نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

السير والسلوك الى ملك الملوك - 20

السير والسلوك الى ملك الملوك - 20

واعلم أن القلب إن نسى نفسه في هذه المرتبة الملعونة، وطال وقوفه فيها كان ذلك سببًا في إبطال خاصيته، وهي القدرة على التوجه إلى عالم الغيب، وإبطال خاصيته هو المعبر عنه بسواد القلب، وبالطبع وبالدين، لأن القلب كالمرآة فمتى كانت صافية عن الصدأ والكدر، يشاهد الإنسان فيها الأشياء وإذا غلب عليها الصدأ، ولم يكن لها ما يصقلها، ويدفع الصدأ عنها تمكن منها الصدأ وغاص في جوهرها، وصارت بحيث لا يقدر الأستاذ إزالته.

وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلأى هذا بقوله : ("إِنَّ القُلُوبَ لَتَصْدَأ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدَ"، قِيلَ : وَمَا جَلاَؤُهَا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ فَقَالَ : "ذِكْرُ المَوْتِ، وَتِلَاوَةُ القُرْآنِ").

روى الغزالي في مختصر الإحياء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (القلوبُ أربعةٌ : قلبٌ أَجْرَدُ، فيه مِثْلُ السراجِ يُزْهِرُ فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِن،وقلبٌ أَسْوَدٌ مَنكوسٌ، فَذَلِكَ قَلْبُ الكَافِرِ، وَقَلْبٌ أَغْلَفٌ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلاَفِهِ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُنَافِقِ، وَقلبُ المُصْفَحُ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، فمَثَلُ الإيمانِ -أَيْ فِي القَلْبِ المُصْفَح- مَثَلِ البَقْلَةِ يَمُدُّها الماءُ الطَّيِّبُ، ومَثَلُ النفاقِ فيه كمَثَلِ القُرْحَةِ، يَمُدُّها القَيْحُ ةَالصَّدِيدُ، فَأيُّ المَادَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ، حكَمَ لَهُ بِهَا).

فالمراد من القلب الأول : قلب المؤمن الكامل العارف.

والمراد من القلب الرابع : قلب السالك حال سلوكه، فإن تتبع الشهوات ومال إلى المخالفات هلك، وبقي في سجِّين الطبيعة. ومتى كان القلب متوجِّهًا إلى عالمه، عالم الغيب سعى على كشف الحجب المذكورة شيئًا فشيئًا، فيذهب عنه الكدورات الحاصلة من المعاصي وكثرة الشهوات، واستعدّ للتجليات، وانتقشت فيه حقائق الأشياء.

وكلما زالت عنه الشهوات قرب من مقامه الأول المتنزل منه، وهذا معنى كشف الحجب، فإن لم يبق فيه شيء من الشهوات وصل إلى مطلوبه، لأنه لم يبق بينه وبين الله حجاب.

روى الغزالي في كتابه المذكور، أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "أَيْنَ اللهَ فِي الأَرْضِ" ؟ قَالَ : "فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ". وأنه قال تعالى : "لَمْ يَسَعْنِي أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ، اللَّيِّنِ الوَرِعِ".

بمعنى أن لا يراه إلا قلوب المؤمنين، لا بمعنى أنه تعالى يحل في قلوبهم، لأنه محال، ولكن قلب المؤمن لما صقل حتى صار كالمرآة، فكما أن المرآة يرى فيها صور المحسوسات التي في عالم الملك، كذلك القلب صار يرى فيه ما في عالم الغيب، وهذا هو العلم المفسر بحصول صورة الشيء في الذهن، لأن المراد من الذهن النفس الناطقة، وهي القلب كما عرفت.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق