recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الحكم العطائية :ادْفِنْ وُجودَكَ في أَرْضَ الخُمولِ ، فَما نَبَتَ مِمّا لََمْ يُدْفَنْ لاَ يَتِمُّ نِتَاجُهُ /شرح ابن عباد

الحكم العطائية :ادْفِنْ وُجودَكَ في أَرْضَ الخُمولِ ، فَما نَبَتَ مِمّا لََمْ يُدْفَنْ لاَ يَتِمُّ نِتَاجُهُ /شرح ابن عباد

قال ابن عباد :

     لا شيء أضر على المريد من الشهرة ، وانتشار الصيت ، لأن ذلك من أعظم حظوظه التي هو مأمور بتركها ، ومجاهدة النفس فيها ، وقد تسمح نفس المريد بترك ما سوى هذا من الحظوظ - ومحبة الجاه ، وإيثار الاشتهار ، مناقض للعبودية التي هو مطالب بها - .
     قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : ما صدق من أحب الشهرة ، وقال بعضهم : طريقنا هذه لا تصلح إلاّ لأقوام كُنّسَت  بأرواحهم المزابل .
     وقال أيوب السختياني : والله ما صدق الله عبدٌ إلاسرّه أن لا يُشعر بمكانه.
     وقال رجل لبشر بن الحارث رضي الله عنه : أوصني فقال : أخمل ذكرك ، وأطب مطعمك . وقال بعضهم رضي الله عنه : ما أعرف رجلا أحبَّ أن يُعرَف إلاّ ذهبَ دينه وافتضح .
    وقال أيضا : لا يجد حلاوة الآخرة من أحبَّ أن يَعرفَهُ النّاس .
     وقال الفضيل رضي الله عنه : بلغني أن الله عزّ وجلّ يقول في بعض ما يمن به على عبده : ألم أنعم عليك ؟ ألم أسترك ؟ ألم أخمل ذكرك ؟ .
     ثم إن تلك الأشياء الراجعة إلى محبّة الاشتهار والاستعلاء ممّا يقدح في إخلاص العبد على اختلاف مراتبه ، لأنه إمّا بسقوط الناس عن النظر إليهم ، أو بسقوط النفس عن النظر إليها ، ولا يثبت للمريد جميع ذلك إلاّ بالخمول ، وسقوط المنزلة عند نفسه ، وعند الناس ؛ لأنه إن لم يكن بهذه المثابة لم ينفك عن الأغراض التي تبعثه على استمالة قلوب الخلق ، لما يرى لنفسه عليهم من الحق ، فتدعوه نفسه إلى ذلك دعاء خفيّا ، فينصبغ عمله بالرياء انصباغا ، ولا يتفطّن له ، كما سيأتي عند قوله : ربّما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك .
     وبقدر تحققك بوصف الخمول يتحقق لك مقام الإخلاص ، حتى تتخلّص بذلك من رؤية إخلاصك ، وبهذا يتبيّن لك إفلاس جميع النّاس ، إلاّ من رحم الله تعالى ، وأنّ الإخلاص في غاية الصعوبة على النفس ، وأنّه أعزّ الأشياء في الوجود .
     وقال سهل بن عبد الله رضي الله عنه : أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، فكأنه ينبت فيه على لون آخر .
قال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله عنه: "الإخلاص عند المخلصين إخراج الخلق من معاملة الحق، وأول الخلق النفس، والإخلاص عند المحبين ألا يعملوا عملا لأجل النفس، وإلا دخل عليها مطالعة العوض ، أو الميل إلى حظ النفس ، والإخلاص عند الموحدين خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال ، وعدم السكون والاستراحة إليهم في الأحوال .
     فإذا أخمل العبد نفسه ، وألزمها التواضع والمذلّة ، واستمرّ على ذلك ، حتى صار له خلقا وجبلّة ، حيث لا يجد لضعته ألما ، ولا لمذلته طمعاً ، فحينئذ تتزكى نفسه ، و يستنير بنور الإخلاص قلبه ، و ينال من ربه أعلى درجات الخصوصية ، و يحصل على أوفر نصيب من المحبة الحقيقية .
     قال الشيخ أبو طالب المكي رضى الله عنه :" و متى ذل فى نفسه ، و أتضع عند نفسه فلم يجد لمذلته طمعا ، ولا لضعته حساً ن فقد صار الذل والتواضع كونه ، فهذا لا يكره الذم من الخلق ؛ لوجود النقص فى نفسه ، ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر و المنزلة فى نفسه ، فصارت الذلة و الضعة صفة له ، لا تفارقه ، لازمة لزوم الزبالة للزبال ، و الكساحة للكساح ، وهما صنعتان له كسائر الصنائع ، وربما فخروا بهما ، لعدم النظر إلى نقصهما  ، فهذه ولاية عظيمة له من ربه ، قد ولاه على نفسه ، وملكه عليها فقهرها بعزه  ، وهذا مقام محمود محبوب ، و بعده مقام المكاشفات بأسرار الغيوب " .
     ثم قال : " و من كان حاله مع الله تعالى الذل ، طلبه و استحلاه ، كما يطلب المستكبر العز و يستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه ، لفراق حاله ، كما إن المتعزز إذا فارق العز ساعة تكدر عليه عيشه ، لان ذلك حياة نفسه " . 

فإذن لابد للمريد من إسقاط جاهه ، و إخمال ذكره ، و فراره عن مواضع اشتهاره ، و تعاطيه أمورا مباحة ، تسقطه من أعين الناس ، كقصة السائح الذى سمع به ملك زمانه فجاء إليه ، فلما علم بذلك السائح استدعى بقلاً ، و جعل يأكله أكلا عنيفاً ، بمرأى من الملك ، فلما رآه على تلك الحالة استحقره ، و استصغره ، و انصرف عنه ذامًّا له .

    فإذا التزم العبد هذه الطرق من الرياضات ماتت نفسه وحيى قلبه ، و قرب من حضرة ربه ، و اجتنى ثمرة غرسه ، على غاية الكمال و التمام .
و تلك الثمرة أخلاق الإيمان التى تكيفت بها نفسه . وصارت كصفات ذاتية له . وهي نتيجة الحكمة التى أنبتها الله فى قلوب عباده المتواضعين " وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" .
     قال عيسى عليه الصلاة والسلام لأصحابه : أين تنبت الحكمة ؟ قالوا : في الأرض ن فقال عليه الصلاة والسلام : كذلك الحكمة لا تنبت إلاّ في القلب مثل الأرض .
      قلت : و قد ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم فى مدح الخمول ، و ذم الشهره أحاديث كثيره : منها ما روى أبو أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : قاَلَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: "إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ»، ثُمَّ نَقَرَ بِإِصْبَعَيْهِ فَقَالَ: «عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ قَلَّ عزاؤهُ»" .
     وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : رب أشعث أغبر ذي طمرين، تنبو عنه أعين الناس ، لو أقسم على الله لأبره . وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :  " إِنَّ يَسِيرًا مِنَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَخْفِيَاءَ الأَتْقِيَاءَ الَّذِينَ إِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا ، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الدُّجَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ " .
     وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي نوه فيه باسم(أويس القرني) وأشاد بذكره ، ونبه على عظيم أمره رضي الله عنه أنه قال :
بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ : لَيُصَلِّيَنَّ مَعَكُمْ غَدًا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَطَمِعْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلَ فَغَدَوْتُ فَصَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَمْتُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى انْصَرَفَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَسْوَدُ مُتَّزِرٌ بِخِرْقَةٍ مُرْتَدٌّ بِرُقْعَةٍ فَجَاءَ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَإِنَّا لَنَجِدُ مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهُوَ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنَّهُ لَمَمْلُوكٌ لِبَنِي فُلَانٍ قُلْتُ : أَفَلَا تَشْتَرِيهِ فَتُعْتِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَأَنَّى لِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مُلُوكًا وَسَادَةً وَإِنَّ هَذَا الْأَسْوَدَ أَصْبَحَ مِنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ وَسَادَتِهِمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ . إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ خَلْقِهِ الْأَصْفِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الْأَبْرِيَاءَ الشَّعِثَةَ رُءُوسُهُمُ الْمُغْبَرَّةَ وُجُوهُهُمُ الْخَمِصَةَ بُطُونُهُمْ إِلَّا مِنْ كَسْبِ الْحَلَالِ الَّذِينَ إِذَا اسْتَأْذَنُوا عَلَى الْأُمَرَاءِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ وَإِنْ خَطَبُوا الْمُتَنَعِّمَاتِ لَمْ يُنْكَحُوا وَإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَإِنْ طَلَعُوا لَمْ يُفْرَحْ بِطَلْعَتِهِمْ وَإِنْ مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا وَإِنْ مَاتُوا لَمْ يُشْهَدُوا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لَنَا بِرَجُلٍ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : ذَاكَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ قَالُوا : وَمَا أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ ؟ قَالَ : أَشْهَلُ ذُو صُهُوبَةٍ ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، مُعْتَدِلُ الْقَامَةِ ، آدَمُ شَدِيدُ الْأَدَمَةِ ، ضَارِبٌ بِذَقْنِهِ إِلَى صَدْرِهِ ، رَامٍ بِذَقْنِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ، وَاضِعٍ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ ، يَتْلُو الْقُرْآنَ ، يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ ، ذُو طِمْرَيْنِ ، لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، مُتَّزِرٌ بِإِزَارِ صُوفٍ ، وَرِدَاءِ صُوفٍ مَجْهُولٌ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ ،مَعْرُوفٌ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ ، أَلَا وَإِنَّ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ لُمْعَةٌ بَيْضَاءُ ، أَلَا وَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لِلْعِبَادِ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ وَيقَالُ لِأُوَيْسٍ : قِفْ فَاشْفَعْ ، فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مِثْلِ عَدَدِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ، يَا عُمَرُ وَيَا عَلِيُّ إِذَا أَنْتُمَا لَقِيتُمَاهُ ، فَاطْلُبَا إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكُمَا ، يَغْفِرِ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمَا ، وذكر باقي الحديث .

    تعقيب 

ادفن وجودك في الخمول الذي هو كالأرض للميت في التغطية التامة ، ولا تتعاط أسباب الشهرة ، فإن الخمول مما يعين على الإخلاص ن بخلاف حب الظهور فإنه من جملة القواطع القاصمة للظهور ، فإن سلكت الطريق بعد شهرتك فالواجب عليك التواضع ، فلا شيء أضر على المريد من الشهرة ، وانتاشار الصيت . ومحبّة الجاه وإيثارلاشتهار  مناقض للعبودية التي يطالب بها المريد .

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016