-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيقاظ الهمم في شرح الحكم(4)

ولما كانت همة الفقير المتجرد لا تخطيء في الغالب لقوله عليه السلام:" أن لله رجالاً لو أقسموا على الله لا برهم في قسمهم" قال شيخنا: "ولله رجال إذا إهتموا بالشيء كان بإذن الله" وقال أيضاً عليه السلام: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" خشى الشيخ أن يتوهم أحد أن الهمة تخرق سور القدر وتفعل ما لم يجر به القضاء والقدر فرفع ذلك بقوله: 

(سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار)


قلت السوابق جمع سابقة وهي المتقدمة والهمم جمع همة والهمة قوة انبعاث القلب في طلب الشيء والإهتمام به فإن كان ذلك الأمر رفيعاً كمعرفة الله وطلب رضاه سميت همة عالية وإن أمراً خسيساً كطلب الدنيا وحظوظها سميت همة دنية. ان الهمم لا تخرق أسوار الأقدار فهمة العارف تتوجه للشيء فإن وجدت القضاء سبق به كان ذلك بإذن الله وإن وجدت سور القدر مضروباً عليه لا تخرقه بل تتأدب معه وترجع لوصفها وهي العبودية فلا تتأسف ولا تحزن بل ربما تفرح لرجوعها لمحلها وتحققها بوصفها وقد كان الشيخ سيدي علي رضي الله عنه يقول:" نحن إذا قلنا شيئاً فخرج فرحنا مرة واحدة وإذا لم يخرج فرحنا عشر مرات" وذلك لتحققه بمعرفة الله. قيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك؟ قال بنقض العزائم، وقد يحصل هذا التأثير للهمة القوية وإن كان صاحبها ناقصاً كما يقع للساحر عن خبثه أو لخاصية جعلها الله فيها إذا نظرا لشيء بقصد انفعل ذلك بإذن الله وهذا كله أيضاً لا يخرق أسوار الأقدار بل لا يكون إلا ما أراد الواحد القهار قال تعالى: " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " وقال تعالى: " إنا كل شيء خلقناه بقدر " وقال تعالى: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " وقال صلى الله عليه وسلم:" كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس" أي النشاط للفعل. وإذا كانت الهمة لا تخرق أسوار الأقدار فما بالك بالتدبير والإختيار الذي أشار إليه بقوله:

( أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك)


التدبير في اللغة هو النظر في الأمور وأواخرها وفي الإصطلاح هو كما قال الشيخ زروق رضي الله عنه: "تقدير شؤون يكون عليها في المستقبل بما يخاف أو يرجى بالحكم لا بالتفويض فإن كان مع تفويض وهو أخروي فنية خير أو طبيعي فشهوة أو ديوي فأمنية" فاقتضى كلامه أن التدبير على ثلاثة أقسام: قسم مذموم وقسم مطلوب وقسم مباح، فأما القسم المذموم فهو الذي يصحبه الجزم والتصميم سواء كان دينياً أو دنيوياً لما فيه من قلة الأدب وما يتعجله لنفسه من التعب إذ ما قام به الحي القيوم عنك لا تقوم به أنت عن نفسك وغالب ما تدبره لنفسك لا تساعده رياح الأقدار، وتعقبه الهموم والأكدار، ولذلك قال أحمد بن مسروق:" من ترك التدبير فهو في راحة"، وقال سهل ابن عبد الله :"ذروا التدبير والإختيار فإنهما يكدران على الناس عيشهم"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ان الله جعل الروح والراحة في الرضى واليقين"، وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: "لا تختر من أمرك شيئاً واختر أن لا تختار وفر من ذلك المختار ومن فرارك ومن كل شيء إلى الله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار" وقال أيضاً:" إن كان ولا بد من التدبير فدبر إن لا تدبر" وقيل:" من لم يدبر دبر له" وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه:" من أوصاف الولي الكامل أن لا يكون محتاجاً إلا إلى الحال الذي يقيمه مولاه في الوقت" يعني ماله مراد إلا ما يبرز من عنصر القدرة. فكلام هؤلاء السادات محمول على ما إذا كان بالنفس مع الجزم وإما ما كان مع التفويض فليس بمذموم ما لم يطل وأما القسم المطلوب فهو تدبير ما كلفت به من الواجبات وما ندبت إليه من الطاعات مع تفويض المشيئة والنظر إلى القدرة وهذا يسمى النية الصالحة وقد قال عليه السلام:" نية المؤمن خير من عمله" وقال أيضاً حاكياً عن الله سبحانه:" إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها كُتِبَتْ له حسنة كاملة" الحديث، ولذلك قال إبراهيم الخواص رضي الله عنه:" العلم كله في كلمتين لا تتكلف ما كفيت ولا تضيع ما استكفيت" فقوله لا تتكلف ما كفيت هو القسم الأول المذموم وقوله ولا تضيع ما استكفيت هو القسم الثاني المطلوب وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه:" وكل مختارات الشرع وترتيباته ليس لك منه شيء إنما هو مختار الله لك وأسمع وأطع وهذا محل الفقه الرباني والعلم الألهامي وهو أرض لتنزل علم الحقيقة المأخوذة عن الله تعالى لمن استوى" وقوله لمن استوى أي كمل عقله وتمت معرفته واستوت حقيقته مع شريعته لكن لا ينبغي الإسترسال معه فيشغله عن الله وأما القسم المباح فهو التدبير في أمر دنيوي أو طبيعي مع التفويض للمشيئة والنظر لما يبرز من القدرة غير معول على شيء من ذلك وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم :"التدبير نصف العيش" بشرط أن لا يردده المرة بعد المرة فالقدر المباح منه هو مروره على القلب كالريح يدخل من طبق ويخرج من أخرى وهذا هو التدبير بالله وهو شأن العارفين المحققين وعلامة كونه بالله أنه إذا برز من القدرة عكس ما دبر لم ينقبض ولم يضطرب كما قال الشاعر:
اتبع رياح القضا ودُرْ حيث دارت      وسَلِّم لسَلمى وسِرْ حيثُ سارَت 

وقال في التنوير فائدة: اعلم أن الأشياء إنما تذم وتمدح بما تؤدي إليه فالتدبير المذموم ما شغلك عن الله وعطلك عن القيام بخدمة الله وصدك عن معاملة الله والتدبير المحمود هو الذي يؤديك إلى القرب من الله ويوصلك إلى مرضاة الله... فهذا تحرير ما ظهر لي في شأن التدبير وقد ألف الشيخ رضي الله عنه فيه كتاباً سماه التنوير في أسقاط التدبير أحسن فيه وأجاد ومرجعه إلى ما ذكرنا والله تعالى أعلم.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016