نفحات الطريق: شرح صلاة القطب ابن مشيش لابن عجيبة - 9

تعريف الطريقة القادرية البودشيشية

شرح صلاة القطب ابن مشيش لابن عجيبة - 9

ثمَّ ذكرَ ضدَّه فقال : (وَأَكْرَعُ) : أي أشْرَبُ على فَمي من غير واسطة. فالكَرْعُ : هو الشُّرْبُ على الفَم، بفعل المتعطش اللهفان (بِهَا) أيْ بتلكَ المعرفةِ (مِنْ مَوَارِدِ) جَمع مَوْرِدٍ؛ وهو محلُّ الشُّرْب. أي بتلك المعرفة من مناهِل (الفَضْلِ)؛ التي هي العلوم اللَّدنية، والأسرارُ الربانية؛ التي تكون بالفضل والمنّة، لا بالكسب والخدمةِ، ولا شكَّ أنَّ من عرفهُ وقامَ بواجبِ حقِّهِ، لاَ بُدَّ أنْ ينهَلَ من مناهلِهِ؛ ويردَ من موارِدِهِ، ويأخدَ قِسطَهُ من العلوم التي عَلِمَها عليه السلام بالوَحْيِ أو الإلهَامِ (لأنَّ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ، أَوْرَثَهُ الله عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).
شَبَّهَ الشيخُ رضي الله عنهُ العِلمَ اللّدني بأبْحُرٍ عَذْبَةٍ، يَرِدُ النّاسَ منها، وطلبَ من الله أنْ يَشرَبَ منها بلاَ واسطَةٍ، غير واسطتهِ عليه السَّلامُ، حتَّى تمتلئ عُروقُهُ وأَضلاعُهُ وأوصالُهُ. (إِذ القناعةُ مِنَ الله حِرْمانٌ). والعلمُ لا حدّ له حتى يُشبَعَ منهُ. (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً). ثمّ طلبَ السُّلوكَ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ، ومحَلّ الأُنْس فقال : (واحْمِلْني عَلَى سَبِيلِهِ) : أي طريقه الأقوم، (إلى حَضْرَتِكَ) : أي إلى العكوف في مشاهدة جمال حَضرَتك. أراد رضي الله عنه، أن يكون في سَيْرِهِ محمولاً على كاهلِ السًّنَّةِ المحمَّدية، لا حاملاً متعوباً؛ لأن من حمَلَته العنَاية الرَّبانيَّة، قطعَ في ساعةٍ واحدةٍ ما لاَ يَقْطعْهُ غَيرُهُ في سنينَ، وهو لا يشعرُ. وليس من كان مَحبوباً، كمَن كانَ مُحِبّاً، ولا من كان مَجذوباً كمن كان سالكاً. (الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُلو كنتَ لا تصلُ إليه إلا بعد فناءِ مساوئكَ، وقَطْعِ دعاويكَ ، لا تَصلُ إليه أبدًا ، ولكن إذا أرادَ أنْ يُوصلكَ إليهِ، غطَّى وصفَكَ بوصفِهِ ، ونَعْتَكَ بنعتهِ ، فوصَّلكَ بما منهُ إليكَ ، لاَ بمَا مِنكَ إليهِ » والحضرةُ : هي حضورُ القلبِ مع الرَّبِّ، أو حضور الرّوح أو السِّرِّ مع الحقِّ، فهي إذاً على ثلاثة أقسام : حضرة القلوب للطالبين، وحضرة الروح للسّائرين، وحضرة الأسرار للواصلين. أو تقول : حضرة القلوب لأهل المراقبة، وحضرة الأرواح لأهل المشاهدة، وحضرة الأسرار لأهل المكالمة. أو تقول : حضرة القلوب لأهل البرهان، وحضرة الأرواح لأهل العِيَنِ، وحضرة الأسرار لأهل التمكين.

  << السابق                          التالى >>

إرسال تعليق

0 تعليقات