الجمعة، 27 يوليو 2018

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج اليه الأبرار - 9


بيان الحجب الظّلمانية والنّورانية

قال الله تعالى : ( وَ مَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) . والمراد منه عمى القلب كما قال الله تعالى : ( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) .

          وسبب إعماه ظلمات الحجب والغفلة والنسيان بسبب بُعد العهد من ربَه .

          وسبب الغفلة : الجهل من حقيقة الأمر الإلهي .
      وسبب الجهل : استيلاء الصّفات الظّلمانية عليه كالكبر والحقد والحسد والبخل والعُجب والغيبة والنّميمة والكذب ونحو ذلك من الذّمائم . وسبب تنزّله إلى أسفل السّافلين هذه الصفات .

      وإزالة هذه الصفات الذّمائم بتصقيل مرآة القلب بمصقل التّوحيد وبالعلم والعمل والمجاهدة القويّة باطناً وظاهراً ، فتحصل حياة القلب بنور الأسماء والصّفات فيذكر وطنه الأصلّي فيشتاق إليه فيرجع ويصل بعناية الرّحمن .

        وبعد ارتفاع هذه الحجب الظّلمانيّة تبقى النّورانيّة ، ويصير بصيراً ببصيرة الرّوح، ومنوراً بنور الأسماء والصّفات حتى ترتفع الحجب النّورانيّة تدريجاً ، فينوّر بنور الذّات.

        واعلم أنّ للقلب في الباطن عينين : عين الصّغرى ، وعين الكبرى.

      فعين الصّغرى : تشاهد تجلّيات الصّفات بنور الأسماء والصّفات إلى أنتهاء عالم الدّرجات .

     وعين الكبرى : تشاهد تجلّي أنوار الذّات في عالم اللاهوت ، وهو القربة بنور التوحيد الأحديّة . وحصول هذه المراتب للإنسان بالموت ، وقبل الموت بالفناء من البشريّة النّفسانّية ، ووصول العبد إلى ذلك العالم بقدر الانقطاع من البشريّة النّفسانيّة .

     وليس معنى الوصول إلى الله تعالى من قبيل وصول الجسم إلى الجسم ، ولا العلم بالمعلوم، ولا العقل بالمعقول ، ولا الوهم بالموهوم . فمعنى الوصول : بقدر الانقطاع عن غيره بلا قرب ولا بعد ولا جهة ولا مقابلة ولا اتصال ولا انفصال . فسبحان من في ظهوره وخفاءه وتجلّيه واستتاره وفي معرفته حكمة عظيمة .

     فمن حصّل ذلك المعنى في الدّنيا وحاسب نفسه قبل أن يحاسب فهو من المفلحين ، وإلاّ فمستقبله عقوبات من عذاب القبر والحشر والحساب والميزان والصّراط وغير ذلك من شدائد الآخرة .


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: