نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -45

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -45

جمالية شعر الوجدان الصوفي:


1 - تعريف الوجد:

لغة : من مادة (و ج د،) يدل على أصل واحد وهو الشيء يلفيه، ووجدت الضالة وجداناً، وحكى بعضهم: وجدت في الغضب وجداناً، وأنشد:

كلانا رد صاحبه بيأس *** على حنقٍ ووجدان شديد

والوجد لغة، يقال وجد المطلوب، كوعد وورم، ويجُده بضم الجيم لا نظير لها في باب المثال، فالفعل وجد، والمصدر وجداً، وجدةً، ووجداً، ووجوداً، ووجداناً، وإ ِجداناً بكسرها، أدركه، والمال وغيره يجده وجداً، وِجدة، استغنى، وبه وجداً في الحب فقط، وكذا في الحزن، والوجد الغنى، وأوجده أغناه، وتوجد السهر وغيره شكاه.

وجاء في مختار الصحاح : أن الكلمة تعني " وجد مطلوبه يجده بالكسر وجودا... ووجد ضالته ِوجداناً أيضاً بكسر الواو... "، والوجدان في أصل اللغة، لما ضاع أو لما يجري مجرى الضائع في ألَّا يُعرف موضعه.

وقال أبو البقاء الكفوي : «الوجد، وجدت في المال ُوجدا -بضم الواو- وفي الغنى ِجدة - بكسر الجيم - ووجدت الضالة وجداناً، ووجدت في الحب وجداً بالفتح».

ومما سبق يتبين أن معنى الوجدان في اللغة يتجسد في الحصول على الشيء بعد فقدانه، وبعد البحث عنه، لأجل منفعة أو غاية مطلوبة.

اصطلاحاً:


ويأتي مفهوم الوجدان في الاصطلح العام للتعبير عن حالة نفسية، وانفعال عاطفي ُمفرح، أو مؤلم، وفي الأدب هو الإحساس الداخلي لإدراك قيمة العمل الأدبي.

لذلك فإن الوجدانية قيمة فنية، تتمثل في ترجمة أحاسيس ومشاعر المبدع الكاملة في نفسه إزاء الدنيا، ومستجداتها، ومدى استجابة ذاتية الشاعر لجمال الطبيعة ومؤثراتها.

أما في الفلسفة فيطلق لفظ الوجدان على معنيين؛ الأول كل إحساس أولي باللذة أو الألم، والآخر ضرب من الحالات النفسية من حيث تأثرها باللذة أو الألم، في مقابل حالات أخرى تمتاز بالإدراك والمعرفة.

ويرى جمال علي زكي بسيوني أن عبد القادر القط أول من أرسى منهجاً متكاملًا في دراسة الشعر العربي المعاصر، تحت لواء مصطلح الاتجاه الوجداني.

يقول عبد القادر القط : « والحركة الوجدانية حركة إيجابية ،تقوم في جوهرها على فرحة الفرد باكتشاف ذاته ،بعد أن ظلت ضائعة مقهورة في ظل عهود طويلة من الجهل والتخلف والظلم ،وتقوم على اعتزاز هذا الفرد بثقافته الجديدة ،ووعيه الاجتماعي وحسه المرهف ،وتطلعه إلى المثل الإنسانية العليا، من حرية وعدالة وعفة وعشق للجمال والكمال ،ونفور من القبح والتخلف ،وقد حملت هذه الحركة من الناحية الفنية عبئ التجديد والخروج من أسر الأنماط الشعرية القديمة المكررة على مر العصور، وابتكار صيغة شعرية جديدة ،يمتزج فيها التراث بالعصرية ،وتكتسب فيها الألفاظ دلالات جديدة وقدرة جديدة على الإيحاء ،كانت قد فقدتها في الصيغ النمطية القديمة، وتقوم فيها الصور الشعرية على مفهوم فني حديث، ينتفع بالنظريات الجديدة في الأدب والفن والموسيقى واللغة».

2 - الوجد عند الصوفية:


اختلفت الرؤى في تعريفه عند الصوفية،كما ذكر ذلك صاحب اللمع، وعقد باباً سمهاه : باب في ذكر اختلافهم في ماهية الوجد ، وهناك أقوال كثيرة لدى الصوفية في هذا الصدد ومن أهمها: قول عمرو بن عثمان المكي:« لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنّها سر الله تعالى عند الموقنين».
وقال أبو الحسن النوري: «الوجد لهيب ينشأ في الأسرار، ويسنح عن الشوق، فتضطرب الجوارح طربا، أو حزنا عند ذلك الوارد ».

قال القشيري:« الوجد يُصادف قلبك، ويرد عليك بل تعمد ولا تكلف، ولهذا قال المشايخ: الوجد المصادفة، والمواجيد ثمرة الأوراد».

وقال الغزالي: «الوجد عبارة عن حالة يثمرها السماع، وهو وارد حق جديد، عقب السماع، يجده المستمع من نفسه، وتلك الحالة لا تخلو عن قسمين، فإنّها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هي من قبيل العلوم والتنبيهات ،وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم ،بل هي كالشوق والخوف والحزن والقلق والسرور ،والأسف والندم، القبض والبسط».
وقال الطوسي:« وكل ما صادف القلب من غم أو فرح فهو وجد، وقد أخبر الله تعالى عن القلوب: أنّها تنظر وتبصر وهو وجد لها»، قال تعالى : ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

ومن خلال اختلاف هذه التعاريف يخلص الغزالي إلى مقاربة تفي بالمراد من مقصدية الوجد ،حيث أنّها إما أن ترجع إلى المكاشفات والمشاهدات، من قبيل العلوم والتنبيهات ؛التي يجود بها المولى على قلب الصوفي العارف ،أو إما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم ،وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها ،فإن ضعُف ولم يؤثر في تحريك الظاهر ،لا يُسمى وجداً ،وإن ظهر على الظاهر سُمي وجداً، إما ضعيفا وإما قوياً ،بحسب ظهوره وتغييره للظاهر ،ولا يُبعد أن يكون السماع سبباً لكشف ما لم يكن مكشوفاً قبله ،فإن الكشف يحصل بأسباب منها :التنبيه بقوة والسماع ،ومنها كذلك صفاء القلب ،والصفاء يُسبب الكشف ،ومنها انبعاث نشاط القلب بقوّة السماع ،فيقوى به على مشاهدة ما كان تقصر عنه قوته ،كما يقوى البعير على حمل الأثقال، فبواسطة هذه الأسباب يكون سبباً للكشف.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق