الثلاثاء، 4 ديسمبر 2018

السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 10



السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 10

فإن النَّفَس الذي يبديه العبد يظهره بقدرة الله تعالى فيه، لا يبديه ولا يظهره إلا ولله فيه قدر مُقدّر عليه هو من آداب العبودية خاصَّة؛ طاعة كان أو معصية، نعمة كان أو بلية، هذا هو الأمر المقدر على العبد، نافذاً يمضيه الرَّب سبحانه عليه ويبرزه بقدرته في ذلك النَّفَس؛ فمراعاته في هذا الحال على وجه الخصوص شيء من أهم لوازم العبودية لدى القوم كونها مُراقبة. هنا تجيء مراقبة الأنفاس فقهاً باطناً يُلزم العبد في أحواله وأنفاسه مراعاة لأوقاته فيها؛ فكل نفَس على هذا يبدو منك إن هو إلا ظرفٌ لقدرٍ من أقدار الحق ينفذ فيك كائناً ما كان. وعليك مراعاة حقوق الأوقات ومراقبتها : الطاعة، المعصية، والنعمة، والبلية؛ أحوالُ العبد الأربعة التي ليس لها خامس.

حق الطاعة من معاملات الباطن شهود المنة ثم الحمد. وحق المعصية التوبة ثم الاستغفار. وحق النعمة الشكر ثم الحمد. وحق البلية الصبر ثم الرضا. إذا وفَّى العبد حقوق الأوقات؛ وفَّى في ذات الوقت حقوق آداب العبودية من مراعاة ومحاسبة ومراقبة، وتسليم لأقدار الله في نفْسه وغيره. وهذه الحقوق الواردة إن هي إلا النَّفَس تُبديه ولله فيك عليه قَدَرٌ يُمْضيه؛ فإنْ لَزَم العبد فيه أدب العبودية مع دوام المراعاة والمراقبة، سلَك بكل نَفَس يبديه طريقاً إلى الله تعالى؛ فتعدد طرقه إلى الله بعدد أنفاسه، فَنَفَسٌ في النعمة وفَّاهُ حقه من الشكر، ونَفَسٌ في الطاعة أوْفَى حقوقها بشهود منة الله عليه، ونَفَسٌ في المعصية وَفَّاهُ حقها فطالع من صحيفة استغفاره ما طالع؛ فوجب عليه أن يكون في كل حال صاحب نَفَس يؤدي حق الله عليه كلما وفقه الله واستطاع، ومن أجل ذلك قالوا : "الطُّرُق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق"؛ قالوا ذلك : مراعاة لحقوق الأوقات.

وكما كان هذا الأدب تقديراً من الله تجيء فيه الأنفاس عبودية محض عبودية خالصة؛ فإن مراقبة الأنفاس كذلك تتصل من أقرب طريق بالتعبير عن "حال الفناء"، ليشهد الفاني في غمار تجربته (= وحدة الشهود) الفناء في التوحيد؛ إذ الصوفي لا ينفصل عن تجربته مع الله إلا كما يفترق عنها لحظات ليعود إليها مجدَّداً على النَّفَس الذي يتجدَّد معه الحال، يعود إليها مرة أخرى حُضوراً وغيبة، أو فناءاً وبقاءاً، تتوارده الأحوال ولا حال له، وكلما اقترب من "نقطة المركز" أفناه عنه وأبقاه به؛ فصار معه بلا علاقة.

ويظل الصوفي على حال التردد بين الفناء والبقاء أو بين الغيبة والحضور أو بين الجمع والتفرقة في تجربة شعورية روحية باطنة أساسها فيما تقرر الرياضة الروحية الخالصة مستندة على "مراقبة الأنفاس"، والصعود مع كل نَفَس في "معارج الوعي الصوفي"، (الوعي الصوفي الذي يفترق عن الوعي العادي) صُعوداً ليس له حدٌّ فيمكن التعبير عنه بلغة عادية تسمح بتفسير مَرَاقيه، لا بل المؤكد هنا عدم التعبير عنه بلغة أصلاً، لا لشيء إلا لأنه معنى خالص لا يسمح بسعة اللغة اللفظية المحدودة بحدود التفكير والتعبير.

صفحة البداية          << السابق             التالى >>


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: