نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

قصة المولد الشريف للشيخ محمد السمان

قصة المولد الشريف للشيخ محمد السمان

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك وسلِّم.

اَلسَّـلاَمُ عَلَيْـكَ زَيْنَ الْأَنْبِيِـاءِ، أَتْقَى الْأَتْقِيَاءِ،أَصْفَى الْأَصْفِيَاءِ، أَزْكَى الْأَزْكِيَاءِ، مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ، دَائِمَ بِلاَ انْقِضَاءِ، أَحْمَدْ يَا حَبِيبِي، طَهَ يَا طََبِيبِي، أَحْمَدْ يَا مُحَمَّدْ، طَهَ يَا مُمَجَّدْ، يَا كَهْفًا وَمَقْصَدْ، يَا حُسْنًا تَفَرَّدْ، يَا مَاحِي الذُّنُوبِ، يَاجَلِي الْكُرُوب، يَا خَيْرَ الْأَنَـامِ، يَا بَدْرَ التَّمَامِ، يَا نُورَ الظَّـلاَمِ، يَا نُورَ الأَنَامِ، يَا شَمْسَ الأَنَامِ، يَا كُلَّ الْمَرَامِ، يَا ذَا الْمُعْجِزَاتِ، يَا هَادِي الْهُدَاةِ، يَا ذُخْرَ الْعُصَاةِ، يَاحَسَنَ الصِّفَاتِ، يَا ذَا البَيِّنَات، يَا رَبَّ السَّمَاحِ، يَا نُورَ الصَّبَاحِ، يَا حَيَّ الْفَلاَحِ، يَا رُكْنَ الصَّلاَحِ، يَا خَيْرَ الْأَجَائِرْ، يَا ضَوْءَ الْبَصَائِرْ، الْمُقَدَّم لِلإمَامَة، الْمُشَفَّعِ فِي القِيَمَة، الْمُظَلَّلِ بِالغَمَامَة، الْمُتَوَّجِ بِالكَرَامَة، الْخُلاَصَةِ مِنْ تِهَامَة، المُبَشَّرِ بِالسَّلاَمَة، مُحَمَّدَنِ الرَّسُولِ، النَّبِيِّ أَبِي الْبَتُولِ، يَا وَجْه الجَمِيل، الْخَلِيفَةِ مِنْكَ فِينَا أَبِي بَـكْرٍ، مُبِيدِ الْجَـاحِـدِينَا، كَـذَا عُـمَرْ وَلِيُّ الصَّالِحِينَا، وَذُو النُّـورَينِ رَأْسِ النَّاسِكِينَا، كَـذَاكَ عَـلِيُّ السَّامِـي يَقِينًا، وَآلِـكَ كُلِّـهِمْ وَالتَّـابِـعِينَا،اَلسَّـلاَمُ عَلَى أَصْحَابِكَ جَمْعِينَا، وَتَـابِعِهِمْ وَ تَـابِعْ التَّـابِِعِينَـا.

بسم الله الرحمن الرحيم

حَمدًا لِمَنْ أَطْلَعَ مِنْ مَطَالِعَ الْغُيُوبِ طَوَالِعَ الأنْوَارِ الْمُحَمدِية، وَأَبْرَزَ فيِ عَالَمِ الظُهُورِ أَشِعَّتَهَا فَاسْتَنَارَتْ بِهَا الأكْوَانُ الدَّنْيَوِيةُ وَاْلأخْرَوِيَّة، وَشُكراً لِمَنْ دَبَّجَ أَفْوَاهَ أَهَاضِيبِ أَنْدِيِة اْلمَحَافِلِ وَالْمَشَاهِدِ بِأَنْوَارِ مَحْبُوبِهِ فيِ مَسَاجِدِ السُّعُودِ وَسَائِرِ اْلمَعَاهِدِ، وصلاة وسلامًا على المُنْهَلِّ وَبْلُ غَيْثِ عُنْصُرِهِ الفَيَّاضِ منْ سَماءِ أَصلاَبِ الأَشرَافِ الأَخيَارِ، على عرصات أَودِيةِ أراض جنان، هاتيك الفياض، من جنان بطون البكور، المخدّرات الأحرار، والبارز من خبايا زَوايَا البُطُون، والخفا إلى ظواهر الظهورِ في الأكوانِ، والمترَبِّي فِي حُجُورِ العِنايَة والاصطفاء، مرتضى البان، ثدي الشهود دو العِرفَانِ، وَآلِهِ الْفَاطِمِينَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ ثِمَارِ اْلشَّهَوَاتِ بِيَدِ الْعَجَبِ والاِسْتِكْبَارِ وَأَصْحَابِهِ الْقاَطِفِينَ بِأَنَامِلِ الْفُتُوَّةِ والمرؤات، من روض الصدق نوار الفَخارِ وَأَسْتَدِرُ مِنْهُ دُرَّ مُزْنِ فَتْحِهِمْ الْهَطَّالِ الُمنِيفِ هِدَايَةً أَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى نَشْرِ أَعْلامِ الْمَوْلِدِ الشَّرِيف وَتَطْرِيزِ حِبَرِهِ الْمُحَبَّرَةِ بِالتَّحْبِيرِ وَالإِجْلالِ عَلَى مَمَرِّ الأَيَّامِ وَالليَالِ جَالِياً خْمرَتَهُ الْمُهَيِّجَة للنُّفُوسِ لِيَحْسُوهَا السَّامِعُونَ بأَِكْوَابِ الآذَانِ عِوَضاً عَن الكُؤُوسِ نَاظِماً نَسَبَهُ الشَّرِيفَ فِي سِلْكِ عِقْدِ الَّلآلئْ رَاوِياً بَعْدَهُ إِسْنَادَ خَبَرِ مِيلادِهِ الصَّحِيحِ الْعَاليِ، فأقول :

هو طَهَ محمَّد المختار، مَنْ بِهِ كَانَ لِلْوُجًودِ ابْتِدَاءُ
ابْنِِ عَبْـِد اللهِ بْنِِ عَبْدِ المُطَّلَبِ الشَّهمِ مَنْ لَهُ الاِنْتِهَـاءُ
ابْنِ هَاشمٍ بْنِِ عَبْدِ مَنْـــافٍ مَنْ لِعُلْيَاهُ يَنْتَمِي الاِرْتِقَاءُ
ابْنِ ذُخْرِي قُصَـيٍ بْنِ كلابٍ وَحَكِيمٌ إِسْمُهُ لَهُ الاِنْتِـمَاءُ
ابْنِ لَيْثِ النِّزالِ مُرَّةَ أَعْنِــي ابْنِ كَعْبٍ نَزِيلُ ذَا لا يُسَاءُ
ابْنِ ذِي السُّؤْدَدِ الأَثِِيلِِ لـُؤَيٍ مَنْ لَهُ الَحَزْمُ شِيمَةٌ والجِدَاءُ
ابْنِ ذِي الفَخْرِ مَالِك بْنِ سُؤْلِي عَبْدِكَ النَّضْرِ مَنْ بِه الإِكْتِفَاءُ
ابْنِ ذُخْرِي كِنانَةٍ مَنْ أَبُوهُ ذُوي الأَيَاِدي خُزَيْمَةُ المِعْطَاءَ
ابْنِ حَامِي الذِّمَار مُدْرِكَة الحِبْرِ ابْنِ إِليَاَس مَنْ قِرَاهُ الفِــدَاءُ
ابْنِ ذِي الرَّأَيِ والنَّدَى مُضَرَ الْجُودِ الَّذِي تَنْتَمِي لَهُ الْحَمرَاءُ
ابْنِ حِبِّي نِزَارٍ ابْنِ مَعَدِ ابْنِ عَدْنَانَ مَنْ لَهُ الاِْنَّتِهـَاءُ
يَالَهُ فِي العُلَى وَأَوْجِ المَعَاليِ نَسَبٌ دَائِماً عَلَيْهِ الثَّنَـــاءُ
نَسَبٌ دُونَهُ السِّمَاكُ سُمُـوًّا والثُّرَيَّا وَدُونَهُ الجَــوْزَاءُ
طَاهِرُ الذَّيْلِ مِنْ سِفَاحٍ نَقِيٌّ وَمِنَ الرِّجْس لَمْ يُصِبْهُ الرَّدَاءُ
فَضْلُهُ جَاءَ فِي الحَدِيثِ وأَيْضاً أَفْصَحَتْ عَنْ ثَنَائِه الشُّعََراءُ

وَلَمَّا أَرَادَ الإِلهُ ظُهُورَ شَمْسِ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْعَلِيَّةِ الْمِقْدَارِ، مِنْ مَطَالِعِ الْخَفَاء والاِستِتَار، أَمَرَ جِبْرَائيلَ الأَمِينَ بِقَبضِ الطَّينَةِ مِنْ الْمَحَلَّ الْمَكِينِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ مِنْ السَّموَاتِ وَمَا فِيهاَ وَالأَرَضِيينَ، فَأَخَذَهَا وَوَلَجَ بِهَا جِنَانَ الإِطَاعَةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَاقِفاً بِهاَ بَيْنَ يَدَيِ اْلعَلِيِّ الْعظِيمِ بَعْدَ غَمسِهاَ فيِ أَنْهاَرِ السَّعَادَةِ وَالتَّقَى، ثُمَّ فيِ بِحَارِ الْبُشْرَى بِالظَّهُورِ، وَالبَقَا ثُمَّ تَجَلَّى عَلَيْهاَ الحَقَّ فَانْتَقَلَتْ مِنْ صُورَةِ الطَّين إِلَى هَياكِلِ النُّورِ، وَلَمْ يَزَلْ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ وَالْكائِنَاتِ ذَاكِراً مَنْ مَنَّ عَلَيْهِ بِالظُّهُور، وَأُلْهِمَتِ اْلمَلائِكَةُ ذَلِكَ التَّسْبِيح، فَلَمْ تَبْرَحْ تَحْذُو حَذْوَه ُبِلِسَانٍ طَلقٍ فَصِيحٍ، فَوُضِعَ فيِ طِينَةِ آدَمَ وخرَّت سُجَّدًا لَهُ الأَملَاكُ، ولِأَجْلِهِ خُلِقَت الأَكوَانُ وَأُديرَت الأَفلَاكُ، وَأُهْبِطَ فيِ صُلْبِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَبِهِ كَانَ خَلِيفَةً فيِ طُولِهاَ وَاْلعَرْض، وَحُمِلَ فيِ السَّفِينَةِ فيِ صُلْبِ نُوحٍ الْجَلِيلْ، وَبِهِ أُعِيذَ مِنَ النَّارِ الْخَلِيلِ، وبِبَرَكاَتِهِ فُدِيَ بِالذّبْحِ الْعَظِيمِ إِسْحَاق وَقِيلَ إِسْمَاعِيلْ، وَكَافَّةُ الأَنْبِياَءِ خُلِقُواْ مِنْ نُورِهِ وَهُوَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ وَالدَّلِيلْ.

وَلَمْ يَزَلْ سَارِياً ذَلِكَ النَّورإِلَى أَنْ أَذِنَ اللهُ بِإِبْرَازِهِ فيِ مَظَاهِرِ الظُّهُور، نُشِرَتْ أَعْلامُ الفُتُوَّةِ عَلَى أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ وَنُودِيَ مِنْ قِبَل الْحَقِّ تَهَيَّأْ لِماَ سَيَبْرُزُ مِنْكَ مِنْ نُورِ الله، فَأَنْكَحَتْهُ الْقُدْرَةُ الْبَاهِرَةُ لِلْعُقُولُ مَخطْوبَتَهُ مِنْ غَيْرِ سِفَاحٍ آمِنَةَ الْمَأْمُونَةَ سُلالَةَ الْفُحُولُ، فَظَهَرَت الأَنْوارُ سَاطِعَةً فيِ حُرِّ وَجْهِهَا، وَتمَكَّنَ بَدْرُ النُّطْفَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فيِ أَوْدِيَةِ رَحِمِهَا، وَاسْتَبْشَرَتِ الْكاَئِناَتِ بِوُفُودِ نَجاَئِبِ السُّرُورِ، وَابْتَهَجَتِ اْلمَخْلُوقَاتُ بِسَحِّ سَحَابِ غَيْثِ الْحُبُورِ، وَلَمْ تَزَلْ الأَنْبِياَءُ تَتَردَّدُ عَلَى أُمِّهِ فيِ أَشْهُرِ حَمْلِه إِعْلاناً بِإِظْهاَرِ الْمَزِيَّةِ الَّتيِ لَهُ، عَلَيْهِمْ وَفَضْلِه وَكُلٌّ مِنهُم يَقُولُ لَهاَ فيِ عَالَمِ الْمِثَالِ وَالْمَناَمِ : يَا آمِنَةُ إِذَا وَضَعْتِيهِ فَسَمَّيهِ مُحَمَّداً عَليْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامْ.

وَاسْتَمَرَّ حَمْلُهاَ إِلَى تَماَمِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ عَلَى الْخِلاف، وَلَمْ تَجِدْ ثِقَلاً وَلا وَجَعاً مِنْ حَمْلِ سَيِّدِ الأَشْرَاف، وَفيِ وَقْتِ مِيلادِهِ حَضَرَ عِنْدَهَا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانِ، وَبَعْض مِنْ حِسَانِ حُورِ الْجِنَانِ ، فَأَخَذَهَا الْمَخَاضُ وَاشْتَدَّ بِهاَ نِطَاقُ الأَلَمِ فَوُلِدَ نُوراً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَمَجَّدَ وَعَظَّمْ.

وَبَرَزَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعاً عَلَى اْلأَرْضِ يَدَيْهِ إِشَارَةً إِلَى التَّوَاضُعِ مِنْهُ لِمَوْلاهْ، رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّماءِ إِيماَءً إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللهُ، فَأَرْسَلَتْ أُمُّهُ لِجَدِّهِ عَبْدُ اْلُمطَّلِبِ ذِي اْلمَهَابَةِ وَالنُّورِ، لِتُخْبِرَهُ بِبِزُوغِ شَمْسِ ابْنِهِ فيِ سَمَاءِ الظُّهُورِ، فَأَقَبَلَ مُسْرِعاً سَاحِباً ذَيْلَ فَرَحِهِ وَالسُّرُورُ، فَنَظَرَ إِلَى سَمَاءِ طَلْعَتِهِ الْبَهِيَّة، فَانْدَهَشَ مِنْ سَطَعَاتِ هَاتِيكَ ألأَنْوَارِ المُحَمَّدِيَّة، فَأَخَذَهُ وَدَخَلَ بِهِ جِنَانَ الْكَعْبَةِ الْغَرَّا، وَحَمدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَوْلاهُ وَأَرْدَفَ الْحَمْدَ شُكْراً.

وَوُلِدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظِيفاً كَحِيلاً دَهِيناً مَقْطُوعَ السُّرَّةِ مَخَتُون، وَخَفَقَتْ فيِ الأَكْوَانِ أَعْلامُ ظُهُورِ سِرِّهِ اْلَمَكْنُونِ، فَرَمَقَتْهُ أُمُّهُ بِعَيْنِ اْلبَصِيرَةِ، فَإِذَا سَطَعَاتُ نُورِهِ أَضْوَءُ مِنْ شَمْسِ الظَّهِيرَةِ، قَدْ أَضَاءَتْ بِهاَ الْحَنَادِسُ وَقُصُورُ بُصْرَى وَالشّامَ، وَخَرَّتْ هَيْبَةً لَهُ الأَوْثَانُ وَالأَصْنَامَ ، وَأَصْبَحَتِ الْجَبَابِرَةُ مََكْسُورَةَ الْجَناَحِ، وَمُنِعَتِ الشَّياَطِينُ مِن اسْتِرَاقِ السَّمْعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ لَهاَ مُبَاح، وَانْشَقَّ إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنَ الشُّرُفَاتِ، وَتَوَالَتْ بُشْرَى اْلهَوَاتِفِ وَتَظَافَرَتِ الآيَات، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَفَاضَ وَادِي سَمَاوَةَ، وَخَرِسَتْ أَلْسِنَةُ قَوْمِهِ وَذَهلَتْ مِنْهُمْ اْلعُقولْ، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تَخْمُدْ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ كَماَ هُوَ مَنْقُولْ، وَزُخْرِفَتِ الْجِنانُ بِالْحُورِ وَالْوِلْدَان وَاْلعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ بِأَفْخَرِ اْلحُلِيِّ إِعْلاناً لِعِظمِ الشَّانْ، وَانْبَلَجَتْ سِدْرَةُ اْلمُنْتَهَى بِبَدْوِ بَدْرِ السُّرُورِ، وَ مَعْشَرِ الْمَلائِكَةِ بِتَرَادُفِ أَنْوَارِ اْلحُبُورْ، وَأَمِرَ رِضْوَانُ بِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجِنَانِ وَماَلِكٌ بِغَلْقِ باَبِ النِّيرَانِ، إِكْرَاماً لِظَهُورِ هَذَا النُّورْ، وَبَرَزَتِ الْحَيوَنَاتُ مِنَ النَّادِ وَالْفِناَ لابِسَةً خِلَعَ السُّرُورِ وَالْهَنَا، وَخَرَجَتْ كَافَّةُ الأَطْيَارِ مِنْ سَائِرِ الأَوْكَار، لِتَشُمَّ عَرْق عَبِيرِ سَيِّدِ الأَبْرَار، وَمَوْلِدُهُ مَعْرُوفٌ بِأَعَالىِ مَكَّةَ الْمَحَمِيةَ، وَكَانَ لِثِنْتَيْ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الأَوَّلِ عَام الْفِيلِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ الْمَرْوِيَّةِ ، وَأَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ سَوِيَّة ، ثُمَّ ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أَبِي لَهْبٍ الأَسْلَمِيَّةِ، ثُمَّ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّة بَعْدَ ما رَدَّ ثَدْيَهَا غِلْمَانُ ذَوِي النُّفُوسِ الزَّكِيَّة، وَكَانَ قَدْ حَلَّ بِفَنَاءِ دَارِهَا جُيُوشُ الضَّنَا وَالْبُؤْس فيِ المَأَكَلِ والْمَشْرَبِ وَالْمَلَبُوسِ ، فَاخْضَرَّ غُصْنُ عَيْشِهَا بَعْدَ الذُّبُولِ، وَظَهَرَ كَوْكَبُ سَعْدِها فيِ سَمَاءِ الْحَيَاةِ بَعْدِ الاِسْتِتارِ وَالأُفُولِ، وَدَرَّ سَحَابُ ثَدْيِهَا بِدَرِّ اللَّبَنِ الْغَزِيرِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلُ جَافًّا لَمْ يَسْمَحْ بِقِطْرَةِ طَلًّ لاِْبنِهاَ الصَّغِير، وَنَادَاهَا مُنَادِى الْفَلاح بُشْرَاكِ ياَ حَلِيمَةُ بِسَيَّدِ الْمِلاحِ، فَرَكِبَتْ دَابَّتَهاَ الْعَجْفَاءَ بَطِيئَةَ السَّيْرِ، فَاسْتَسْمَنَتْ وَسَبَقَتْ دَوَابَّ الْقَافِلَةِ لِماَ نَالَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ، فَوَصَلَتْ بِهِ إِلَى الْمَقَامِ ، وَمَسَحَتْ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى ضَرْعِ الأَغْنَامِ ، فَجَادَتْ سَمَاءُ زَوَاياَهُ بِمُزْنِ الأَلْبَانِ الْغِزَارِ، وَلَمْ يَكُفَّ وَكْفُ وَبْلِهِ الهَطَّالِ أَنَآءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهاَرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهاَ مِصْبَاحٌ فِي حَنَادِسِ الظَّلامِ إِلَّا نُورُ وَجْهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلام.

وَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهَا مُدَّةً مَنِ الزَّمَنِ وَهِيَ تَرْفَعُ مِقْدَارَهُ لِماَ مُنِحَهُ مِنَ الْمِنَنِ، وَهُوَ يَشُبُّ فِي الْيَوْمِ شَباَبَ الصَّبِيِّ فِي الشَّهْرِ عَلَى الدَّوَامِ، حَتَّى قَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ فِي ثَلاثٍ وَمَشَى فِي خَمْسٍ وَفِي تِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَعْرَبَ بِفَصِيحِ الْكَلامِ، وَفِيهاَ شَقَّ صَدْرَهُ الْمَلَكاَن، وَنَزَعَا مِنْهُ حَظَّ الشَّيْطَانِ، وَمَلآهُ بِالْحِكَمِ وَالْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَالْعِرْفَان، وَالْتَحَمَ مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ بِقُدْرَةِ الْعَزِيزِ الرَّحْمنِ، وَكَانَ لا يَشْتَكِي حَرَّ جُوعٍ وَلا أَلَمَ عَطَشٍ كَالصَّبْيَانْ إِظْهاَراً لِتَمْييزِهِ عَلَى الأَقْرَان، ثُمَّ رَدَّتْهُ إِلَى أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ وَشَهْرٍ عَلَى الْمُخْتَارْ، فَخَرَجَتْ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِزِيارَةِ أَخْوَالِ أَبِيهِ بَنِي النَّجَّارِ، وَفِي رُجُوعِهاَ غَادَرَتْهاَ بِشِعْبِ الْحُجُونِ الْمَنِيَّة، وَحَضَنَتْهُ بَعْدَهَا حَاضِنَتْهُ أَمُّ أَيْمَنَ الْحَبْشِيَّة، ثُمَّ كَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ذِي الْمَهَابَةِ وَالشَّرَفِ، ثُمَّ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ وَبِحَقِّهِ اعْتَرَفَ وزَوَّجَهُ بِخَدِيجَة الفَتِيَّة بَعْدَ رِحلَتِهِ فِي تِجَارَتِهِ نَحْوِ الشامِ الْمَحْمِيَّة، فَأَوْلَدَهَا جَمِيعَ الْبَنِينَ وَالذُّريَّة سِوَى السيِّد الأبرار الْمُسَمَّى بِاسْمِ الْخَلِيلِ اْلمُعْتَبَر.

وَلَمَّا تَمَّ مِنْ عُمُرِهِ أَرْبَعُونَ مِنَ السَّنِين بَعَثَهُ اللهُ تَعاَلَى رَسُولاً إِلَى كَاَفَّةِ الْخَلائِق أَجْمَعِين، وَهُوَ خَاتِمُ الأَنْبِياَءِ وَالْمُرْسَلِين، بَلْ هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ نُوَّابُهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْعَارِفِينَ والْمُحَقِّقِينَ، كَيْفَ لاَ وَهُوَ أَعْظمُهَمْ فِي الدَّارَيْنِ قَدْراً وَأَكْثَرُهُمْ هِمَّةً وَفَخْراً، إِذْ لَولاَهُ لَماَ خُلِقَ مَلَكٌ فِي الأَرَضِيينَ وَالسَّمَوَاتِ، وَلاَ طَلَعَ بَدْرٌ فِي الْكاَئِناَت، أَسْرَى بِهِ مِنْهُ إِلَيْهِ لِيُظْهِرْ فَضْلَهُ الْمُخْلَعَ عَلَيْةِ، ثُمَّ فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاةً عَلَيْهَ وَعَلَى أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَنْهَلُّ سَحَابُ رَحْمَةِ التَّخْفِيفِ إِلَى خَمْسٍ بثواب خَمْسِينَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَتِةِ، بَعْدَ دُنُوِّهِ إِلَى قَابَ قَوْسَيْنِ وَرُؤْيَتِهِ الْعَجَائِبَ وَالآياَت وَالتَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ الْكَرِيمِ بعَيْنَىْ رَأْسِهِ وَشُهُودِ الذَّات، وَعَادَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَصَدَّقَهُ الصِّدِيقُ بِماَ أَخْبَرَ، فَكاَنَ مَنْ أَكاَبِرِ الصَّحَابَةِ وَاشْتَهَر، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَخَمْسِينَ، وَتَبِعَهُ مَنِ انْهَلَّ عَلَى أَوْدِيَةِ جَنَانِهِ غَيْثُ حُبِّهِ وَشَاهَدَ عَيْنَ الْيَقِينِ، وَبَعْدَ حَجَّةِ الْوِدَاعِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ مَضَتْ مِنْ عُمْرِه نُقِلَ مِنْ دَارٍ إِلَى أُخْرَي بَعْدَ انْقِضَاءِ وَطَرِه.

هَذَا بَث حَدِيثِ موَلْدِ ِسَيَّدِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا تَكِلُّ مِنْ سَحِّ مُزْنِهِ الأَسْماعِ، ولَكِنْ مِنَ التَّطْوِيلِ كَلَّتِ الْهمِمُ وَقَلَّ الاِنْتِفَاع، فَلْنَرْفَعُ بَعْدَ كَمَالِ تَعْطِيرِ تَحْبِِيرِ طِرْسِ الْمَوْلِد الشَّرِيفِ بِغَالِيَةِ الأَقْلامِ وَالتَّحْرِيرِ، وَحُسْنِ تَطْرِيزِ نَهَارِ قِرْطَاسِهِ بِطِرَزِ الإِمْلاءِ وَالتَّحْبِير، أَكُفَّ الاِبْتِهَال وَالاِنْكِسَار، نَاصِبِينَ عَلَمَ حَاَجَاتِناَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَزِيزِ الْغَفَّار جَازِمِينَ بِوُرُودِ نَجَائِبِ الإِجَابَة، مُتَوَسِّلِينَ بِمَنْ شَرُفَتْ بِهِ طَابَه، فَنَقُولُ :

