نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -28

عوامل نشأة التّصوف :


العامل الأول : القرآن والحديث.


يرى التفتازاني أن العامل الأساسي في نشأة التصوف هو ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، متعلقاً ببيان حقارة الدنيا وزينتها، وضرورة العمل الجادّ من أجل الآخرة للظفر بثواب الجنة والنجاة من النار.1

ومن الآيات التي تدل على فناء الدنيا وضرورة الزهد فيها قوله تعالى :﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾2 ،وقوله تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ*أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾3، وقوله تعالى:﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى*وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.4

ومن الآيات التي تصور طبيعة الإنسان في الميل إلى شهوات الدنيا قوله تعالى:﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾5، وقوله أيضاً : ﴿ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلَا تَحُضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ* وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.6

كما يمتدح القرآن أولئك العباد المقبلين على الله تعالى في مثل قوله عز وجل:﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 7، و قوله أيضاً: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.8

ويمكن أن نستخلص من تلك الآيات، أن القرآن يصور الحياة الدنيا على أنّها فانية ولا دوام لها، وعلى المؤمن أن يسعى إلى فعل العبادات التي يلقى بها ربه، وعليه ألا يستسلم ويخضع للملذات وحب المال والجاه، بل عليه أن يقوم بتزكية نفسه بالعبادات ومخالفة هواها باستمرار؛ لكي يحظى بالجنة.

كما أن المؤمنين المقبلين على الله، التائبين عن ذنوبهم، العابدين له حق العبادة، الشاكرين له على نعمه، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ الذين إذا ذُكروا بآيات الله خروا سجداً وسبحوا بحمده، وهذا ما يدل على رقة قلوبهم وتواضعهم، فهم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، ويدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا في جنته، ما فيما يخصُّ الأحاديث النبوية التي تحث على الزهد في الدنيا، فنذكر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"9، وقوله عليه الصلاة والسلام :« يقول العبد مالي، إنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس»10، وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم».11
ومن خلال تلك الأحاديث نخلص إلى أنّها هي التي دفعت المسلمين إلى الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة للظفر برضوان الله، والفوز بسعادة الدارين.
**   **   **
1 - مدخل إلى التصوف الإسلامي.
2 - سورة الحديد، الآية .19
3 - سورة يونس، الآية 7-8
4 - سورة النازعات، الآية37-40
5 - سورة الأعلى، من الآية 14إلى 17.
6 - سورة الفجر من الآية 19إلى22.
7 - سورة التوبة الآية 112
8 - سورة السجدة، الآية 15– 16
9 - صحيح مسلم
10 - المصدر نفسه
11 - صحيح البخاري


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق