نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

كتاب : حلية الأبدال وما يظهر من العوارف والأحوال/ابن عربي-6

فصل في (السهر)


السهر نتيجة الجوع، فإن المعدة إذا لم يكن فيها طعام ذهب النوم، والسهر سهران، سهر العين وسهر القلب ، فسهر القلب انتباهه من نومات الغفلات، طلبا للمشاهدات، وسهر العين رغبة في بقاء الهمة في القلب لطالب المسامرة، فإن العين إذا نامت بطل عمل القلب، فإن كان القلب غير نائم مع نوم العين فغايته مشاهدة سهره المتقدم لا غير، وأما أن يلحظ غير ذلك فلا، ففائدة السهر استمرار عمل القلب وارتقاء المنازل العلية المخزونة عند الله تعالى، وحال السهر تعمير القلب خاصة للسالك والمحقق، غير أن المحقق في حالة زيادة تخلق رباني لا يعرفه السالك، وأما مقامه فمقام القيومية، وربما بعض اصحابنا منع أن يتحقق أحد بالقيومية وبعضهم منع التخلق بها.

لقيت أبا عبدالله بن الجنيدي فوجدته يمنع من ذلك، وأما نحن فلا نقول بذلك، فقد اعطينا الحقائق أذ الإنسان الكامل لا يبقى له في الحضرة الإلهية اسم إلا هو حامل له، ومن توقف من أصحابنا في مثل هذه المسألة فلعدم معرفة بما هو الإنسان عليه في حقيقته ونشأته، فلو عرف نفسه ما عسر عليه مثل هذا والسهر يورث معرفة النفس ( وتمت أركان المعرفة وإذاً المعرفة ) تدور على تحصيل الأربعة المعارف، معرفة الله والنفس والدنيا والشيطان، فإذا اعتزل الانسان عن الخلق وعن نفسه وصمت عن ذكره بذكر ربه إياه وأعرض عن الغذاء الجسماني وسهر عند نوم النائمين واجتمعت فيه هذه الخصال الأربع بدلت بشريته ملكاً وعبوديته سيادةً وعقله حساً وغيبه شهادةً وباطنه ظاهراً، وإذا رحل عن موضع ترك بدله فيه حقيقة روحانية تجتمع إليها أرواح ذلك الموطن الذي رحل عنه هذا الولي، فإن ظهر شوق من أناسي ذلك الموطن شديد لهذا الشخص تجسدت له تلك الحقيقة الروحانية التي تركها بدله فكلمها وكلمته، وهو يتخيل أنه مطلوبه وهو غائب عنه حتى يقضي حاجته منه، وقد تتجسد هذه الروحانية إن كان من صاحبها شوق أو تعلق همة بذلك الموطن، وقد يكون هذا من غير البدل والفرق بينهما أن البدل يرحل ويعلم أنه ترك بدله، وغير البدل لا يعرف ذلك وإن تركه لأنه لم يحكم هذه الأربعة الأركان التي ذكرناها وفي ذلك قلت:

يامن يـروم منـازل الأبـدال         من غير قصد منـه للأعمـالِ
لا تطمعن بها فلست من أهلها     إن لم تزاحمهم على الأعمالِ
واصمت بقلبك واعتزل كل ما     يدنيك من غير الحبيب الوال
وإذا سهرت وجعت نلت مقامهم   وصحبتهم في الحال والترحالِ
بيت الولاية قسمـت أركانـه        ساداتنـا فيـه مـن الأبـدالِ

ما بين صمت واعتزال دائـمٍ، والجوع والسهر النزيه العالي والله يوفقنا وإياكم لاستعمال هذه الأركان وينزلنا وإياكم منازل الإحسان إنه الولي المنان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ذو الفضل والإحسان.

تمت بحمد الله وتوفيقه، لا رب غيره ولا خير إلا خيره، ولا معبود سواه، وهو حسبي ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين. آمين.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق