نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

روح القدس فى مناصحة النفس -4

روح القدس فى مناصحة النفس -4
والله يا وليّ لو رأيتهم في صلاتهم ينقرونها، وفي صُفوفِهم لا يُقيمُونها، يجعل بينه وبين صاحبه في الصفِّ قَدرَ ما يدخُلُ فيهِ أَلفُ شيطانٍ، ثمَّ إذا جئتَ أن تسُدَّ تراهُم قدْ قَطَّبُوا وجوهَهُم، وإن غفلتَ وَوَطِئْتَ برِجلِكَ سَجَّادةَ أحدهِم لَكَمك لَكمَةً حيث جائت منك قد يكون فيها حتفك، وهذه وأشباهها هي الطريقة التي هم أهل زمانكَ عليها، ورحم الله القشيريُّ الذي أدركَ مَن تحلَّى بِحليَةِ القومِ في ظاهرهِ وتعرَّى عنهم في باطنه فأنشد فيه :

أمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ * وَأَرَى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا

هذا وقد اشترك معهم في زيِّهم الظَّاهر؛ وأمَّا اليومَ فَلَا خِيامَ ولا نساءَ بِإِجماعٍ مِنَ القَومِ، إنَّ الموتَ الأخضرَ عندهُم طَرحُ الرِّقاعِ بَعْضِها علَى بَعضٍ، وذلكَ شِعارُهُم رضي الله عنهم؛ فقامَ هؤلاء وقالُوا إنَّما لنَا إِسمُ مُرَقَّعَةٍ خَاصَّةٍ، ولمْ يَلْحَظوا ما أُريدَ بهَا فَتأَنَّقُوا في الثياب المُطرَّحَةِ ، والأعلام المُشَهَّرة ، وخَاطُوها على َوزنٍ مَعلومٍ ، وتَرتِیبٍ مًنظومٍ ، تُساوي مالًا، وأفسدوا عليها ثيابًا وسمُّوها مُرَقَّعَةً . ورحم الله سيِّدَ هذه الطَّائفةِ أبَا القَاسِمَ الجُنيدِ حيثُ أنشدَ لمَّا رأى فساد الحالِ :

أَهلُ التَّصَوُّفِ قَدْ مَضَوا *  صَارَ التَّصَوُّفُ مَخْرَقَة
صَارَ التَّصَوُّفُ رَكْوَةً * وسَجَّادَةً وَمُرَقَّعَةً
صَارَ التَّصَوُّفُ صَيْحَةً * وَتَواجُدًا ومطبقة
كذبتك نفسك ليس ذي * سنن الطريق الملحقة

واللهِ ما عُلِمَ أهل الطريق كَذَا، وما كانَ الطريق إلَّا بالقُعودِ في مَرابضِ الكِلابِ مُجاهدةً ، وتحمُّل الأذى وكَفِّه رِياضَةً ، والرَّحمةِ والشَّفقةِ والعطفِ على الفقراء والمسلمين كافة تحقيقًا و معرفةً ، أين هم من صفة أولياء الله، كما نعتهُم شيخ الطائفة العليَّة رضي الله عنهم على ما حدثنا أبو محمد بن يحيى قال : حدثنا أبو بكر بن أبي منصور قال : حدثنا أبو الفضل أحمد قال : حدَّثنا أحمد بن عبد الله قال : حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن مقسم قال : ثنا عباس بن يوسف الشكلي قال : حدثني محمد بن عبد الملك قال : قال عبد الباري قلت لذي النُّون : صِفْ لِي الأبدالَ ، فقال : إنَّك تسألني عن دَيَاجي الظُّلَمِ لأكْشِفَنَّهَا لك يا عبد الباري : هُم قومٌ ذكرُوا اللهَ بِقُلوبِهِم تعظيمًا لِرَبِّهِمْ لِمَعرفَتِهِم بِجلالِهِ ، فَهُمْ حُجَجُ الله تعالى على خلقِهِ ، ألبسهُمْ النُّورَ السَّاطِعَ من مَحبَّتِهِ ، ورَفعَ لهُمْ أعلامَ الهِدايةِ إلى مُواصَلتِهِ ، وَأقامَهُمْ مَقامَ الأبطالِ لِإرادَتِهِ ، وأفرغَ عليهِمْ الصَّبرَ عن مُخالفًتِهِ ، وَطَهَّرَ أبدانَهُمْ بِمُراقبتِهِ، وطَيَّبهُمْ بِطِيبِ أهلِ معاملَتِهِ ، وكَساهُمْ حُلَلًا من نَسْجِ مَوَدَّتِهِ ، وَوضَعَ على رُؤوسِهِمْ تِيجَانَ مَسَرَّتِهِ ، ثم أودَعَ القُلوبَ من ذَخائِرِ الغُيُوبِ، فهيَ مُعلَّقَةً بمواصلَتِهِ ، فَهُمُومَهُم إليه ثَائرةً ، وأعينُهُم بالغيبِ إليه ناظِرةً ، قدْ أَقامَهُم عَلى بَابِ النَّظَرِ مِنْ قُرْبِهِ ، وأجلسهُمْ على كَرَاسِي أطِبَّاءِ أهْلِ مَعرفَتِهِ ، ثم قال : إنْ أَتاكُمْ علِيلٌ مِنْ فَقْدِي فَدَاوُوهُ ، أو مَريضٌ مِنْ فَرْقِي فَعَالِجُوهُ ، أوْ خَائفٌ مِنِّي فَآمِنُوه ، أوْ آمِنٌ فَحَذِّرُوهُ ، أوْ رَاغِبٌ في مُوَاصَلَتي فَمَنُّوهُ، أوْ رَاحِلٌ نَحْوِي فَزَوِّدُوهُ ، أوْ جَبَانٌ في مَتَاجَرَتي فَشَجِّعُوهُ ، أو آيسٌ منْ فَضْلِي فَعِدُوهُ ، أو رَاجٍ لِإِحْسَانِي فَبَشِّرُوهُ ، أوْ حَسَنَ الظَّنِّ بِي فَبَاسِطُوهُ ، أَوْ مُحِبٌّ لِي فواظِبُوه، أوْ مُعَظِّمٌ لِقَدْرِي فَعَظِّمُوهُ، أو مَسْتَوْضِعٌ نَحْوِي فَأَرشِدُوه، أو مُسيءٌ بَعدَ إِحْسَاني فعَاتِبُوهُ إلى آخر تَمامِ القصَّة على حَسبِ ما ذَكرناهُ في كتاب البُغيَةِ مستوفاه؛ فهذه أحوال العارفينَ يا وليّ وهكذا تكون عمارةُ القلوبِ.

وأما أهل زمانكَ، فوالله لو اطلعتَ على جُملتهم ظاهِرهم وباطنِهِم، لَرأَيتَ إن نظرتَ إلى وجوههِمْ رأيتَ عُيونًا جامِدَةً ، مَتَحرِّكَةً غيرَ هامدَةٍ ، وإن نظرتَ إلى نُفوسهِم رأيتَ نفوسًا سامدةً، وإن نظرتَ إلى قلوبهِمْ رأيتَ قلوبًا لاهيَة منَ العِمارَةِ العُلْوِيَّةِ القُدسيَّةِ، خالية على عُروشها خاوِيَة ، آجامًا لأُسُودٍ ضَارِيَةٍ ، ومَرابِضَ لِذِئابٍ عَاوِيَةٍ ، فَسَلْ مِنَ الله تعالی عند رُؤيتهم العافية.

        

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق