-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

شرح منازل السائرين عبد الرزاق القاشاني- 15


ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء ، أولها : أن ينظر الجناية والقضيّة ، فيعرف مراد الله فيها ، إذ خلاك وإتيانها ، فإن الله عز وجل إنما خلى العبد والذنب لأجل معنيين.


لطائف أسرار التوبة بواطن بواطنها، كروح الروح؛ فإن النفس روح للبدن يحيى بها، والقلب روح للنفس تحيى به، ثم روح الإنسان روح يحيى به قلبه. وقد شبّه الله تعالى النفسَ بالشجرة، والقلبَ بالزجاجة، والروحَ بالمصباح. فاللطيفة الأولى هي أن ينظر بعد نسيان الجناية - الذي هو روح لحقيقة التوبة - إلى حكم الله تعالى بها عليه، فيعرف أن الله مكَّنه عليها وخلَّى بينه وبينها لأحد معنيين. فله مرادٌ في إجراء الخطيئة عليه، فيكون وقوفه مع إرادة الله تعالى - لا مع الذنب - والوقوف مع الله تعالى وصفته روح نسيان الجناية.

ثم شرع في بيان المعنيين فقال :

أحدهما : أن تعرف عزَّته في قضائه، وبرّه في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته.


أي أن تعرف من النظر في حكمه تعالى هذه الأوصاف الخمسة : عزَّته بأن حكم عليه بما لا يمكنه ردُّه، فأذلَّ نفسَه بما لم يقدر على دفعه، لكمال عزِِّه.
 وإحسانَه إلي بأن ستر عليه ولم يفضحه بين الخلائق.
وحلمَه بأن لم يعاجله بالعقوبة وأمهله حتى تاب واعتذر إليه واستغفر عن ذنبه.
وكرمَه في قبول العُذر منه.
وفضلَه، أي تفضُّله وزيادة الطّول والمنَّة عليه بالعفو عنه وإفاضة ثواب التوبة عليه بالغفران.

فيكون في مشاهدة ذلك كلّه مع الله تعالى وصفاته العُلى، ذاهلاً عن الجناية، شاكراً له على النعمة. والحضور مع الحقِّ، والذهول عمَّا سواه مطلوب شريف في هذا الطريق.

والثاني : ليقيم على العبد حجَّة عدله، فيعاقبه على ذنبه بحجَّته.


أي إنّما خلَّى بينه وبين فعل الذنب لأنَّ الذنب مقتضى عينه في الأزل، فلم يحكم عليه به إلا لعلمه التابع لمقتضى عينه. فعينُه هي التي جَنت على نفسه بما اقتضى عقوبتَه. فلله الحجَّة عليه لعقابه. فإذا عرف ذلك، عرف أن مراد الله تعالى أن يعرف العبدُ عدلَه في عقابه؛ كما عرف أن مراده في المعنى الأول أن يعرفه موصوفا بالصفات المذكورة، فيؤثر الله على نفسه ولا ينازعه في ملكه؛ فيبلغ مقام الرضا.
  

اللطيفة الثانية أن يعلم أن نظر البصير الصادق في سيئاته لم يبق له حسنة بحال، لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل.


البصير الصادق هو الذي له بصيرة يعرف بها حقائق الأشياء كما هي، فلا يخطئ في إدراكه فإن رأى حسناته - التي من جملتها التوبة - خالصة لوجه الله، رآها منَّة من الله بها عليه، على سبيل التفضُّل. وإن رآها مشوبة بالرياء وطلب الجاه والعزَّة رآها من عيوب نفسه وسيِّئات أعماله.

فعلى التقديرين لم يبق له حسنة، وذلك معنى سيره بين مشاهدة المنّة وتطلُّب عيب النفس والعمل.

واللطيفة الثالثة : أنَّ مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيِّئة، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم.


(مشاهدة الحكم) هو أن لا يرى مؤثِّراً إلا الله، ولا حكما ولا أثراً ولا فعلا إلا الله، فيتحقَّق العبدُ عيانا معنى قوله : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّاوَجْهَهُ}[القصص:88] وهذا المقام أعلى من الأول، أي السير بين مشاهدة المنَّة وتطلُّب عيب النفس والعمل.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016