نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

كتاب : ذكر الله وتحصيل الحضور



                           مشكاة القوم                       أحمد الرحيحات  


 أحمد الرحيحات
ذكر الله وتحصيل الحضور


بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة السلسلة


استلهمت هذه السلسلة من الآية الكريمة : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ...}.[النور:35]

وغرضي من هذه السلسلة مسماها دون اسمها فقط، إذ أن المشكاة لعبت في حياتي دورًا جعلني أحيى بعد مماتي، وأضاءت ليلي بعدما أصبح ظلمات بعضها فوق بعض، فتلاشت الظلمة وقابلها نور على نور، وجعلت من وجودي معنى، ومن معناي حالا، ومن حالي سلوكا نحو الله نور السماوات والأرض.

وقلبت أعيان كينونتي، فأصبحت الحيّة عصا، وصارت العصا متّكئًا لي أهش بها على غنم وجودي، وأطرد بها ذئاب غفلتي عن الله، وأشق بها طريقي في بحر اسودَّ من كثرة الذنوب والمعاصي، وتلاطمت فيه أمواج البعد والنسيان، وهبت عليه رياح الفرقة والتمزق.

وصححت قصدي حين غاب عن عملي كل قصد، وأي عمل كنت أعمله وقد أحيط قلبي بران الأنا، وغشاوة القسوة، وبغطاء الادعاء، حتى تراءت لي استقامتي في اعوجاج "الآخرين"، وتجلّت لي سنيتي في ابتداع "الضالين" وظهرت لي مكانتي في هواي على حساب تفاعل "الغاوين" فكنت أقرب ما أكون إلى "أنا" إبليس حين فضل وجوده الناري على وجود آدم الترابي؛ غير أن المشكاة أشعت بريقًا منها عليّ فأزيل بعض عمش عيني، فانقلبت رأسًا عَلى عقب، إذ أصبح من كان ضالا عندي مهديا، ومن كان بعيدا أحسست بقربه أكثر مني، خصوصًا حين شخص لي مرضي عبر جهاز الكشف المشكاتي، فرأيت اضطراب قصدي بسبب "مراهقة فكري" و"تهور حكمي" و"اندفاع تديني" وخطئي في تقدير الآخرين، فعلمت أنني كنت مصابًا "بعقدة تدين" كان لكتيبات بعض المصابين بها وخطبهم الأثر البالغ في عدواي بها، فانتفخت بسببهم أوداج قلبي، وأصبت بورم روحي ظننته ترياقاً ولكنه كان قيحًا وصديدًا، وبقيت زائرتي تزورني دون حياء وباستمرار كلما أقمت لها الليل وأجعت لها النهار، حتى انعكس نور المشكاة في مرآة وجودي، فأرداها بردا بعدما كانت حمى.

وعزفت على أوتار قلبي سمفونية المذلّة والمسكنة، فشعرت بعلو الكل علي بعد ما ظننت أن مرتبتي في هرم الوجود عالية بسبب "إسلامي" و"بعد" الآخرين، فطرب لها وجودي، وصفقت لها جوارحي، وغنى لها لسان حالي، وسمعت أذني ألحانها في قلبي، فارتجت لها.

وطردت عني هوس الإثم وهيستريا الفعل، بعدما كان الذنب لدي هو لباس الفعل وظاهره، فأفهمتني أن أصل الذنب هو جرثومة الغفلة الجاثمة على القلب، إذ شتان بين أن أحصر نفسي عن الذنب وأنا أشتهيه، وبين أن أذنب فأنكسر وأتوب وأرى رحمة الله وعفوه أشمل لذنبي وإثمي، وبين أن أعتقد بفعل الذنب فأصاب باليأس وهو أعظم ذنب، وشتان بين أن أفعل الذنب والخطأ وأحاسب نفسي وبين أن أحاسب الآخرين وأتبع عوراتهم مقيما نفسي في منصب القاضي على العباد مع العلم أن الخلق عيال الله، وكلما أحسنت تصرفي مع عياله كلما أحبني وقربني.

ورسمت في خيالي ألواحا فنية من جمال الوجود وتشكيلات المعنى بعدما امتلأ فؤادي بجلال الحياة، وهم الوساوس المنبثق من الفعل الخالي من إشعاعات نورها، فتراءى لي الوجود لوحة زاهية بألوان الناس ترسم فيها يد حامل المشكاة صورا متعددة الوجوه، موحدة الكينونة والمصير، عليها بوارق المحبّة والتآلف بدل الكراهية والتنافر، وكأن مدينة الفارابي خرجت من مثاليتها إلى واقعيتها، و"جمهورية أفلاطون" تحققت بعد أن تعلقت، فأصبحت الأضداد متحابة وما كان صراعا عدا ألفة، وما غاب أضحى حاضر.

وعلمتني الحضور في العمل والذكر، بعدما كان الانفصال هو عين العمل إذ صعب عليّ أن أعمل وأحضر، أو أذكر وأحضر، ولربما كان العمل آنذاك أمرا لا يكاد يحقق حضورا، وإن أطيلت حركات الصلاة، أو تمتمت الشفاه ببعض الأذكار التي تختارها النفس للنفس ثم تملها وتغير صيغها وكأن بيدها لجام التشريع ومفتاح الحكمة، غير أن نور المشكاة علمني أن العمل وسيلة، والحضور مع الله غاية الغايات، إلا أن هذا الحضور بحر لا ساحل له، ولكن من سار على الدرب وصل.

ولوحت لي في أفقها رموز التوحيد القلبي، بعد ما توهمت أن قراءة العقيدة وحفظ ما وجب في حقه تعالى وما استحال هو التوحيد، فقالت لي بأن التوحيد هو خلو القلب من أصنام الهوى، وآلهة المقاصد، فلا يبقى للعبد قصد ولا جهة سوى مولاه عز وجل، يتوجه بوجهه إلى قبلة الأرض، وبقلبه إلى وجهه سبحانه وتعالى فلا يخطر في القلب سواه، ففهمت - ولا زلت سائرا وراغبا في السير إلى ما لا نهاية - أنني كنت على جانب نظري فقط من التوحيد، وأن المسيرة لتحققه في قلبي طويلة وشاقّة، وإنه ليسير لمن استضاء بنورها.

ونور المشكاة هذا منبثق من مصباح النبوءة، ومنعكس على زجاجة الولاية ومصيب لمرآة القلوب المتوجهة إليه.

وإذا أنقذ الغزالي من ضلاله، وهو حجة الإسلام، بعد صحبته لمشكاة نوره وليس بعد مشكاة النبوءة نور يستضاء به كما يقول، فإن هذه المشكاة لا ينطفئ نورها، بل لا تزيدها الأيام إلا قوة وإضاءة، وها هي تتجدد في هذا الوقت، وتنقذني وثلة كبيرة من الفقراء إلى نور النبوءة الساكن في قلب الوارث بالسند الواصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداء ومحبة، وتجعل من الطريقة التي سكنت وسادتي الفقراء تحت ظل أشجارها، وارتحت من لظى الغفلة ببرد مائها، ونسيم هوئها، مصباحًا كاشفًا لقوة نورها وجزى الله عني شيخي العارف بالله الواصل الموصل سيدي حمزة بلعباس القادري بودشيش خير جزائها.

وكم عائب ليلى ولم ير وجهها * فقال له الحرمان حسبك ما فاتا

والسلام

أحمد الرحيحات - 27 رمضان - 1412

 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق