
مشاكل
وفي حكم شدّة الوارد وقوّته على صاحبه، يقول الإمام ابن تيمية: "فإذا كان لم يصدر منه تفريط ولا عدوان، لم يكن فيه ذنب فيما أصابه. فلا وجه للريبة، كمن سمع القرآن السماع الشرعي، ولم يفرّط بترك ما يوجب له ذلك، وكذا ما يرد على القلوب، مما يسمّونه السكر والفناء ونحو ذلك من الأمور التي تُغيب العقل بغير اختيار صاحبه. فإنه إذا لم يكن السبب محظورا، لم يكن السكران مذموما بل معذورا" (159).
إلا أن العقل لا يغيب بالأحوال الربّانية، التي روحية قلبيّة، لا علاقة لها بالعقل، إذ هي من آثار الحقيقة القلبيّة. والحقيقة تعرف القلوب والأرواح، وتجهل العقول والأفكار... ومن شروطها وخصوصيتها كمال التوازن، وتمام الوعي، وقد تُلْقِي بظلالها على قلب المريد، وترفعه من حال الخشوع إلى حال الغشيان، مع اليقظة والوعي بما يجري حوله. وإن كنّا لم نعلم من يقع له ذلك. وأمّا التعبير بالسكر الحلال، والخمرة الربّانية - عند أصحاب الحقيقة الصوفية - فيرمز به إلى النشاط الباطني والمتعة الروحيّة، التي لا لذّة تماثلها... وإليها أشار بعضهم إذ يقول: "لو علم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف" ولا تعني الغيبوبة العقلية، وإذا وقعت فلأسباب غير ربّانية، أو بانحراف في سلوك المريد، وتُحال على شيخه في التربية الروحيّة، ليعود به إلى التوازن بين الظاهر والباطن، أو بين الحقيقة والشريعة... وبمعيّتنا أساتذة جامعيّون، من العلماء والفلاسفة والاقتصاديين والقانونيين، وغيرهم من الأطباء والمهندسين والمحامين والطلبة وعامة الناس... يذكرون الله كثيرا، وتنتاب بعضهم أحوال باطنية، كالارتعاش والاهتزاز، وشهاق البكاء، والصيحة باسم "الله" ولم نسمع قط بمن غاب عقله بسبب الذكر وتلاوة القرآن، كما أن الفناء الذي ذكره الإمام ابن تيمية بجانب السُّكر لا يعني فناء شيء من المقومات الإيجابية في شخصية المؤمن، وإنما يفنى منه الجانب الحسيّ الماديّ الوهمي السلبي بصفة نهائية، ليبقى فيه ما يبقى في الذهب بعد ذوبانه وصوغه، ومن ثمَّ فالفناء الدائم ليس لفظاً مرادفا للسُّكْر المؤقت، كما وقع في النص، ويجب الفرق بين الأحوال الحقيقية للصوفية، وبين ما ينسب إليهم أو يظن وينقله الكُستاب عن حسن نية.
وقد اتفق الإمام ابن تيمية، مع شيوخ التربية الصوفية - بعد أن سلّم بأحقية الأحوال القوية - على أن أفضل الأحوال هي الهادئة، التي لا تغلب صاحبها. وقد سمعت شيخنا مرة يقول: إني أعجب بحال المريد فلان، وهذا المريد ذاكر بكثرة أخلاقي، يتمتع بسلوك رباني محمدي، وأحواله هادئة تمام الهدوء. يقول الإمام ابن تيمية في إثبات أحقية الأحوال الغالبة المضطربة: "فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء، حتى لا يشعر بنفسه، أو نحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة، وصاحبها صادقا عاجزا عن دفعها، كان محمودا على ما فعله من الخير، وما ناله من الإيمان، معذوراً فيما عجز عنه، وأصابه بغير اختياره. وهم أكمل ممّن لم يبلغ منزلتهم، لنقص إيمانهم، وقسوة قلوبهم، ونحو ذلك من الأسباب، التي تتضمّن ترك ما يحبه الله أو فعل ما يكرهه" (160).
والملاحظ أن السلفيّين الحقيقيين محقّون في إحقاق الحق، إذ يقبلون حتى ما يتحفظ منه شيوخ التربية الصوفية.. إبقاء للمجتمع على نظرته إلى المنهاج الصوفي كطريقة هداية ورحمة وسهولة ويسر... والذي نأخذه عن الإمام ابن تيمية ههنا هو الدليل على أحقية الأحوال الغالبة القوية، إذا وقعت بالفعل، وأما الذهاب بالأحوال الروحية القلبيّة الربّانية إلى درجة الغشي أو الموت أو الجنون أو السكرأو الفناء، وإلى درجة يغيب فيها الذاكر عن الوجود، ويمكن أن يحكم عليه بنقض الوضوء في حضرة الله - ونحن في عصر الذرّة - فإنه لا يقع في سلوك المريد، الذي له رفيق روحي، وشيخ مربّ حقيقي، مأذون له في التربية الروحيّة.. وهل وقع في سلوك الإمام الغزالي، أو الإمام الشعراني، أو الإمام أبي طالب المكّي، أو الإمام الجنيد، أو الإمام السيوطي، أو شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام...؟ إنما يقع في أحوال المجاذيب، أو أحوال من يحاول أن يربّي نفسه بدون شيخ يراقب أحواله. ويجب سدّ كلّ طريق.. يؤدّي إلى هذا الخطر.
وفي الأحوال التي يفضّلها الإمام ابن تيمية، كما يفضّلها شيوخ التربية الصوفية، مع إثبات أحقيّة الجميع استدرك، فقال: "لكن من لم يزل عقله، مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله، أو أكمل منه، فهو أفضل منهم. وهذه حال الصحابة رضوان الله عليهم. وهو حال نبيّنا. فإنه أُسري به إلى السماء، وأراه الله ما أراه، وأصبح كبائت، لم يتغيّر عليه حاله. فحاله أفضل من حال موسى، الذي خرّ صعقا لمّا تجلى ربّه للجبل. وحال موسى حال جليلة فاضلة، لكن حال محمد ﷺ أكمل وأعلى وأفضل" (161).
الحق ما قال، إلا أن هناك فرقا بين حال سيدنا محمد، الذي منّ الله عليه بالإسراء، بدون طلب منه، كما تجلى في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىٰ﴾ (162) وعُرِج به رفقة جبريل بأمر من الله إلى السماء، وبين حال سيدنا موسى، الذي طلب رؤية ربّه، فجاء الردّ قويا، كما تجلى في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (163) تاب من طلب رؤية ربّه، وسيدنا محمد لم يطلبها ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ﴾إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ (164) فاتّضح الفرق بين شدّة حال سيدنا موسى في الصعق ، جوابا على طلب رؤية ربه ، وحال سيدنا محمد الذي عُرِج به لتلقّي الوحي ، دون طلب أو اختيار منه.
وفي موضوع حال شدة الخوف من الله ، وترك ما ينبغي من خلق توازن بين الخوف والرجاء ، يقول الإمام ابن تيمية : "قد رُوي أن عطاء السليمي رؤي بعد موته ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : قال لي : أَمَا تستحي أن تخافني كلّ هذا الخوف ؟ أما بلغك أني غفور رحيم ؟" وقد رأى أنّه حال أكمل وأفضل ، فقال : "إن الذي يذكرونه من خوف عتبة الغلام ، وعطاء السليمي وأمثالهما أمر عظیم. ولا ريب أن حالهم أكمل ، وأفضل ممّن لم يكن عنده من خشية الله ما قابلهم ، ويفضل عليهم" (165)
(159 - فتاوي 11 / 10) — (ص 144)
(160 - فتاوي 11 / 12)
161 - فتاوي 11 / 12
162 - سورة الإسراء: 1
163 - سورة الأعراف: 143
164 - سورة النجم : 4-12