recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

التجريد في كلمة التوحيد - 20

التجريد في كلمة التوحيد - 20

فصل 


مريد الدنيا كثير و مريد الآخرة كثير و مريد الحق عزيز خطير . خطر المريد على قدر خطر الإرادة ،و خطر الإرادة على قدر خطر المراد، و خطر الخلق يسير ، وخطر إرادته يسير ، فخطر مزيدة يسير . 

خطر الحق خطير ، و خطر إرادته خطير ، فخطر مريده خطير. من أراد من الملك الدخول إلى عرصة داره و الجلوسَ على مائدة كرامته لا يكون كمن يريد من الملك جيفة ملقاةً في إصطبل دوابه ، و من أراد من الملك الجلوس معه على بساط قربته فى حجرة خلوته لا يكون كمن أراد منه الدخول إلى ضيافته و الخلاص من سجن مهانته .للمجاورة أثر في المجاور ، فمن جاور الشريف يكسب شرفاً و مجاورُ الدنيء يكسب دناءة، و من جاور المَلِكَ في دار كرامته اكتسب شرفاً ، و من جالس الملك على بساط قربه في حجرة خلوة، أي خلوته ازداد شرفاً  لكل درجة و لكل مقام ( هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ) ، {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}.

أقوام قاموا فى عالم الطبيعة و استولت عليهم ظلمات عالم البشرية فعميت بصائرهم عن إرادة الأعلى فتعلقت إرادتهم بالأدنى و تشبثت هممهم بحظوظ الدنيا و هي الجيفة الملقاة في إصطبل الدواب فحبطت أعمالهم و خابت آمالهم و عذبوا بعذابين : عذاب الفرقة في الحال، و عذاب الحرقة في المآل {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

وأقوام اجتهدوا في مفارقة عالم الطبيعة و الخلاص من ظلمة عالم البشريّة فاشتغلوا بالرياضة و تزكية النفوس و الطهارة فارتَفعوا عن تلك الدرجة و عَلَوا عن تلك الرتبة غير أنهم بقيت عليهم بقية من عالم الطبيعة و البشرية فلم تكمل لهم إرادة الحق فتعلقت إرادتهم بالنجاة من النار و هي سجن المهانة .

و أقوام غلب عليهم حب الدرجات فتعلقت إرادتهم بالجنة وهى دار الكرامة ، و هؤلاء قوم اشتغلوا بالعالي عن الأعلى و بالكامل عن الأكمل و بالشريف عن الأشرف ، و هذه الفرقة و إن لم يعذبوا فى المآل بنار الحرقة فقد عُذبوا في الحال بنيران الفرقة ، و نيران الفرقة عند الأحباب أشد من نيران الحرقة، كما قيل :

و لو سلطتَ نار التفرق و الهوى    على سقر يومـاً لـذاب لهيبهـا
أشد جحيم النـار أبـرد موقعـأ       على كبدي من نار بَيْنٍ أُصيبهـا

وأقوام فارقوا عالم الطبيعة و طاروا عن عش عالم البشرية و لم يبق عليهم من رسومهم بقية فجازوا الأكوان و عبروا الموجودات و غابوا عن الخلق فتعلقت إرادتهم بالحق فهو مرداهم ومقصودهم ولسان الحق ينطق عنهم ما لنا الاشتغال بالدنيا و العقبى ؟ ما لنا الاشتغال بالجنة و النار ؟ لا نشتغل بدنيا و لا عقبى و لا بجنة و لا نار ،إن رضي عنا فهو قادر أن ينعمنا في النار ،و إن غَضبَ علينا نعوذ به منه فهو قادر أن يعذبنا في الجنة ، و لو عبدناه رغبة في جنته أو رهبةً من ناره لكنّا ممن يعبده على حرف و قد عاب ذلك على أقوام فقال الله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} فاعْبُدْهُ له لا لسواه {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فحصل لهم الملك ملك الدنيا و ملك الآخرة، فهم الملوك في زَيِّ المساكين،من ادعى محبته كذب باشتغاله عنه بلذيذ الطعام و الشراب، ومن اشتغل بنعيم الجنة فهو كذاب ، إن قاموا ففيه، وإن قعدوا فمعه، وإن نطقوا ففيه ، وإن أخذوا فمنه، وإن نظروا فإليه ، وإن غضبوا فعليه، به يسمعون و به يبصرون وبه ينطقون و به يبطشون ، و إليه الإشارة بقوله تعالى على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم :" كنتُ لهُ سمعاً و بصراً و يداً ورِجلاً ومؤيداً، فبي يَسمعُ و بى يبصر و بى يبطش " الحديث.
 
ما جعل لغيرهم وعداً عجّل لهم نقداً، و ما جعل لغيرهم شاهدوه عياناً . فهُمُ في زواياهُمْ على سجاداتهم ، وهم في الشرق و هم في الغرب و هم في الفرش و هم في العرش. وإن لم يعرجوا بأشباحهم فقد عَرَجُوا بأرواحهم وإن لم يشاهدوا الحق بأبصارهم فقد شاهدوا بأسرارهم، فهم صفوة الحق و مقصود الكونين من الخلق ، بهم يرزقون و بهم يحلقون، أخلصوا لله في العبودية و التوحيد و صدقوا في الإرادة و التجريد، فطوبى لهم بل طوبى لمن آمن بهم ، و لقد عاتب الحق سبحانه نبيه سيد الأحباب في مثل حالهم بأشد العتاب فقال: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ و َالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ}.

السؤال : ما الإرادة في قوله تعالى : {يريدون وجهه}؟
الجواب : الإرادة عقد القلب على طلب الرب .
الإرادة ترك الممالك و ركوب المهالك .
الإرادة ترك الراحات و الإعراض عن المباحات . 
الإرادة احتراق بنيران الطلب، ألا ترى احتراق الفراش في نار الشمعة، فإن الفراش المسكين يتهافت على الوقوع في النار والاحتراق بها كأنَّ حياتَه في احتراقه . هذا مع صغر شأنه و صغر مطلوبه يتلف نفسه في محبوبه و أنت مع كمالك و كمالية محبوبك تتوقف في بذل نفسك و محو وجودك كأنّ السعادة الأبديّة متوفقة على وجودك. وذلك المسكين متهافت متهالك على إتلاف نفسه في مطلوبه و مراده فكأن حياته في إبطال حياته، و أنت تسمع منادي القدم ينادي فوق سطح قصر دائرة الأزل :{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ}، و أنت تتوقّف من قصر شأن إرادتك عن شأن إرادة فراشةٍ، ومن كان هكذا فليس بصادق في الإرادة،لا بل ليس له نصيب في اللّذات . 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016