الاثنين، 7 مايو 2018

السير والسلوك الى ملك الملوك

السير والسلوك الى ملك الملوك

المؤلف: الخاني قاسم بن صلاح الدين

وبعد فإن سلوك طريق الحق من أخلاق الأنبياء والمرسلين ، وخلاصة عباد الله الصالحين ، الذين قال في حقّهم رب العالمين :" إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ " ، وهو أمر ممكن متين على من يسّره الله عليه وهم النطف الطاهرة أصحاب الاستمداد الكاملة ، والطباع السليمة الذين لا رغبة لهم في لذات الدنيا ولا نهيم الآخرة ، قلوبهم متوجهة نحو مليكهم لا يسكنون إلا لذكره ، ولا يتقوتون إلاّ بتلاوة اسمه ، يراعون الظلال بالنهار ، ويحنون لغروب الشمس كما يحنّ الطير إلى الأوكار ، فإذا جنّ الليل واختلط الظلام ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، نصبوا لمحبوبهم أقدامهم ، وفرشوا له وجوههم ، وناجوه بكلامه ، وتملّقوا له بإنعامه ، بين صارخ وباك ، وبين متأوه وشاك ، وبين قائم وقاعد ، وبين راكع وساجد ، باعوا لذّات الحوّاس الظاهرة بما ظهر لهم بالبصائر الباطنة . وهو أعني سلوك طريق الحق متعسر على من هبط إل سجن الطبيعة ، وأسفل السافلين ، فانخرط في سلك الحيوانات وانحبس في قفص العادات ، واصْطِيدَ في شبكة المخالفات ، ولم يصبه شيء من النور الذي ألقاه الله على عباده حين خلق الخلق في ظلمة كما جاء في الحديث ، يعني ظلمة الطبيعة فبقوا على ضلالهم فلم يهتدوا إذاً أبداً .

وهذا الطريق منازل معلومة عند أهله يقطعها السالك واحدة بعد واحدة ، إلى أن يصل إلى آخرها ، فينقطع السلوك ولا تنقطع التجليات لأنها لا آخر لها ، وهذا معنى قول الشيخ :" إن الترقي لا ينقطع ولا بعد الموت " فحال هذا السالك في قطع هذه المنازل كحال المسافر في قطع مراحل الطريق ، فكما يحتاج المسافر في سفره إلى الدليل العارف بالطريق والزاد والراحلة ، والرفاق والسلاح لملاقاة العدو وإرهابه ، فكذلك هذا السالك لابدّ له من مرشد عارف بهذا الطريق ، قد سلكه وعرفه وعرف خيره وشرّه ، ولا بدّ له من زاد وهو التقوى ، ولا بدّ له من راحلة وهي الهمّة ، ولا بدّ له من رفاق وهم إخوانه الطالبين مطلبه ، ولا بدّ له من سلاح وهو الأسماء ليرهب به عَدُوّيْه ، وهما الشيطان والنّفْس ، وكما أنّ المسافر يمرّ على بلاد ومدائن ويقيم فيها ، ثم يرحل عنها متوجّها إلى مطلبه ، كذلك السالك يمُرّ في سَيره على المقامات المشهورة ، بين أهل الله تعالى ، وهي سبعة :
الأولى : مقام ظلمات الأغيار ، وتسمّى النفس فيه بالأمّارة .
الثاني : مقام الأنوار وتسمى النفس فيه باللوّامة .
الثالث : مقام الأسرار وتسمى فيه بالملهمة .
الرابع : مقام الكمال وتسمى النفس فيه بالمطمئنّة .
الخامس : مقام الوصال وتسمى النفس فيه بالراضيّة .
السادس : مقام تجليات الأفعال وتسمى النفس فيه بالمرضيّة.
السابع : مقام تجليات الصفات والأسماء وتسمى النفس فيه بالكامِلَة.

وكلّما كان الإنسان في مقام من هذه المقامات كان محجوباً به عمّا بعدَه ، فمن كان في المقام الأول فهو محجوب بالأغيار ، عن مشاهدة الأنوار ، ومن كان في الثاني فهو محجوب بالأنوار عن الأسرار ، ومن كان في الثالث فهو محجوب بالأسرار عن الكمال ، ومن كان في الرابع فهو محجوب بالكمال عن الوصال ، ومن كان في الخامس فهو محجوب بالوصال عن تجليات الأعمال ، ومن كان في السادس فهو محجوب بتجليات الأعمال عن تجليات الأسماء والصفات ، ومن كان في السابع فهو محجوب بتجليات الصفات والأسماء وتجلي الذّات ممتنع لأنه يعطي ظلمة كالنظر إلى الشمس . فإن الناظر إليها لا يبصر شيئاً ، ولذلك قالوا : إن الله لا يتجلّى من حيث ذاته على الموجودات إلاّ من وراء حجاب من حجب الأسماء فحينئذ أعلا المقامات تجلّي الأسماء وتجلّي الصفات وأما تجلّي فهو شيء لا يمكن ، مع أن القومَ رضي الله عنهُم يَذكرونهُ ويُعرّفونَهُ ، وسَيرِدُ عليك تعريف تجليات الأفعال ، وتجليات الصفات ، وتجلّي الذات ، مفصّلاً في المقدّمة إن شاء الله تعالى .



Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

1 coment rios: