، فوقف عليه؛ أعني: على صاحب القبر، فقال له: اعطه حاجته، فقال له: ما هي لي وحدي؟ فقال له: اعطه، قال: فرأيته أعطاني عِلمًا، فاستيقظت مسرورًا بما رأيت في تلك الرؤيا، وعلمت أني أدركت بركة الشيخين، وإذا أنا برجلٍ مصموديٍّ واقفٍ على باب المسجد يقول لي باللسان الزناتي: هنيئًا لك بقضاء حاجتك، فقمت في طلبه فلم أجد أحدًا

قال أبو العباس زروق: ثم جري حاله بعد ذلك، وعاينت من أمره أن زوج خالتي شكى إليه برجلٍ جارٍ عليه في حائط ادعى سقوطه، وأخذ له بسببِ ذلك شبرًا من داره، ثم عاود للحق ذلك في موضعٍ آخر، فقال له الشيخ العطار: إذا جاء للهدم فوجّه وجهك لناحية الموضع الذى أنا فيه، وبينهما مسيرة يومٍ طويلٍ، ونادِ: يا سيدي فلان! فلما أخذوا في الهدم جعل الرجل ما أوصاه الشيخ

قال أبو العباس: وأنا أنظره شرعوا في الهدم، وذهبت أنا للمكتب للقراءة فما أتيت من المكتب حتى وجدت دار ذلك الرجل الذى أراد أن يغضبه في ذلك الشبر كلها في الأرض؛ كأنها كدية من تراب على كل ما فيها، فسألت عن ذلك، فقالوا: كانت في الحائط خشبةٌ مشتركةٌ؛ لما أرادوا زوالها فهدمت الدار

فلما جاء الشيخ وأعلمه بما وقع، فقال له: تعبنا والله؛ يعني: هم أهل لكل ما فعل بهم؛ لتعديهم وجرمهم وجرأتهم, قلت: وهذا أقوى دليلٍ على أن كرائم هذا الشيخ بعد مماته كحياته، وكذا سيدي عبد القادر الجيلانى رضي الله عنهما

قال أبو العباس زروق: وبقت تلك الدار خربة، وهي في أعز الأماكن للأزبال والأبوال وغيرها من سنة (ثلاث وخمسين هـ) ونحوها إلى سنة (ثلاث وسبعين هـ)، وما قدر صاحبها المشاحن على بنائها, فمهما أراد أن يبنيها أصيبت ببلية، ونزلت به نكبة تصرفه عن بنائها، حتى مات واشتراها بعده خديم له فبناها

قال أبو العباس زروق: ولقد لقيني يومًا, وقال لي: ما معناه: الأولياء يظلمون الناس في أموالهم هكذا، فقلت له: ما مقتضاه؛ إنما هى مجازاتٌ، وعقوبة من الله يشير إلى أن ما أصابه من دعوة العطار حين استغاث به زوج خالته

وسنأتى بحقائق هذا المعنى في الباب الرابع في: (الذين أخذوا عنه في حياته)؛ وإنما أتينا بهذه هنا لما كانت مادة هذا الشيخ بعد ممات الشيخ أبي يعزى، فكان إثباتها في باب كرائمه أولى وأحسن, والله أعلم

قال أبو يعقوب يوسف بن يحيى: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الخالق عن خديم الشيخ أبي يعزى: إنه رآه يومًا, وقد أتت إليه صبية بها علة في جسدها، فأدخل يده إلى جسدها ليمسح عليها، فوجدت من ذلك في نفسي شيئًا كثيرًا فكرهت المقام معه

قلت: هذا لا يجوز بالإجماع فاستأذنته في الإنصراف، قال لي: لا تنصرف حتى آمرك، فانصرفت من غيرِ إذنٍ، فضللت الطريق، وكنت بها عارفًا، وأخذت في طريق متعبة خرجت منها إلى مكناسة الزيتون، وقد أجهدني التعب والجوع، وكان الناس حينئذٍ يقتلون على ترك الصلاة في وقتها، فقُبض على جماعةٍ كنت فيهم، فحملنا للقتل، فلما كان في تلك الساعة، قال الشيخ أبو يعزى: ارفعوا أيديكم إلى الله تعالى، وادعوا عسى أن يخلِّص صاحبكم من المحنة التى أصابته، فلما أرادوا قتلي رآني بعضُ من كان يعرفني

فقال للوالي: ليس هذا ممن يترك الصلاة ولو تركوا الناس كلهم الصلاة لصلى هذا وحده، ومن شأنه كذا، ومن وصفه كذا

فأمر الوالي بإطلاقي، فانطلقت وأتي القتل على الجماعة التي قبضت معي، فلما سرحت علمت أن ما نكبت إلا من اعتراضي على الشيخ، فرجعت على الفور إلى الشيخ أبي يعزى لأستغفر منه، وأتوب من سوء ظني، فلما أبصرنى قال لي: بديهة أبيت أَلا يَزول ما في قلبك إلا بعد المحنة، فقلت له: تُبتُ إلى الله تعالى

قال أبو يعقوب بن الزيات: قيل للشيخ أبي يعزى إن فقهاء فاس أنكروا عليك لمس صدور النساء والنظر إليهن، فقال: أليس يجوز عندهم أن يلمس الطبيب تلك المواضع ويراها للضرورة؟ فهلا عدوني واحدًا من أطبائهم، وإنما ألمس ذوات العاهات للتداوي بذلك

وروى صاحب النجم: عن التادلي والعزفي عن الشيخ أبي مدين قال: قالت لي جماعةٌ من الفقهاء المجاورين لسيدي أبي يعزى: أما ولاية سيدي أبي يعزى فهي عندنا صحيحة، ولكن رأيناه يلمس بيده صدور النساء وبطونهن ويتفل عليهن، وهذا عندنا حرام؛ يعني: بالشريعة، وإن كن ينتفعن بذلك وتحيّرنا في مثل هذا منه، وإن أنكرنا عليه هلكنا، وإن سكتنا بقي ذلك في قلوبنا، فقلت لهم: أرأيتم لو أن ابنة أحدكم أو أخته أصابها داءٌ لا يطلع عليه إلا الزوج, ولم يوجد مَنْ يعالجه إلا يهودي أو نصراني؟ أكنتم تسمحون له بأن يعالجها, ويشاهد مواضع الداء منها ويمسّه بيده؟ قالوا: نعم نسمح بذلك، قال فقلت لهم: ولكم مع ذلك شكٌّ في البرء والشفاء في ذلك التداوي أم على يقين، قالوا: على شكٍّ، قال: ومعالجة أبي يعزى لنسائكم ومعاينته لهن مجرب في برءهن وعافيتهن، قالوا: نعم ونحن على يقينٍ من ذلك، قال: فحسبكم إذًا، فبلغ هذا الكلام الشيخ أبي يعزى فاستحسنه، وقال لهم: قولوا لشعيب عسى أن يعتقني، قلت: والشيء بالشيء يذكر.

حدثني شيخُنا أبو العباس أحمد بن محمد التلمساني العبادي عام ست وستين بمدينة فاس, وأنا أقرأ عليه الكبرى لأبي عبد الله السنوسي: فجرى في مجلسنا ذكر هذه الحكاية، قال لنا: كان أبو عثمان سيدي سعيد البجياوي بعمل تلمسان في القرن الثامن في أيام الإمام خطيب الخطباء بن مرزوق

فكان هذا السيد كل من به عاهة من الرجال والنساء يجعل يده على تلك العلة، فترجع في الحين شبه الكية، فتبرأ العلة بقدرة الله تعالى

واشتهر من أمره ذلك حتى كانت الناس ترِدُ عليه من الأقطار فكل من لمسه تؤثر كية وتبرأ ببرء الكية، فقام الإمام بن مرزوق فسجنه شهرًا، فابتلي الإمام بن مرزوق بالفالج، فقيل له: ما أصابك هذا إلا من سجنك للشيخ سيدي سعيد البجياوي, قال لهم: والله لا خرج من السجن, ولو مات النصف الآخر إلا أن يتوب، فذهبوا إلى الشيخ البجياوي فأخبروه بما قال بن مرزوق، فقال: أنا تائبٌ لله، فسجلوا عليه بذلك وأخرجوه, فلما خرج أبو عثمان البجياوي بُرئ ابن مرزوق في الحين، ثم أصابت ابنته اللقوة, فعولجت فلم تبـرأ، فقيل له: لو أمرت بها للشيخ البجياوي رجونا الشفاء, فذهبوا بها إليه، فلما وصلته قال: ألم تسجلوا عليَّ أني لا أمس امرأة؟ قالوا: بلى، قال: وما الذي تريدون؟ قالوا: انظر ما ظهر لك، قال لهم: اعلموا أني لما نهيتموني بكتاب الله وسنة رسول الله r فامتثلنا، فأكرمني الله أن من كانت به عاهة يجعل يد نفسه على علته بين يدى والحجاب بيني وبينه إن كان من النساء فترجع كية في الحين, فتبرأ العلة ببـرءِ تلك الكية بفضل الله، ثم قال: قولوا لابنة الشيخ تجعل يدها على علتها، ففعلت، ثم اعلموا الشيخ بن مرزوق بما كان, فلما برئت البنت قال الإمام بن مرزوق: مَنْ ظهرت كرامته وجب تعظيمه وزيارته، وأظن أني رأيت هذه الحكاية في كرائم هذا الشيخ

قال لنا أبو العباس العبادي: ثم إن الشيخ ابن مرزوق أفتى بعد وفاة الشيخ البجياوي، فسلط الله عليه السلطان أبو سالم المريني، فسجنه سنة كاملة حتى لم يبق من له وجاهة في المغرب وعدوة الأندلس إلا وتشفع فيه, فلم يقبل أبو سالم شفاعته، فلما كملت السنة, والسلطان متمادي على أبايته, سلط الله عليه من أقام عليه فسلبه من الملك وقتله وخرج ابن مرزوق سالمًا

وفي هذه الحكاية عبرةٌ، وإنه مما ينبغي التسليم للصديقين، كذا قاله أبو حفص الرجراجي الفاسي، وكذا قاله أبو العباس زروق كما نوضح ذلك في الخاتمة إن شاء الله تعالى.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016