الخميس، 2 أغسطس 2018

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج اليه الأبرار - 10

في بيان السّعادة والشقاوة

اعلم أن الناس لا يخلو من هذين القسمين، وكذا هما يوجدان في إنسان واحد. فإذا غلبت حسناته وإخلاصه تبدّلت جهة شقاوته إلى السعادة - يعنى : تبدّلت نفسانيّته إلى روحانيّته - وإذا اتبع هواه انعكس الأمر، وإذا استولت الجهتان فالرّجاء والخير كما قال الله تعالى : {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} فزاد به وضع الميزان لأجلهما؛ لأنّ تبدّل النفسانيّة إلى الروحانيّة بالكليّة، فلا حاجة إلى الميزان، فهو يجيء بغير حساب ويدخل الجنّة، وكذا عكسه يدخل النّار بلا حساب. فمن ترجح حسناته دخل الجنة بلا عذاب كما قال الله تعالى :{ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ }. ومن ترجخ سيئاته يعذّب بقدر جنايته، ثم يخرج من النّار إن كان له إيمان ويدخل الجنّة.
ومرادنا من السّعادة والشّقاوة معنى الحسنات والسيئات يتبدل أحدهما بالأخرى كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( السعيدُ قد يشقَى , والشقي قد يَسعدُ ) . فإذا غلبت الحسنات يكون سعيداً، وإذا غلبت السّيئات يكون شَقيّاً، فمن تاب وآمن وعمل صالحاً يبدّل الله شقاوته إلى السّعادة وأمّا القدر في الأزل من السّعادة والشّقاوة لكلّ واحد جامع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :" السَّعيدُ سعيدٌ في بَطنِ أُمِّهِ، والشّقيُّ شَقيٌّ قي بطنِ أمّهِ ". فليس لأحد أن يبحث فيه ؛ لأنه من سرّ القدر، ولا يجوز أن يحتج أحد بسر القدر. 
قال صاحب تفسير البخاري : إن كثير من الأسرار يُعلم ولا يُتكلم به كسرّ القدر، فإن إبليس أحال أمره إلى سرّ القدر فلعن بذلك، وإن آدم عليه السّلام أضاف عصيانه إلى نفسه فأفلخ ورُحم. وفي الروايات ناجى بعض العارفين :" إِلَهِيْ أَنْتَ قَدَّرْتَ، وَأَنْتَ أَرَدْتَ، وَأَنْتَ خَلَقْتَ الْمَعْصِيَّةَ فِيْ نَفْسِيْ فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ : يَا عَبْدِيْ هَذَا مِنْ شَرْطِ التَّوْحِيْدِ، فَمَا شَرْطُ الْعُبُوْدِيَّةِ ؟ فَعَادَ فَقَالَ : أَنَا أَخْطَأْتُ، وَأَنَا أَذْنَبْتُ، وَأَنَا ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَعَادَ الْهَاتِفُ فَقَالَ : أَنَا غَفَرْتُ، وَأَنَا عَفَوْتُ، وَأَنَا رَحِمْتُ.
قثد أولوا أنّ المراد من الأمّ في الحديث مجمع العناصر الذي تتولّد منه قوى البشريّة، فالتراب والماء مظهر السعادة؛ لأنهما محييّا ومنبتّا العلم والإيمان والتواضع في القلب. وأما النار والرّيح فالعكس؛ لأنهما محرقان ومميتان. فسبحان من جمع بين هذه الأضداد في جسم واحد كما يجمع بين الماء والنّار ، وبين النّور والظّلمة في السّحاب كما قال الله تعالى :{ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ }.
سئل يحيى بن معاذ الرازي :بم عُرف الله تعالى ؟ فقال : يجمع بين الأضداد.
ولذلك كان الإنسان نسخة أمّ الكتاب ، ومرآة الحق جلالا وجمالا، ومجموعة الكون، ويسمّى كونا جامعا وعالَما كبرى ؛ لأن الله خلقه بيديه - أي: بصفات القهر واللطف - لأنه لا بد للمرآة من الجهتين - يعني : الكثافة واللّطافة - فيكون مظهر الاسم الجامع بخلاف سائر الأشياء، فإنّها خلقت بيد واحدة - أي : بصفة واحدة -. أمّا صفة اللّطف فقط كالملائكة، هم مظهر اسم السّبوح والقدّوس فقط. وأمّا صفة القهر كإبليس وذريّته وهو مظهر اسم الجبّار، ولذلك تجبّروا وتكبّروا عن السّجدة لآدم عليه الصّلاة والسّلام.
فلمّا كان الإنسان جامعاً للخواصّ بجميع الكائنات علواً وسفّلا لم يخلُ الانبياء والأولياء من الزّلة، فإنّ الأنبياء معصومون من الكبائر بعد النبوّة والرّسالة دون الصّغائر، والأولياء ليسوا معصومين، وقد قيل : " الأولياء محفوظون بعد كمال الولاية من الكبائر ".
قال الشقيق البلخي رحمة الله عليه :" علامة السّعادة خمسة : لين القلب، وكثرة البكاء، والزّهد في الدّنيا، وقصر الأمل، وكثرة الحياء . وعلامة الشقاوة خمسة : قسوة القلب، وجمود العين، والرّغبة في الدّنيا، وطول الأمل، وقلّة الحياء ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " علامة السعيد أربعةً : إذا اؤتمن عَدَلَ، وإذا عاهدَ وفَّى، وإذا تكلَّمَ صَدَقَ، وإذا خاصمَ لمْ يشتُمْ. وعلامة الشّقيِّ أربعةٌ : إذا اؤتمن خانَ، وإذا عاهدَ أخلَفَ، وإذا تكلّمَ كذَبَ، وإذا خاصمَ يشتمُ النّاسَ ولا يعفو عنهم " كما قال الله تعالى :{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }.
واعلم أنّ تبدُّل الشّقاوة إلى السّعادة او عكسه يكون بالتربيّة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :{ كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى فِطْرَةِ الإسلام، ولكنّ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ } وهذا الحديث يدلّ على أنّ في كل واحد قابلية السعادة والشقاوة، فلا يجوز أن يقال : هذا الرجل سعيد محض، او شقيّ محض، بل يجوز أن يقال : سعيد إذا غلبت حسناته على سيئاته ، وكذا عكسه . ومن غير هذه فقد ضلّ ؛ لأنه اعتقد أن من الناس من يدخل الجنة بلا عمل وتوبة، أو يدخل النار بلا معصية، فهذا القول خلاف النصوص لأن الله تعالى وعد اللجنة لأهل الصلاح والنار لأهل المعاصي والشّرك والكفر كما قال الله تعالى :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } وقال الله تعالى : { لْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚلَا ظُلْمَ الْيَوْمَ } وقال الله تعالى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } وقال الله تعالى :{ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ }.





Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: