-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

كتاب : الحقيقة القلبية الصوفية / أحمد لسان الحق (25).

الفصل الثاني 

المعرفة والعلم والدعاة إلى الله والوسطاء

المبحث الأول

المعرفة بين العقل والقلب والروح وحديث "مَن عَرفَ نفسَهُ عَرفَ رَبَّهُ"والمعركة بين الفلاسفة والعلماء والمفكّرين والصوفيّة حول من يقدر على اكتشاف الحقيقة الغيبيّة


المعرفة من حيث هي معرفة شريفة ، وأشرفها ما به يُعبد الله ويوَحَّد . حيث تستمدَّ شرفها من شرف المشرّع ، والغاية التي شرعت من أجلها وأكثر منها شرفا وقداسة ما به يُعرف سبحانه وتعالى . حيث تستمدّ قداستها من ذات المقدّس . والقداسة لا تكون إلاّ لله أو ما يتَّصل بذاته وأسمائه وصفاته ، وكلامه القديم .

والمعرفة حادثة يسبقها جهل ، والعلم أزليّ قديم . ومن ثمّ فالله يوصف بالعلم ، ولا يوصف بالمعرفة ، فنقول -مثلا- : الله عالم ، ولا نقول : الله عارف ، ونقول فلان عارفٌ بالله ، إذا ثبتت له المعرفة حقيقة ، وإذا قلنا : فلان عالم فعلى المجاز ، إذ العالم بحق هو الله ، كما تجلّى في قوله تعالى في العبد الصالح ، الذي طلب منه موسى عليه السلام أن يعلّمَه مما عُلِّم : (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) وإن كان الله تعالى هو الذي يمدّ بكل شيء سواء المعرفة أو العلم.

والمعرفة -كالعلم- إذا أُطلقت تشمل الظاهر والباطن ، أو علم الحقيقة الشرعيّة والقلبيّة . وهو ما يعنيه قول ابن خلدون :" صار علم الشريعة على صنفيْن : صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا... وصنف مخصوص بالقوم -الصوفيّة- في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها " إلاّ أنّ الفقهاء وأهل الفتيا يركّزون أكثر على المعرفة الظاهرة ، إذ بها تقوم الحجّة على العباد ، ويترتّب العقاب والجزاء ، وأصحاب الحقيقة القلبيّة ، ومن شرب مشرَبهم يركّزون أكثر على المعرفة القلبيّة ، إذ يرون أنّ المعرفة القلبيّة مصدر الاستقامة على الشريعة ، وأنّه بصلاح الباطن يصلح الظاهر . بمعنى أن من طهر قلبه ، وصفت سريرته ، وصلَح ما بينه وبين الله صلح كلّ ما يصدر عنه من أقوال وأعمال وسلوك ومعاملات... مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلّم : «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» والمضغة التي عبَّر بها عن القلب تعني الباطن ، والجسد الذي عبَّر به عن الأحوال يعني الظاهر ، والمعرفة الإلهيّة تنطلق من الباطن . فرأى أصحاب الحقيقة القلبيّة أن القلب على مستوى الباطن ، هو الذي يحرّك الظاهر ، ويدبّر أحواله ، وأنّ الروح هي التي تحرّك المادّة ، وتدبّر أحوالها ، كما سيأتي في كلام عزّ الدين بن عبدالسلام .

وقد ضربوا المثل لإمداد الباطن للظاهر بدور القلب بالنسبة للجوارح ، وبدور الملِك بالنسبة للرعيّة . فالأوامر تصدر شعوريّا ووجدانيّا من القلب إلى الجوارح ، كما تصدر قولا من الملِك إلى الرعية . والجوارح تنفّدُ ما يريده القلب من حقّ أو باطل ، كما تُنفّد الرعيّة ما يريده الملِك من عدل أو جور. وقد تقدّم في كلام ابن تيميّة أنّ الجوارح لا تتخلّفُ عمّا يريده القلب . وصلاح الأوامر وفسادها يعود إلى مُصدرها ، هل هو صالح ، فيُصدر ما هو صالح ، أو فاسد ، فيُصدر ما هو فاسد . والعبرة في قول الخليفة عمر : (إنّ النّاس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أَئمّتُهُم وهُداتهم) (90) إمام الجوارج هو القلب ، وإمام المسلمين هو عمر ، وعمر لا يصدر عنه للمسلمين إلاّ ما هو صالح ، كما أنّ أصحاب الحقيقة القلبيّة من الأولياء العارفين لا يصدر عن قلوبهم لجوارحجم إلاّ ما هو صالح . فكان من خصوصية أصحاب الحقيقة القلبيّة أنّهم يركّزون على القلب ، كمصدر الصلاح ، وأساس كل خير وفضيلة ،ويرون أنّ على المؤمن أن يحاول إصلاح قلبه ومعرفة حقيقة نفسه ، كوسيلة إلى معرفة خالقه ، كما تجلّى في آرائهم حول حديث :(مَن عَرفَ نَفسَهُ عَرفَ رَبَّهُ) والنّص قيل حديث ، وبلفظه متداول . وقد سئل عنه الإمام السيوطي عن الزركشي في "الأحاديث المشتهرة" أنّ ابن السّمعاني ذكر أنّه من كلام يحيى بن معاذ الرازي ، ويحيى بن معاذ من صالحي الأمّة ، وقد ذكر البعض أنّ النص من كلام السّلف الصّالح .

ولأهمية المعنى الذي تطرّق إليه ، أُعطيت له أهمية كبيرة ، وتناولته أقلام العلماء -ما بين الشريعة والحقيقة- بمختلف الآراء ، حتى أنّني قد رأيت في قسم المخطوطات والوثائق من الخزانة العامّة في الرباط كتابا مخطوطا تحت عنوان "من عرف نفسه عرف ربّهُ" واهتمام العلماء بالنصّ ، وما يحمله أو يحتمله من المعاني ، دون اعتبار السند ، يحمل على أنّه ليس بحديث مرفوع ، خاصّة أنّه لم يتناول الجانب الدينيّ الشرعيّ . وإنّما تناول معنًى من المعاني التي يسميها العقلانيّون بالفكرة الفلسفيّة . وإن كان يخاطب القلوب ، التي بها يعرف الله ، والفكرة الفلسفيّة تخاطب العقول . وقد نقل الإمام السيوطي آراءالعلماء تحت عنوان "القول الأشبه في حديث من عرف نفسه عرف ربّه"(91) وهي كما يلي :

في معناه قال الإمام النووي : من عرف نفسه بالضعف والافتقار إلى الله والعبودية له عرف ربه بالقوة والربوبية والكمال المطلق والصفات العلى ، وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في " لطائف المنن " : سمعت شيخنا أبا العباس المرسي يقول : في هذا الحديث تأويلان : 

أحدهما : أي من عرف نفسه بذلها وعجزها وفقرها عرف الله بعزه وقدرته وغناه ، فتكون معرفة النفس أولا ثم معرفة الله من بعد . والثاني : أن من عرف نفسه فقد دل ذلك منه على أنه عرف الله من قبل ، فالأول حال السالكين ، والثاني حال المجذوبين . 
وقال أبو طالب المكي في " قوت القلوب " : معناه إذا عرفت صفات نفسك في معاملة الخلق وأنك تكره الاعتراض عليك في أفعالك وأن يعاب عليك ما تصنعه عرفت منها صفات خالقك ، وأنه يكره ذلك فارض بقضائه وعامله بما تحب أن تعامل به . أما سلطان العلماء الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام ، الذي يبدو أنّه نفد نسبيا إلى عمق المعنى ، مركّزا على الشرح بالإشارة ، فقد قال : قد ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه وهو أن الله سبحانه وتعالى وضع هذه الروح الروحانية في هذه الجثة الجثمانية لطيفة لاهوتية موضوعة في كثيفة ناسوتية دالة على وحدانيته وربانيته ، ووجه الاستدلال بذلك من عشرة أوجه : 

1 - أن هذا الهيكل الإنساني لما كان مفتقرا إلى مدبر ومحرك وهذه الروح مدبرة ومحركة علمنا أن هذا العالم لا بد له من مدبر ومحرك . 
2 - لما كان مدبر الهيكل واحدا وهو الروح علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره ، ولا جائز أن يكون له شريك في ملكه ، قال الله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (92) وقال تعالى : (لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ) (93) وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (94). 
3 - لما كان هذا الجسد لا يتحرك إلا بإرادة الروح وتحريكها له علمنا أنه مريد لما هو كائن في كونه لا يتحرك متحرك بخير أو شر إلا بتقديره وإرادته وقضائه . 
4 - لما كان لا يتحرك في الجسد شيء إلا بعلم الروح وشعورها به لا يخفى على الروح من حركات الجسد وسكناته شيء علمنا أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . 
5 - لما كان هذا الجسد لم يكن فيه شيء أقرب إلى الروح من شيء ، بل هو قريب إلى كل شيء في الجسد ، علمنا أنه أقرب إلى كل شيء ، ليس شيء أقرب إليه من شيء ، ولا شيء أبعد إليه من شيء ولا بمعنى قرب المسافة ؛ لأنه منزه عن ذلك . 
6 - لما كان الروح موجودا قبل وجود الجسد ويكون موجودا بعد عدم الجسد علمنا أنه سبحانه وتعالى موجود قبل كون خلقه ، ويكون موجودا بعد فقد خلقه ما زال ولا يزال وتقدس عن الزوال . 
7 - لما كان الروح في الجسد لا يعرف له كيفية علمنا أنه مقدس عن الكيفية . 
8 - لما كان الروح في الجسد لا يعلم له أينية علمنا أنه منزه عن الكيفية والأينية فلا يوصف بأين ولا كيف بل الروح موجودة في كل الجسد ما خلا منها شيء من الجسد ، وكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود في كل مكان ما خلا منه مكان وتنزه عن المكان والزمان . 
9 - لما كان الروح في الجسد لا يدرك بالبصر ولا يمثل بالصور علمنا أنه لا تدركه الأبصار ولا يمثل بالصور والآثار ولا يشبه بالشموس والأقمار : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . 
10 - لما كان الروح لا يحس ولا يمس علمنا أنه منزه عن الحس والجسم واللمس والمس ، فهذا معنى قوله : من عرف نفسه عرف ربه ، فطوبى لمن عرف وبذنبه اعترف .(95)
قال الإمام السيوطي : وفي هذا الحديث تفسير آخر وهو أنك تعرف أن صفات نفسك على الضد من صفات ربك ، فمن عرف نفسه بالفناء عرف ربه بالبقاء ، ومن عرف نفسه بالجفاء والخطأ عرف ربه بالوفاء والعطاء ، ومن عرف نفسه كما هي عرف ربه كما هو ، واعلم أنه لا سبيل لك إلى معرفة إياك كما إياك ، فكيف لك سبيل إلى معرفة إياه كما إياه ؟ فكأنه في قوله : من عرف نفسه عرف ربه ، علق المستحيل ؛ لأنه مستحيل أن تعرف نفسك وكيفيتها وكميتها ، فإنك إذا كنت لا تطيق بأن تصف نفسك التي هي بين جنبيك بكيفية وأينية ولا بسجية ولا هيكلية ولا هي بمرئية ، فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين وهو مقدس عن الكيف والأين...
وفي نفس الخط الذي سار عليه الإمام السيوطي في تحليل معنى (من عرف نفسه عرف ربه) على أنه من باب تعليق المستحيل على المستحيل سار عليه نظما فقال : 
قُلْ لِمَنْ يَفْهَمُ عَنِّيْ مَا أَقُوْلْ قَصِّرِ الْقَوْلَ فَذَا شَرْحٌ يَطُوْلْ
ثَمَّ سِرٌّ غَامِضٌ مِنْ دُوْنِهِ قَصُرَتْ وَاللهِ أَعْنَاقُ الْفُحُوْلْ 
أَنْتَ لا تَعْرِفُ إِيَّاكَ وَلَمْ تَدْرِ مَنْ أَنْتَ وَلا كَيْفَ الْوُصُوْلْ 
لا وَلا تَدْرِيْ صِفَاتٍ رُكِّبَتْ فِيْكَ حَارَتْ فِيْ خَفَايَاهَا الْعُقُوْلْ 
أَيْنَ مِنْكَ الرُّوْحُ فِيْ جَوْهَرِهَا هَلْ تَرَاهَا فَتَرَى كَيْفَ تَجُوْلْ 
وَكَذَا الأَنْفَاسُ هَلْ تَحْصُرُهَا لا وَلا تَدْرِيْ مَتَى عَنْكَ تَزُوْلْ 
أَيْنَ مِنْكَ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ إِذَا غَلَبَ النَّوْمُ فَقُلْ لِيْ يَاجَهُوْلْ 
أَنْتَ أَكْلَ الْخُبْزِ لا تَعْرِفُهُ كَيْفَ يَجْرِيْ مِنْكَ أَمْ كَيْفَ تَبُوْلْ 
فَإِذَا كَانَتْ طَوَايَاكَ الَّتِيْ بَيْنَ جَنْبَيْكَ كَذَا فَيْهَا ضَلُوْلْ 
كَيْفَ تَدْرِيْ مَنْ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لا تَقُلْ كَيْفَ اسْتَوَى كَيْفَ النُّزُوْلْ 
جَـلَّ ذَاتًـا وَصِفَـاتًـا وَعُــلا وَتَعَـالَـى رَبُّنَـا عَمَّـا تَـقُـوْلْ 
ثم قال الإمام السيوطي : ذكر بعضهم في هذا الحديث أنه من باب التعليق بما لا يكون وذلك أن معرفة النفس قد سد الشارع بابها لقوله : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) فنبه بذلك على أن الإنسان إذا عجز عن إدراك نفسه التي هي من جملة المخلوقات وهي أقرب الأشياء إليه فهو عن معرفة خالقه أعجز ، بل هو عاجز عن إدراك حقيقة قوله وحواسه كسمعه وبصره وشمه وكلامه وغير ذلك ، فإن للناس في كل منها اختلافات ومذاهب لا يحصل الناظر منها على طائل كاختلافهم في أن الأبصار بالانطباع أو بخروج الشعاع ، وأن الشم بتكيف الهواء أو بانبثاث الأجزاء من ذي الرائحة ، إلى غير ذلك من الاختلافات المشهورة ، فإذا كان الحال في هذه الأشياء الظاهرة التي يلابسها الإنسان على هذا المنوال ، فكيف يكون الحال في معرفة الكبير المتعال وقد تحصل مما سقناه في معنى هذا الأثر أقوال والله أعلم ."وما تقدّم من آراء العلماء له أهميته على مستوى التوحيد ، وليس على مستوى المعرفة القلبيّة . والمعرفة القلبية تعاش شعوريا ووجدانيا ، ولا تحلّل فكريا. 

فكانت تلك تحليلات فكريّة من نتائج العقول ، وليست بحقائق قلبيّة من نتائج الأرواح . وقد أربكت الأفهام ، وأوعرت الطريق ، واستبعدت عن المؤمن معرفة خالقه . وخالقه تعالى يقول :(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (96) والحَبلُ الْوَرِيدِ عِرق في وسط قلبه.. والقلب محطّ تجليات الخالق ، وموطن معرفته. 

**   **   **

90 - الطبقات الكبرى3 /192 لابن سعد
91 - الحاوي للفتاوي للإمام السيوطي 238/2
92 - سورة الأنبياء : 22
93 - سورة الإسراء : 42
94 - سورة المؤمنون : 91
95 - الحاوي للفتاوي
96 - سورة ق : 16


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016