اللَّهُمَ يَا مَنْ هُوَ الْمُحِيطُ الْجِامِع، يَا مَنْ لا يَمْنَعُهُ مِنَ الْعَطَاءِ مَانِع، يَا مَنِ لا يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ وَأَرْسَلَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلائِقِ جُوده وَرِفْدِهِ، نتَوَسَّلُ إلَيكَ بدرة صدفة الطين ذِي المَوْلِدِ وَالمِعرَاجِ، وآلِهِ وَصَحبِهِ ذِي الفَضْلِ الرَّضيين، وتَابِع وسَالِك تلكم الفجَاج، وَنَسأَلُكَ عِلمًا نَافِعًا بِأَسرَارِ المَعلُومات، وفَتحًا لِكَنزِ جَنَّةِ الشُّهُودِ، وعَرْشِ العِرْفَانِ والذًَّاتِ، وَخَلاصًا منَ القُيُودِ المُفعداتِ، اللهمَّ امسَح بظهورِ تجَلِّيكَ صِفاتِنَا، واحجُبْنَا بِرُؤيَتِكَ عَن رُؤيَتِنا، اللهمَّ انزُرْ إلَيْنَا بِعَيْتِ الرَّحمَةِ والعِنَايَةِ والحِفْظِ والرِّعايَةِ والاخْتِصَاص وَالوِلاَيَةِ، ونسأَلُكَ اللهمَّ كَشْف سِرِّ الأَحَديَّةِ وتَحقِيق العبُوديَّةِ والقِيام بحُقُقِ الرُّبُوبيَّةِ بِما يَليقُ بحَضرَتِها العَليَّةِ، اللهمَّ خَصِّص سِرَّنَا بِأَسرَارِ وَحْدَتكَ وقَدِّسْ رُوحَنا بِقُدْسِيَةِ أنْوَارِ قَهوَانِيتك، وطهِّرْ قُلُوبَنَا بِطَهارَةِ مَعارِفِ إلَهِيَتِك، وغَيِّبْنَا فِي حُضُورِك، وافتِنا فِي وُجُودِك، واسْتَهلِكْنَا فِي شُهُدِك، اللهمَّ امسح مِن لَوْحِ فِكْرِنا أَشْكَال الأَكوَانِ يَا مَنْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون واثيت فيهِ بعيْنِ عِنايَتكَ يَا رحْمان سرّ قُرْبِك السَّابِق المكْنُون، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ مُطَرَّزَ حِبْرَ مَوْلِدِ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَان عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَزْكَى السَّلام، خَادِم الفُقَرَاء أُسْتَاذُنَا الأَعْظَم سَيِّدُنَا الشَّيْخ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيم الْقَادِرِيُّ السّمَّانِ مُشَاهِداً جَمَالَ ذَاتِك الْعَلِيَّة، بَاقِياً بِكَ عَلَى الدَّوَامِ، وَعُمَّ مَنِ انْتَمَى إِلَيْهِ بِالْهِدَايَةِ وَالرَّضْوَان، وَأَخْدَانَهُ وَأَخْتَانَهُ وَأَرْحَامَهُ وَتَابِعِيهِ وَمُحِبِّيهِ ياَ ذاَ الْجَلالِ وَلإِكْرَام، وَنَتَوَسَّلُ إِليْكَ فِي قَبُولِ ذَلِكَ بِالحَبِيبِ المُصْطَفَى وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْل الصِّدْقِ وَالصَّفَاءِ، وَبِكَ وَبِهِ نَتَوَسَّلُ أَنْ تُصَلِّي بِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ وَآلٍ وَصَحبٍ وَمَن آلَ إليْهِ، وَالْحَمْدُ مِنْهُ بِكَ مِنْكَ إِلَيْكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى سَيِّدِناَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلِّم.

عن الكاتب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق