الرئيسية » » القبض والبسط عند الصوفية

القبض والبسط عند الصوفية

/ الأحد، 1 يناير، 2017 7:15:00 م

القبض والبسط عند الصوفية

البسط والقبض اصطلاحاً :

« يستخدم الصوفية البسط ضد القبض... ويريدون بالقبض غلبة الخوف، وبالبسط غلبة الرجاء على القلب، فإذا خاف الصوفي من وعيد الله كان قبضاً وإذا رجا صوفي وعد الله ونعيم الله كان بسطاً، ويرى بعض أئمة الصوفية أن الله تعالى إذا كاشف عبداً بنعت جلاله قبضه، وإذا كاشفه بنعت جماله بسطه ».
« البسط : هو عندنا من يسع الأشياء ولا يسعه شيء وقيل هو حال الرجاء وقيل هو واردٌ توجبه إشارة إلى قبول ورحمة وأنس ».

« القبض : حال الخوف في الوقت وقيل واردٌ يرد على القلب توجبه إشارة إلى عتاب وتأديب وقيل أحد وارد الوقت ».

يقول ابن عجيبة في البحر المديد:"حالتان تتعاقبان على القلوب تعاقب الليل والنهار ، فإذا غلب حال الخوف كان مقبوضاً ، وإذاغلب حال الرجاء كان مبسوطاً ، وهذا حال السائرين . أما الواصلون فقد اعتدل خوفهم ورجاؤهم ، فلا يؤثر فيهم قبض ولا بسط ، لانهم مالكوا الأحوالَ .
قال القشيري : فإذا كاشف العبدَ بنعت جماله بسطَه ، وإذا كاشفه بنعت جلاله قَبضه . فالقبض يوجب إيحاشَه ، والبسط يُوجب إيناسه ، واعلم أنه يَرُدُّ العبد إلى حال بشريته ، فيقبضه حتى لا يُطيق ذَرَّة ، ويأخذه مَرَّة عن نعوته ، فيجد لحمل ما يَرِدُ عليه قدرة وطاقة ، قال الشَّبْلِي رضي الله عنه :"من عَرَفَ الله حمَل السماوات والأرض على شعرة من جَفْن عينه ، ومن لم يعرف الله جلّ وعلا لو تعلق به جَناح بعوضة لضجَّ ".
وقال أهل المعرفة : أذا قَبض قَبض حتى لا طاقة ، وإذا بسط بسط حتى لا فاقة ، والكل منه وإليه . ومن عرف أن الله هو القابض الباسط ، لم يَعتِب أحداً من الخلق ، ولا يسكن إليه في إقبال ولا إدبار ، ولم ييأس منه في البلاء ، ولا يسكُن إليه في عطاء ، فلا يكون له تدبير أبداً . ولكلٍّ من القبض والبسط آداب ، فآداب القبض : السكون تحت مجاري الأقدار ، وانتظار الفرج من الكريم الغفار . وآداب البسط : كف اللسان ، وقبض العنان ، والحياء من الكريم المنان . والبسط مَزَلَّة أقدام الرجال . قال بعضهم : "فُتح عليَّ بابٌ من البسط فزللتُ زَلَّة ، فحُجِبْتُ عن مقامي ثلاثين سنة" . ولذلك قيل : قف على البساط وإياك والانبساطَ .

واعلم أن القبض والبسط فوق الخوف والرجاء ، وفوق القبض والبسط : الهيبة والأنس فالخوف والرجاء للمؤمنين ، والقبض والبسط للسائرين ، والهيبة والأنس للعارفين ، ثم المحو في وجود العين للمتمكنين ، فلا هيبة لهم ، ولا أنس ، ولا علم ، ولا حس" .
يقول الشيخ أحمد بن عجيبة : « البسط : هو فرح يعتري القلب أو الأرواح : أما بسبب قرب شهود الحبيب ، أو شهود جماله ، أو بكشف الحجاب عن أوصاف كماله وتجلي ذاته ، أو بغير سبب » .
ويقول :« آداب البسط : كف الجوارح عن الطغيان وخصوصاً جارحة اللسان ، فإن النفس إذا فرحت بطرت وخفت ونشطت فربما تنطق بكلمة لا تلقي لها بالاً فتسقط في مهاوي القطيعة بسبب سوء أدبها ، ولذلك كان البسط مزلة أقدام ...
ولأجل هذا كان العارفون يخافون من البسط أكثر من القبض » .
يقول الإمام القشيري القبض والبسط : وهما حالتان بعد ترقي العبد عن حالة الخوف والرجاء . والقبض للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف . والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف .
ومن الفصل بين القبض والخوف والبسط والرجاء ، أن الخوف إنما يكون في شيء في المستقبل ، إما أن يخاف فوت محبوب أو هجوم محذور ، وكذلك الرجاء إنما يكون بتأميل محبوب في المستقبل أو بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه في المستأنف .
وأما القبض : فلمعنى حاصل في الوقت وكذلك البسط ، فصاحب الخوف والرجاء تعلق قلبه في حالتيه بآجله ، وصاحب القبض والبسط أُخيذ وقته بوادر غلب عليه في عاجله » .
ويقول : « القبض والبسط …عبارة عن غلبة الخوف والرجاء على العبد ، فمن غلب على قلبه الخوف كان من أهل القبض ، ومن غلب على قلبه الرجاء كان من أهل البسط ، فإذا كاشف عبداً بنعت جلاله قبضه ، وإذا كاشفه بنعت جماله بسطه »
ويقول الشيخ نجم الدين الكبرى :« القبض و البسط … أعلى من الخوف والرجاء بدرجة من قِبَل : أن الخوف والرجاء سببهما العلم ، والقبض والبسط سببهما تصرف القدرة القديمة فيه ، والعلم تتطرق إليه آفة كالنسيان أو الاشتغال بذكر مخالفة أو ضده مع أن ذكرهما يتعلق بفعل المختار ، بخلاف القبض و البسط فإن سببهما القدرة القديمة وتلك لا تتطرق آفة ولا معارض ولا مانع ولا تتعلق باختيار السيار بل باختيار الواحد القهار . ولأن القبض والبسط ذوق في القلب والأجساد ، والخوف والرجاء ذوق في القلوب دون الأجساد » .
يقول الشيخ أبو عبد الله الروذباري :« القبض أول أسباب الفناء ، والبسط أول أسباب البقاء» .
يقول الشيخ ابن عربي : « البسط عندنا : حال حكم صاحبه أن يسع الأشياء ولا يسعه شيء ... ولولا البسط الإلهي ما تمكن لأحد من خلق الله أن يتخلق بجميع الأسماء الإلهية ، وأعظم تعريف في البسط الإلهي :"إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ" » .

القبض والبسط عند العوام والخواص وخواص الخواص

يقول الشيخ أحمد بن عجيبة القبض والبسط يتعاقبان على السالك تعاقب الليل والنهار ، فالعوام : إذا غلب عليهم الخوف انقبضوا ، وإذا غلب عليهم الرجاء انبسطوا .
والخواص : إذا تجلى لهم بوصف الجمال انبسطوا وإذا تجلى لهم بوصف الجلال
انقبضوا .وخواص الخواص : استوى عندهم الجلال والجمال ، فلا تغيرهم واردات الأحوال لأنهم بالله ولله لا لشيء سواه » .
في الفرق بين القبض والبسط
يقول الشيخ السراج الطوسي : « القبض والبسط حالان شريفان لأهل المعرفة ، إذا قبضهم الحق أحشمهم عن تناول القوام والمباحات والأكل والشرب والكلام ، وإذا بسطهم ردهم إلى هذه الأشياء وتولى حفظهم في ذلك » .
ويقول الشيخ أبو علي الدقاق :« القبض حق الحق منك ، والبسط حق العبد منه ، ولأن تكون بحقه منك أتم من أن تكون بحظك منه » .
ويقول الشيخ عمر السهروردي :« القبض والبسط لهما موسم معلوم ووقت محتوم لا يكونان قبله ولا يكونان بعده ، ووقتهما وموسمهما في أوائل حال المحبة الخاصة لا في نهايتها ، ولا قبل حال المحبة الخاصة . فمن هو في مقام المحبة الثابتة بحكم الإيمان لا يكون له قبض ولا بسط ، وإنما يكون له خوف ورجاء ، وقد يجد شبه حال القبض وشبه حال البسط ، ويظن ذلك قبضاً وبسطاً ، وليس هو ذلك ، وإنما هو هم يعتريه فيظنه قبضاً ، واهتزاز نفساني ونشاط طبعي يظنه بسطاً ... فإذا ارتقى من حال المحبة العامة إلى أوائل المحبة الخاصة يصير ذا حال وذا قلب وذا نفس لوامة ، ويتناوب القبض والبسط فيه عند ذلك ، لأنه ارتقى من رتبة الإيمان إلى رتبة الإيقان وحال المحبة الخاصة ، فيقبضه الحق تارة ويبسطه أخرى ..واعلم أن وجود القبض لظهور صفة النفس وغلبتها ، وظهور البسط لظهور صفة القلب وغلبته ... فإذا ارتقى من القلب وخرج من حجابه لا يقيده الحال ولا يتصرف فيه ، فيخرج من تصرف القبض والبسط حينئذ ، فلا يقبض ولا يبسط ما دام متخلصاً من الوجود النوراني الذي هو القلب ، ومتحققاً بالقرب من غير حجاب النفس والقلب ، فإذا عاد إلى الوجود من الفناء والبقاء ، يعود إلى الوجود النوراني الذي هو القلب ، فيعود القبض والبسط إليه عند ذلك ، ومهما تخلص إلى الفناء والبقاء فلا قبض ولا بسط … ثم أن القبض قد يكون عقوبة الإفراط في البسط ، وذلك أن الوارد من الله تعالى يرد على القلب فيمتلئ القلب منه روحاً وفرحاً واستبشاراً ، فتسترق النفس السمع عند ذلك وتأخذ نصيبها ، فإذا وصل أثر الوارد إلى النفس طغت بطبعها وأفرطت في البسط حتى تشاكل البسط نشاطاً ، فتقابل بالقبض عقوبة ، وكل القبض إذا فتش لا يكون إلا من حركة النفس وظهورها بصفتها …
أما القبض والبسط فينعدمان عند صاحب الإيمان لنقصان الحظ من القلب ، وعند صاحب الفناء والبقاء والقرب لتخلصه من القلب ... ومن عدم القبض والبسط وارتقى منهما فنفسه مطمئنة ... بطبع القلب فيجري القبض والبسط في نفسه المطمئنة ، وما لقلبه قبض ولا بسط ، لأن القلب متحصن بشعاع نور الروح مستقر في دعة القرب فلا قبض ولا بسط »
أسباب البسط :
يقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي : « من كان في البسط فلا يخلو أما أن يعلم سبباً أو لا يعلمه ، فالأسباب ثلاثة :
السبب الأول : زيادة الطائع ، أو نوال من المطاع كالعلم والمعرفة .
السبب الثاني : زيادة في دنيا : بكسب ، أو كراهة ، أو هبة ، أو صلة .
السبب الثالث : بالمدح والثناء من الناس ، وإقبالهم عليك ، وطلب الدعاء منك ، وتقبيل يدك .
فإذا ورد عليك البسط من أحد هذه الأسباب فالعبودية تقتضي أن ترى النعمة والمنة من الله تعالى عليك في الطاعة والتوفيق فيها وبتيسير أسبابها . واحذر أن ترى شيئاً من ذلك من نفسها أو حظها ، وأن يلازمك الخوف ، خوف السلب مما به أنعم عليك فتكون ممقوتاً، هذا في جانب الطاعة والنوال من الله تعالى .
وأما الزيادة من الدنيا ، فهي نعم أيضاً كالأولى ، وخَفْ مما بطن من آفاتها ...
وأما مدح الناس لك ... فالعبودية تقتضي شكر النعمة بما سرى عليك ، وخف من الله أن يظهر ذرة مما بطن منك فيمقتك أقرب الناس إليك .
وأما البسط الذي لا تعرف له سبباً فحق العبودية ترك السؤال والإدلال » .
من أقوال الصوفية:
يقال : القبض لسره ، والبسط لكشفه .
ويقال : القبض للمريدين ، والبسط للمرادين .
ويقال القبض للمتسابقين ، والبسط للعارفين .
ويقال : يقبضك عنك ثم يبسطك به .
ويقال : القبض حقه والبسط حظك .
ويقال : القبض لمن تولى عن الحق والبسط لمن تجلى له الحق .
ويقول الشيخ ابن عطاء الله السكندري : « ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط » .
ويقول : « بسطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه .ويقول : «العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا ، ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل ».
ويقول : «البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح ، والقبض لا حظ للنفس فيه » .

0 التعليقات: