الرئيسية » » مفهوم الإذن عند السادة الصوفية

مفهوم الإذن عند السادة الصوفية

/ الأحد، 20 مارس 2016 12:25:00 م

مفهوم الإذن عند السادة الصوفية

إذا قيل بأن الشيخ مأذون من عند الله تعالى، فهل هذا الإذن مباشرة أو من طرف الرسول صلى الله عليه و سلم، أو بواسطة الشيخ الذي تربى و تتلمذ على يديه الشيخ المأذون له في الدعوة؟

وإذا كان أحد هذه الاحتمالات مسلم به فكيف تم هذا الإذن و متى، خاصة إذا قيل بأنه من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه و سلم؟.
****
    و الجواب عن هذه التساؤلات بحسب خلفياتها و بواعثها يكون كالتالي:
- إذا قلنا بأن الشيخ مأذون من عند الله تعالى، فالحكم الشرعي كما سبق و رأينا وارد في هذا المعنى و مؤيد إمكان وقوعه، و "الله يختص برحمته من يشاء" و " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ".
    أما كيف تم هذا الإذن و متى؟ فهذا من خصوصيات الشخص المأذون له، و هو سر الله في خلقه، كما ورد في الحديث القدسي " الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي" عن جبريل عن النبي صلى الله عليه و سلم عن الله سبحانه و تعالى.
فكما أن الإخلاص سر الله في عباده الصالحين فإذنه لهم بالدعوة هو سر الأسرار و قد يكون بالتحديث إلهاما و علما لدنيا إما بخاطر رباني أو ملكي، صريح أو ذوقي كما يمكن استلهام إمكانه من خلال قوله تعالى " فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما"و"اتقوا الله و يعلمكم الله".
    و كذلك الأحاديث النبوية من بينها قول النبي صلى الله عليه و سلم" من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " و " لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر "، و في رواية " لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر".
و أفضل ما في الحديث و الإلهام هو الإذن الحاث بالإشارة أو التصريح على النهوض للدعوة الى الله تعالى، و تحقيق الصلاح للأمة وتجديد أمر دينها. وهذا أمر ممكن و وارد شرعا و عقلا، و المجادل فيه قوله عليه مردود.
فالمأذون له في الدعوة أو التعبير حسب شرح حكمة لابن عطاء الله السكندري، هو "الذي يتكلم لله و بالله و في الله، و لذلك كان كلامه صوابا " قال الجنيد "الصواب كل نطق عن إذن، كأنه يشير بهذا الى قوله تعالى: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا" فإذا قرع أسماع السامعين كلامه فهمت في مسامعهم عبارته، فلم يفتقروا الى معاودة و لا تكرار، وجليت إليهم إشارته فلم يحتاجوا معها الى إطناب و لا إكثار، بخلاف غير المأذون له في ذلك".

    فالحقائق كما يقول الشيخ أحمد زروق ما يقع من نكت الإلهام بالأمور العرفانية بالقلب، و يتمكن منها ، و لها صورة في النفس و عبارة في الخارج إذا تم نورها ظهر في الباطن و الظاهر و العبارة ما يشهد لصاحبها بالتحقق، ثم إذا أذن له في التعبير عنه برزت بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار، و إلا ظهرت بنعوت الظلمة كأنها شمس اعتراها كسوف لا تكاد تقبل لثقلها و لا تظهر لبعدها ولا تسمع لامتجاجها".
و لسنا الآن بصدد التفصيل في موضوع الإذن و نتائجه و ثمراته، إذ هذا الموضوع يحتاج الى دراسة خاصة به، و إنما نريد من خلال عرضه ضمن خصوصيات الشخصية الروحية لشيخنا سيدي حمزة كتأكيد علمي على أن مسلك الشيخ في طريقته ليس ذاتيا أو عرضيا و ظرفيا، يتغير بحسب زئبقية الأهواء والضغوط و الاستفزازات، أو الانتقادات اللاغية والعشوائية قصد صرف الناس عن الاستجابة الى الدعوة المأذونة و مضمون وسيلتها و غايتها.
    فالإذن كما بينا وارد حكمه و ممكن وقوعه شرعا و عقلا، و المجادل في استبعاده من الإرث النبوي و تبعية الدعوة يكون قريبا من حيث باعث اعتراضه لمزاعم قريش حينما اعترضوا على الرسول صلى الله عليه و سلم في إخباره لهم بأنه موحِى إليه من عند الله تعالى رغم أنه جاءهم بمعجزة القرآن الكريم وبدليل صدقه فيهم، وذلك من باب حسدهم له و غلف قلوبهم بحجاب المعاصرة رغم إقرارهم جماعيا له بالصدق كأهم خاصية خلقية لشخصه الكريم، إذ حينما قال لهم، أرأيتم إن حدثكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا نعم. قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" و في رواية قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا" الحديث.

د. محمد بنيعيش

0 التعليقات: