نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

جدلية التصوف والكلام والفلسفة (2)


جدلية التصوف والكلام والفلسفة (2)

الرسالة الثانية

قراءة في رسالة ابن عربي للرازي[1]


ابن عربي (٥٦٠هجري_ ٦٣٨) لم يكن منعزلا عن مجتمعه كما يتوهم بعضهم ذلك عن أهل العرفان، بل كان يشارك جميع الناس من شتى الطوائف والمذاهب ويناقشهم برحابة صدر .

حوار ابن عربي هذه المرة ليست للفلاسفة، وإنما لعلم كبير من علماء الكلام الأشعري ألا وهو فخر الدين الرازي (٥٤٤هجري _ ٦٠٤) ملأ الدنيا بعلمه ومناظراته العلمية ، يعد صاحب نهضة علمية كبيرة في المذهب الأشعري على الخصوص وفي التاريخ الإسلامي عامة .

له اطلاع واسع ودقيق على المذاهب والفرق، سطرت له مخالفات في المذهب الأشعري ذكر الشيخ الكوثري عددا منها.[2] وعليه فرسالة ابن عربي لهذا الامام والمتكلم الكبير كانت موجهة لمنهجية علم الكلام بشكل عام ولهذا الإمام الكبير بشكل خاص.

وقد حاول بعض المغرضين لجهله أو حقده أن ينسب لابن عربي ما قد سطر خلافه في كتبه ولكنه للأسف الفهم المعلول لكلام الأئمة الفحول. ومن ذلك اتهامهم لابن عربي بأنّه من القائلين " بوحدة الوجود " بما تحويه من اعتقاد الحلول والاتحاد والعياذ بالله تعالى. وبالبحث العلمي نجد كلام ابن عربي يخالف ذلك بل ينكره أشد الإنكار، كيف ! وهو يقول في الفتوحات :(الرب رب والعبد عبد فلا تغالط ولا تخالط)[3] ويكرر التأكيد على هذه المعاني في جميع كتبه. كما يقول أيضا :((من قال بالحلول فهو معلول، وهو مرض لا دواء منه لدائه ولا طبيب يسعى لشفائه).[4]

كما وقع الوهم عند بعضهم أن أحدية الوجود هي عينها الوحدة التي يقول بها بعض الفلاسفة وهو قول زور وبهتان ينسب لابن عربي، وقعوا فيه من سوء فهمهم لأن كلام العارفين يحتاج الى أدوات هم يفتقدونها، ودخل عليهم الوهم أيضا بكثرة التمثيل حتى من بعض شراح كلامه مرة بالمرايا وأخرى بالثلج وأخرى بالظلال وهكذا فابتعدوا عن الصواب كثيرا .

وإنّ إرسال الرسالة من الشيخ الأكبر تدل على حب مشاركة ابن عربي للعلماء، وعلى اهتمامه بالتواصل المعرفي مع الموافق والمخالف، كما تدل الرسالة على سعة اطلاع وإتقان ابن عربي للعلوم كافة ومنها علم الكلام.

لقد وجه ابن عربي في رسالته التي بعثها للرازي نقودا وتوجيهات ونصائح متعددة الجوانب في أربع صفحات احتوت على تسعة عشرة مسألة تنقسم إلى توجيهات وانتقادات، سنقتصر على بعضها هنا إن شاء الله تعالى :


في هذه الفقرة يوجه ابن عربي الرازي إلى الاشتغال بكافة العلوم، والأخذ بكل أبواب المعرفة، فلا يعتمد على وجه واحد من أوحه المعرفة، فإنها تكون ناقصة من جهة المعرفة التي لا تتقيد بوجه، كما أنه قيد للنفس الإنسانية التي كمالها بانفتاحها على كل أوجه المعرفة، بمعنى إن أخذ المعرفة من علم الكلام فحسب نقص في المعرفة ونقص في النفس العارفة كذلك.


ابن عربي هنا يبين أن بحث علماء الكلام هو في المحدثات وتغيرها وأنها تتألف من جواهر وأعراض، وكل واحد منهما يتصف بالحدوث، يعني غاية بحث المتكلم المحدثات، والأولى بحث المسلم في أوصاف ربه لأنه الغاية الحقيقية.

وكلام ابن عربي هنا لا يسلم على إطلاقه إذ عمل المتكلم ليس البحث في المحدثات فحسب، وإنما يبحثون في المحدثات التي هي طريق للتعرف على الخالق سبحانه وتعالى.

إلا أن ابن عربي يريد هنا انشغال المتكلم بالمحدثات دون العمل التزكوي للازدياد من معرفة الله تعالى.

يقول ابن عربي :(فالعقول تعرف الله من حيث كونه موجودا ومن حيث السلب لا من حيث الإثبات وهذا خلاف الجماعة من العقلاء والمتكلمين إلا سيدنا أبا حامد قدس الله روحه ويجل سبحانه وتعالى أن يعرفه العقل بفكره ونظره فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة الله تعالى من حيث المشاهدة).

ابن عربي يوجه انتقاده هنا للمتكلمين جميعا وليس على الأشاعرة فقط.
ابن عربي يذكر قضيتين مهمتين الأولى : العقل يعرف الله من حيث وجوده .

يعني إن العقل النظري والفكر على طريقة المتكلمين غاية ما تصل إليه في باب الإثبات هو إثبات وجوده فحسب هذا أولا.
وعليه فابن عربي يسلم للعقل النظري بوصوله لإثبات وجوده تعالى ، فهو لا يرفض العقل النظري مطلقا ،ويرى أن قادر على إثبات وجوده تعالى .

ولكن هل للعقل النظري أن يكون له معرفة بالله غير وجوده تعالى .

هذه هي القضية الثانية : التي يرى فيها ابن عربي أن العقل يعرف الله بالسلب لا بالإثبات ، وما يؤيد كلام ابن عربي أن بعض علماء المعتزلة أثبت السلوب لله دون صفات الذات .

ولكن قد يقول قائل : أليس الأشاعرة يثبتون لله تعالى صفات الذات أي صفات المعاني، فكيف يقول ابن عربي بأنهم يعرفون الله تعالى من حيث السلب ؟ وبيان ذلك يكون بأن نعرف بأن ابن عربي يتحدث عن المشاهدة وليس العلم المجرد اليقيني، وهو جاء في محكم التنزيل قال تعالى :" شهد الله أنه لا إله إلا هو وأولوا العلم قائما بالقسط " فهذه مرتبة الشهود، وهي مرتبة أعلى من مرتبة العلم العقلي المجرد .

وكذا يؤكد مراد ابن عربي بأن صفات المعاني عند بعض الأشاعرة كان طريق إثباتها السلب، يعني هو يتصف بالقدرة والعلم ،لأنه لا يصح عقلا أن يتصف بالعجز والجهل وهكذا ..

فالمعرفة العقلية غير المشاهدة من حيث الرتبة والحكم .
فالعقل لا يعرف الإثبات إلا من جانب إثبات وجوده تعالى ، وباقي المعرفة من حيث السلب له تعالى .
ولكن هنا علينا أن نبين أن من المتكلمين من أخذ في طريق الإثبات لغير وجوده تعالى طريق العقل أيضا فالعلم والقدرة والإرادة، كمالات عقلية في ذاتها دون النظر سلبها عنه تعالى .

يقول ابن عربي : ( فارفع الهمة في أن لا تأخذ علما إلا من الله تعالى على الكشف فإن عند المحققين أن لا فاعل إلا الله ،فإذن لا يأخذون إلا عن الله ،لكن عقدا لا كشفا ..).

يدعو ابن عربي علماء الكلام إلى الأخذ عن الله كشفا ، ولا يجوز أن تستغربوا هذا الطريق إذ المحققين منكم وهو مذهب الأشاعرة " أنه لا فاعل إلا الله" وتقيمون الأدلة العقلية والنقلية على هذا الأصل ونحن نوافقكم عليه لكن نحن علمناه كشفا وأنتم اعتقادا فحسب .

وعليه خذوا بهذا الأصل المتفق عليه بيننا واطلبوا معرفته منه تعالى كشفا إذ لا فاعل غيره سبحانه على الحقيقة .

وهذا الكلام صحيح حتى على طريقتكم، يقول ابن عربي :(( واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيها الغاية القصوى أداهم فكرهم إلى حال المقلد المصمم فإن الأمر أعظم من أن يقف فيه الفكر، فما دام الفكر موجودا فمن المحال أن يطمئن ويسكن، فللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري، ولها صفة القبول لما يهبه الله تعالى ..)

هنا مسألتان :

الأولى : جزم المتكلم يساوي جزم المقلد، وهذا من حيث النتيجة أي الجزم، وليس من حيث التحصيل، وإلا فإن المتكلم جزمه يتبع الدليل، بخلاف المقلد .

الثانية : المعرفة التي تبنى على الفكر، لا راحة ولا اطمئنان فيها، إذ هي تابعة للفكر الذي قد يظهر له خلاف ما عرف كما ان الفكر في تقلب دائم .

فالعقول لها حد تقف عنده، ولكن يبقى لها باب الوهب مفتوح وهي قابلة لهذا الوهب من حيث هي قابلة له .

ابن عربي يؤمن بقدرات العقل بلا شك ويؤكد على ذلك مرارا، لكنه يرى أنه في مرحلة متقدمة ينتقل من فاعل إلى قابل .
ففي كل مراحل الكشف لا يهمل العقل ولكنه ينتقل من مرحلة إلى أخرى على ما بينها ابن عربي في كتبه .

وفي رأي ابن عربي الخروج من هذه الورطة يكون بالمجاهدات والخلوات التي كان من مصاديقها، الخضر عليه السلام . قال تعالى : {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً}[الكهف:65] يقول ابن عربي :( إن كل موجود عند سبب ذلك السبب محدث مثله فإن له وجهين، وجه ينظر إلى سببه و جه ينظر به إلى موجده وهو الله تعالى، فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم والحكماء والفلاسفة كلهم وغيرهم، إلا المحققين من أهل الله تعالى كالأنبياء والأولياء والملائكة عليهم السلام فإنهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم ...).

يقصد ابن عربي أدلة المتكلمين التي تشتغل بالأسباب، فيشتغلون بالأسباب عن المسبب وهو الله تعالى .

فيتحدث المتكلمون عن العالم وحدوثه، وتفصيلات ذلك من جميع الوجوه، وهو أمر صحيح لا شيء لو أنهم نظروا إلى المسبب وهو الله تعالى ، فإن طريق أهل الله النظر في الأمرين السبب وموجده .

لكن قد يقول المتكلم : لا نسلم هذا ! ونحن ما اشتغلنا بالأسباب وتفصيلاتها إلا لننظر الى الوجه الآخر وهو موجدها. والصحيح أن كلام ابن عربي لا يريد بالنظر الى الوجه الآخر، الذي يحصل عقيب النظر الى السبب، والذي يكون نتيجة النظر في الأسباب التي اوصلتك الى موجدها. وإنما يريد ابن عربي ان تترك هذه الطريقة واللجوء بكليتك للنظر إليه سبحانه وتعالى لأنه الموجد والموجود .

فابن عربي يطلب من الرازي أن يكتفي من النظر بطريقة المتكلمين ويجرب بما يملكه من همة طريقة أهل الله من التوجه إليه سبحانه دون المرور بالأسباب .

يقول ابن عربي: ( أن الحق وإن كان واحدا فإن له إلينا وجوها كثيرة مختلفة فاحذر عن الموارد الإلهيات وتجلياتها من هذا الفصل فليس الحق من كونه ربا عندك حكمه كحكمه من كونه ولا حكمه من كونه رحيما كحكمه من كونه منتقما وكذلك جميع الأسماء).

" الحق" المقصود منه تجليات الأسماء وليس الذات الإلهية .
وتختلف التجليات من مؤمن لآخر فمنهم ناظر إلى انتقامه وآخر إلى هيمنته وآخر إلى رحمته وهكذا فوجوه الحق كثيرة باختلاف تجلياتها .
يقول ابن عربي : ( وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلا ما يكمل فيه ذاته، وينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى من حيث الوهب والمشاهدة ...).

كما يقال :

إذا طلعت الشمس ماذا ينفع المصباح ؟
وإذا صحت القدمان بم تنفع العكاز ؟

فالأدلة في مرحلتها الأولى، وأما بعد ذلك فاجتهد بالذكر والخلوات وتجهز للعلم الوهبي ،فهو الذي يبقى معك في الآخرة.
فعلم الهندسة ينفع في عالم المساحة، فإذا انتقلت تركته في عالمه. 

وأختم بما قاله الدكتور البوطي رحمه الله تعالى في كتابه الحكم العطائية حيث يقول :" إذ الاعتماد على قواعد العلم وبراهينه وإن كان كاعتماد الأعرج أو الضعيف على العكاز الذي يعينه، إلا أنه أداه مفيده وموصلة في نهاية المطاف .. ولكن عليه أن يتلمس أسبابا أخرى لتقوية إيمانه وتحويله من يقين علمي إلى شهود عملي .....". [5]

ثم يقول :" ويلقي بعكاز المحاكمات المنطقية وراءه، جاعلا من شهوده المباشر لصفات الله الظاهرة والباهرة على صفحة المكونات برهانا على صحة تلك المقدمات والبراهين .." [6]

ابن عربي يبعث برسالة مفتوحة لكل من يشتغل بعلم الكلام أن طريقكم نافعة في إثبات وجوده تعالى لكنها عاجزة في مراتب المعرفة الإلهية والتي تكون بطريق الذكر والمجاهدات .

وفي الختام نسأله تعالى التوفيق والسداد لنا ولكم .
--------
بقلم: د. ربيع العايدي / الأردن
رئيس قسم الفلسفة في جامعة باشن الأمريكية.
الأحد 6 / 4 /1444 هـ
31 / 10 / 2022 م
**   **   **
[1] رسائل ابن عربي تقديم محمود محمدالغراب ضبط محمد شهاب الدين العربي دار صادر بيروت رسالة الى الرازي ص239
[2] [4] انظر الدرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل أبي حنيفة الإمام سراج الدين الكوثري ص 295
[3] الفتوحات المكية ج٣ ص٢٢٤
[4] الفتوحات المكية ج٤ ص٣٧٩
[5] الحكم العطائية الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ج١، ٢١٠
[6] المرجع السابق

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق